التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 66

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 66، ألقاها

أخذ الميثاق من ذرية آدم وتفاصيله

يناقش أخذ الميثاق من ذرية آدم ويستعرض آراء العلماء حول كيفية استخراج الذرية من ظهر آدم. القول الصحيح هو أن الله أخرجهم حقيقة واستنطقهم حقيقة.

الاعتراضات على إشهاد الذرية والرد عليها

يناقش الاعتراضات على القول الأول حول إشهاد الذرية على الإيمان ويقدم ردودًا عليها مستندة إلى القرآن والسنة. إشهاد الذرية ممكن عقلًا وشرعًا والحجة قائمة بإرسال الرسل والفطرة.

علم الله تعالى بالأشياء وقدرته

يشرح مفهوم علم الله تعالى بالأشياء وقدرته على التقدير، حيث الله تعالى عليم بكل شيء أزلا وأبدا وقد قدر المقادير. كل ميسر لما خلق له والأعمال بالخواتيم.

الرد على شبهات حول علم الله وقدرته

يرد على شبهة أن الله لم يخلق أفعال العباد ولم يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها. علم الله سابق لما هو كائن وسيكون على وفق ما علمه أزلا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارع رحمه الله تعالى: قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه. فقال قوم: معنا الآية أن الله استخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض، ومعنا «وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم» دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا سبحانه وتعالى. قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: «قالتا أتينا طائعين». ذهب إلى هذا القفال وأطلب. وقيل: إنه سبحانه وتعالى أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه. وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، الذي فيه: «قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بي». ولكن قد روي من طريق أخرى: «قد سألتك أقل من ذلك وأيسر، فلم تفعل، فيورد إلى النار». وليس فيه «في ظهر آدم». وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول. بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، ما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فقبل أن ندخل في كلام الشيخ رحمه الله تعالى، ورده على القول الذي هو راجح، نلخص هذه المسألة في عدة أمور. أي: مسألة أخذ الميثاق. مسألة أخذ الميثاق تتبين وتتضح وتظهر بإذن الله جل وعلا إذا انضبطت عندنا أمور. الأمر الأول: هل كان الأخذ من ذرية آدم، أي: كان من آدم عليه السلام، أم من الذرية فحسب؟ هل كان من آدم أم من الذرية فحسب؟ كما تقدم معنا في المسألة قولان. منهم من قال: إنه من آدم وذريته من بعده، أي: من صلب آدم. نثر الله جل وعلا ذرية آدم من صلب آدم. ومن أهل العلم من قال: إنما نثرهم من أصلاب آبائهم. إنما نثرهم من أصلاب آبائهم. وكما ذكرنا ومضى معنا في الدرس الأول: أن الصحيح أنهم نثروا من صلب آدم، ولا مانع من أن يكون نثر الأبناء من الآباء، وينتهي الآباء إلى آدم عليه السلام. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. المسألة الثانية: وهي هل نثرهم الله جل وعلا حقيقة، أم أن الله جل وعلا نثر الأرواح وجعل فيها صورا؟ قولان لأهل العلم، والأرجح الأول. كما تقدم معنا أيضا في الدرس الماضي. وأبعد من قال: إن الإشهاد لم يكن بهذا ولا ذاك، وإنما أريد به الإقرار باعتبار الفطرة التي فطروا عليها. الأمر الثالث: أو قل المسألة الثالثة، وهي هل إشهاد الله جل وعلا لذرية آدم كان بلسان الحال، أو كان بلسان المقال؟ أي: هل قال لهم الله جل وعلا حقا وحقيقة «ألست بربكم» فقالوا «بلى» بلسان الحال أو بلسان المقال؟ قولان. والصحيح أنه بلسان المقال، وهو الأصل والظاهر. ودلت على هذه الجمل الأدلة من كتاب الله جل وعلا، وما ثبت كذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكما تقدم معنا أن عامة السلف على هذا القول، أي: على هذه الأقوال المذكورة. وكما تقدم معنا في الدرس الماضي أن قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ المقصود أن الله جل وعلا أضاف الظهور إلى الذرية، والذرية ترجع إلى آدم. ذرية آدم ترجع إلى أبيهم آدم، كما ذكر ذلك غير واحد من المفسرين رحمهم الله تعالى. وكذلك جاء في ظاهر الآية أن الله جل وعلا قال لهم «ألست بربكم» قالوا «بلى». وهذا يدلنا على أنه كان حقيقة، وكان بلسان المقال. ويدلنا على ذلك كذلك السنة، كما مر معنا في حديث ابن عباس: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بن عرمان يوم عرف، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا». وهذه نصوص واضحة، لا تحتاج إلى تأويل. بل السلامة بالبقاء على هذه الضواهر، كما هي طريقة أهل السنة والجماعة في هذه الأبواب وغيرها. وما ذكره الشارح رحمه الله تعالى عن القرطبي: «وهذه آية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه». فقال قوم: معنى الآية أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض. ومعنى «وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم» دلهم على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا سبحانه وتعالى. قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: «قالتا أتينا طائعين». ومعنى هذا أن الله جل وعلا استشهدهم بلسان الحال. قال: ذهب إلى هذا القفال وأطنب. وقيل: إنه سبحانه وتعالى أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وأنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها. ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك إلى آخر كلامه. ولم يذكر القول الصحيح. والقول الصحيح أن الله جل وعلا أخرجهم حقيقة، كما دلت على ذلك الأدلة الواضحة من الكتاب والسنة. وأن الله جل وعلا استنطقهم حقيقة، وأنهم شهدوا حقيقة. قوله رحمه الله تعالى: «وأقوى ما يشهد لصحة القول الأول حديث أنس المخرج في الصحيحين، الذي فيه: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا أن تشرك بي». الحديث، وقد نبأ عليه العلامة الألباني رحمه الله تعالى بعد أن قال: صحيح. وهو الذي قبله. والطريق الأخرى عند مسلم، وكذا البخاري. قال: ولا منافات بينها وبين التي قبلها؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، كما لا يخفى. قال: وقد جمعتها في الحديث، وخرجته في «سلسلة الأحاديث الصحيحة». ثم تبينت أن الطريق الأخرى ليست هي التي عند الشيخين، وإنما هي عند أحمد والحاكم بإسناد على شرط مسلم، باللفظ الذي ذكره المؤلف حرفا حرفا. فمعنى هذا أن اللفظ في «مسند أحمد» بإسناد صحيح، وأصله في الصحيحين. فالشارح رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن هذا أقوى دليل، أراد أن يضعف هذا الدليل، ويضعف الشاهد منه. فقال رحمه الله: بأن الحديث قد ورد من طريق أخرى: «سألتك أقل من ذلك وأيسر، فلم تفعل، فيرد إلى النار». وليس فيه «في ظهر آدم». ثم قال: وليس في الرواية الأولى إخراجهم من ظهر آدم على الصفة التي ذكرها أصحاب القول الأول. إذن كأن لسان حاله يقول: فلا يستقيم الاستدلال بهذا الحديث. وهذا الذي جرى الشارح رحمه الله تعالى إليه هو أنه اعتقد اعتقادا جازما أن الذرية لم تخرج، وأن الله لم يستنطقها، وأنها لم تنطق حقيقة، بل بلسان الحال. ولو أنه بقى على الظاهر، لسلم لظواهر هذه النصوص. قال رحمه الله: «بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين، أحدهما كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان، وأنه بهذا تقوم الحجة عليهم يوم القيامة». قوله رحمه الله تعالى: «بل القول الأول متضمن لأمرين عجيبين». وهذا كما ترون فيه أن القول الذي ذهب إليه السلف، ودلت عليه النصوص والآثار: أنها أقوال عجيبة. ما الذي جره إلى ذلك؟ جره ما سبق ذكره. فالحاصل أنه قال: «متضمن لأمرين عجيبين، أحدهما كون الناس تكلموا حينئذ وأقروا بالإيمان». فيقال: وأي عجب في هذا؟ وقد نطق به الكتاب والسنة. ألم يقل ربنا جل وعلا: «وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا»؟ فما العجب إذن من استنطاق الله جل وعلا للذرية حقيقة؟ فهذا كما هو ظاهر ليس بممتنع عقلا، بل هو ممكن. هل ممكن في حق الله جل وعلا أن يخلق الله الذرية، وينثرهم أمامه، ثم يستنطقهم ويشهدهم على الإقرار به سبحانه وتعالى؟ الجواب: أنه ممكن عقلا وشرعا، بل واقع حسا، ودل على هذا النقل الصحيح من الكتاب والسنة. فلا عجب. بل العجب من إنكار هذا القول، وقد نطق به الكتاب والسنة، وعليه سلف هذه الأمة من الصحابة الكرام وأتباعهم بإحسان. قوله رحمه الله تعالى: «وليس فيه في ظهر آدم». قوله: «وأقر بالإيمان، وأنه بهذا تقوم عليهم الحجة يوم القيامة». يعني: يجاب عن هذا أن الحجة قائمة بإرسال الرسل. وأن الحجة المترتب عليها الثواب والعقاب قائمة بإرسال الرسل. لكن من لم يتبع الرسل، بل وزاد على ذلك بأن كان أشرك بالله معه غيره، كان معذبا بسبب إعراضه، ومعاتبا بسبب تركه للميثاق الأول. واضح: أن سبب تعذيبه أنه لم يتبع الرسل؛ لقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. إذن العذاب أو قل الثواب والعقاب إنما يكون بإرسال الرسل. ولكنهم يعاتبون أيضا على تركهم الميثاق الذي أخذه الله جل وعلا عليهم. وهذا الميثاق هو كما قال أصحاب القول الأول: بأنه ثمرة الفطرة التي فطر الناس عليها، وهي الإقرار به سبحانه وتعالى. إذن لا عجب في هذا ولا ذاك. قوله رحمه الله: «والثاني أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه بوجوه». قوله: «والثاني أن الآية دلت على ذلك، والآية لا تدل عليه». الصواب أن يقال: بل قد دلت عليه؛ لأن الناس كلهم لآدم، وآدم من تراب. فالذرية عائدة إلى آدم، وآدم خلق من تراب. كما قال ذلك البغوي، وأشار إليه كذلك ابن الأنباري. بل حكاه عن السلف قاطبة. فضلا: قال رحمه الله: «والآية لا تدل عليه بوجوه، أحدها أنه قال: من بني آدم، ولم يقل: من آدم. الثاني: أنه قال: من ظهورهم، ولم يقل: من ظهره. وهذا بدل بعض أو بدل اجتهاد، وهو أحسن. الثالث: أنه قال: ذريتهم، ولم يقل: ذريته». والجواب عن هذا ما ذكره ابن الأنباري رحمه الله تعالى، إذ قال: بأنه استغنى في الآية عن ذكر آدم وذكر الذرية؛ لأن ذرية آدم منه. إذن لا إشكال، ولا تعارض، ولا تناقض، ولا اضطراب بين الآية والأحاديث والآثار في الباب. بل الأحاديث والآثار بالباب تدل على صحة القول الأول. قوله رحمه الله: «الرابع: أنه قال: وأشهدهم على أنفسهم، ولا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار». وهذا يجاب عليه بأن يقال: بأن الإشهاد قد حصل كما نطق به الكتاب والسنة. الله جل وعلا يقول: «وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا». القرآن ينطق بأنه أشهدهم، وأنهم شهدوا. فإن قيل: فلماذا لا يذكرون الآن ذلك الميثاق؟ فالجواب: يقال: إنما حصل النسيان لبعد العهد ولطول المدة. فكما نسي آدم، نسيت ذريته. كما جاء في الحديث نفسه: حينما أعطى آدم عليه السلام من عمره أربعين سنة لولده داود، ثم جحد ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نسي آدم، فنسيت ذريته». الحديث. إذن حصل نسيان بسبب بعد العهد وطول الأمد. قال: ومعلوم أن إيهاب آدم عليه السلام لأربعين سنة لداود كان عند العهد، ومع هذا نسي عليه السلام ونسيت الذرية. قالوا: «لكن ما خلق الله في قلوبهم من الفطرة بمعرفة الله كان كالحجة عليهم». قالوا: «لكن ما خلق الله في قلوبهم من الفطرة كان كالحجة عليهم». لكن الحجة المتوقف عليها النعيم والتعذيب إنما هو بإرسال الرسل. إذن يقال: بأن هذا الأمر كما ذكر: أنه لم ينس مطلقا، بل الفطرة دالة عليه ومقرة به. فمن ثمار الفطرة أو من ثمار الإشهاد ما قد في الفطرة من الإقرار بالله رب العالمين. هذا أمر. وذكر أمرا آخر، وهو أن العقاب على ترك هذا الواجب يتأخر إلى حين ورود الشرع. كما دل عليه قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. قوله رحمه الله: «الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة للحجة عليهم؛ لأن لا يقول يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها». والجواب على هذا: التقدم. هو أن يقال: أن ما خلق الله في قلوب من الفطرة بمعرفة الله كان كالحجة عليهم، لكن الحجة لا تقوم إلا بإرسال الرسل. الحجة التي يترتب عليها الثواب والعقاب لا تكون إلا بعد إرسال الرسل. والأمر الثاني: كما ذكر أيضا، وهو أن يقال: أنهم وإن كانوا أخذ عليهم الميثاق، ولكنهم لا يؤاخذون حتى يبعث ويرسل إليهم الرسل. فإن تركوا أخذوا بهذا وذاك. قوله رحمه الله: «السادس: تذكيرهم بذلك؛ لألا يقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين. ومعلوم أنهم غافلون عن الإخراج لهم من صلب آدم كلهم، وإشهادهم جميعا ذلك الوقت». فهذا لا يذكره أحد منهم. وما يدري هذا القائل أنه لا يذكره أحد؟ والله جل وعلا يخبر بهذا. فالصواب يقال: كما قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. فكان الأمر في هذا كما يقال: أوضح وأوضح وأوضح. فالحاصل: أن هذا من خطأ من الأخطاء، وكبوة من الكبوات الذي وقع فيها من وقع من هؤلاء الأجل، رحمهم الله وغفر لهم. قوله رحمه الله: «السابق قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فذكر حكمتين في هذا الإشهاد؛ لأن لا يدعو الغفلة أو يدعو التقليد». فالغافل لا شعور له، والمقلد متبع في تقليده لغيره. ولا تترتب هاتان الحكمتان إلا على ما قامت بهم حجة من الرسل والفطرة. وهذا تقدم الجواب عليه. قال: «الثامن: قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: توعدهم بجحودهم وشركهم لما قالوا ذلك». وهو سبحانه إنما يهلكهم بمخالفة رسله وتكذيبهم. وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون. وإنما يهلكهم بعد الإعذار والإنذار بإرسال الرسل. قال: «التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليه بهذا في غير موضع من كتابه». كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها، وذكرتهم بها رسله بقولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. قال: «العاشر: أنه جعل هذه آية وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها». وهذا شأن آيات الرب تعالى. فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وإنما ذكر ذلك بالفطرة التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله. فما من مولود إلا يولد على الفطرة. لا يولد مولود على غير هذه الفطرة. هذا أمر مفروغ منه. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزادوا في ذلك العدد ولا ينقص منه». وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه. قال الشارح رحمه الله: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وكان الله بكل شيء عليما. فالله تعالى موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلا وأبدا. لم يتقدم علمه بالأشياء جهالة. وما كان ربك نسيا. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقعد، وقعدنا حوله، ومعه محصرة. فنكس رأسه، فجعل ينكت بمحصرته، ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة». قال: فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة». ثم قال: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له». وأما أهل السعادة فييسرون إلى عمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. خرجاه في الصحيحين. وهذا يبين لنا صحة ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى: بأن الله جل وعلا بكل شيء عليم، وأنه علم أهل الجنة من هم، وعلم أهل النار من هم، وعددهم. على أي كيفية يدخلون الجنة أو يدخلون النار؟ كما هو واضح ظاهر لكل ذي عينين. ولكن من حرمه الله جل وعلا التوفيق لا يبصر بعينيه، بل ولا ببصيرته الحق الواضح المبين. قال الإمام الطحاوي رحمه الله: «وكل ميسر لما خلق له، والأعمال بالخواتيم، والسعيد من سعيد بقضاء الله، والشقي من شقي بقضاء الله». قال الشارح رحمه الله: تقدم من حديث علي رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له». وعن زهير، وعن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم، فقال: يا رسول الله، بيّن لنا ديننا، كأننا خلقنا الآن. فيما العمل الآن؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: «لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير». قال: ففيما العمل؟ قال: «اعملوا؛ فكل ميسر». رواه مسلم. وعن سهل بن سعد السعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار. وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل ليعمل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة». خرجاه في الصحيحين. وزاد البخاري: «وإنما الأعمال بالخواتيم». وهذه الزيادة بعض الأئمة أعلها، كالإمام الدارقطني رحمه الله تعالى في «التتبع». لكن الحديث يعني هذه اللفظة، وهذا الحديث جاء في حديث أنس عند الترمذي بإسناد صحيح. وكذلك في «مسند أحمد» جاء كذلك بإسناد صحيح. وجاء كذلك من حديث عائشة بإسناد حسن. فالحاصل: أن الحديث ثابت «إنما الأعمال بالخواتيم» ثابت. قال رحمه الله: وفي الصحيحين أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكثب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد». فوالذي لا إله غيره: «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها». والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وكذلك الآثار عن السلف. قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه. وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار، واعتقادها، وترك المجادلة فيها. وبالله العصمة والتوفيق. قال: وأهل السنة والجماعة مقرون بما جاء في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم من سبق علم الله جل وعلا لما هو كائن. وأن الله جل وعلا قدر المقادير. وأن الله عز وجل جعل الناس على قسمين: منهم شقي ومنهم سعيد. كما دل على ذلك الكتاب والسنة. والسنة كما ترون: أحاديث كثيرة متكاثرة في الصحيحين، تدل على هذا المعنى. ففيها دلالة واضحة لمذهب أهل الحق أهل السنة والجماعة في هذا الباب. ورد على الطائفتين الزائغتين في باب القضاء والقدر. رد على الجبرية الذين اتكلوا على القدر وتركوا الأعمال؛ لأن الصحابة حينما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: «ففيما العمل؟» قال: «اعملوا؛ فكل ميسر لما خلق له». ففيه أمر بالعمل. وأن كل ميسر لما خلق له. فأهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ييسرون لعمل أهل الشقاوة. إذن فيه حث على العمل. فيكون فيه ردا على الجبرية. وفيه كذلك رد على القدرية الذين يقولون: بأن الله جل وعلا لم يقدر مقادير الخلق، وليس له علم بما يفعله الخلق إلا بعد أن يعمله، وليس خالقا لأفعال العباد. فهذه الأدلة واضحة جليا على أن الله جل وعلا علم كل شيء جملة وتفصيلا. لا كما قالت القدرية: أن علم الله جل وعلا بالأشياء علما كليا إجماليا، وأنه لا يعلم جزئيات الأشياء. هذا قول باطل. وأيضا في رد على قولهم: بأن الله جل وعلا لم يخلق أفعال العباد، ولم يعلم بالأشياء إلا بعد وقوعها. وقولهم: بأن الأمر أنف. هذه الأدلة تدل على سبق علم الله جل وعلا لما هو كائن. وأن ما هو كائن سيكون على وفق ما علمه الله جل وعلا أزلا. وسيأتي بإذن الله جل وعلا مزيد بيان في الدرس الآتي بإذن الله جل وعلا. إلى هنا: سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على