الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 28، ألقاها
النسخ في اللغة يعني الرفع والإزالة وقد يطلق على ما يشبه النقل، وفي الشرع يعني رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه. النسخ في القرآن جاء بثلاثة معانٍ مختلفة.
يناقش تعريف النسخ في الشرع وحدوده، حيث يُعرّف على أنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه، مع توضيح الشروط والاحترازات لهذا التعريف والفرق بين النسخ والتخصيص. يُبين أيضًا أن إنكار النسخ فاسد وأنه جائز عقلًا وواقع شرعًا.
ينهي النص بعبارة دينية تؤكد على علو الله تعالى وعلى الصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مشددًا على أهمية التمسك بالعقيدة والصلاة على النبي في الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب النسخ. النسخ في اللغة الرفع والإزالة، ومنه نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقولهم: نسخت الكتابة. معنى كلامه ظاهر، وقوله: ما يشبه النقل، عُبّر بأنه يشبهه لأنه ليس نقلًا حقيقي، لأن ما في الكتاب المنقول منه لم يُنقل بالكلية، وإنما نُقلت صورته منه إلى الكتاب الثاني. وجاء النسخ في القرآن العظيم لثلاثة معان: وجاء بمعناه اللغوي، وهو الرفع والإبطال من غير تعويض شيء عن المنسوخ، كما في قوله تعالى: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾. وجاء بمعناه الشرعي، وهو رفع حكم شرعي بخطاب جديد، كما في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ الآية. وجاء بمعنى نسخ الكتاب، أي كتابته، كما في قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَفِي نَسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال العلامة الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب النسخ، أي: مدخل الكلام على مسائل وأحكام النسخ. فقال: النسخ في اللغة الرفع والإزالة، بمعنى أن مدار النسخ في اللغة يرجع إلى هذين المعنيين: إلى معنى الرفع وإلى معنى الإزالة. ومثل لذلك بقوله: ومنه نسخت الشمس الظل، أي: رفعته. وكذلك يقال: ماذا أزالت ونسخت الريح الأثر. قال: وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، كقوله: نسخت الكتاب. قال: معنى كلامي ظاهر، وبيّنه رحمه الله تعالى في قوله: وقد يطلق لإرادة ما يشبه النقل، أي: ليس هو نقلًا حقيقيًا؛ إذ لم يُنقل أصل ذلك الكتاب إلى الكتاب الآخر، ولكن نُقلت صورة ذلك الكتاب إلى كتاب آخر، فسمي نسخًا بهذا الاعتبار. قال المؤلف رحمه الله: أما النسخ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة لا غير. وحده: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه. ومعنى الرفع: إزالة الحكم على وجه لو لاه لبقي ثابتًا. قوله رحمه الله تعالى: فأما النسخ في الشرع فهو بمعنى الرفع والإزالة، أي: أنه يطلق على هذين المعنيين لا غير. قال: وحده، أي: تعريفه شرعًا: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه. قال بعض الأصوليين: التعبير بقولهم: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بدليل شرعي أولى من التعبير بخطاب متراخ؛ لأن الفعل يعتبر ناسخًا. قوله: بخطاب متقدم، متعلق بالثابت، يعني أنه ثابت بخطاب شرعي متقدم لا بالبراءة الأصلية. قوله: بخطاب متراخ عنه، متعلق برفع الحكم، يعني أنه مرفوع بخطاب متراخ عنه لا متصلًا به. وإضاح تقريره: أن النسخ هو أن يرفع حكم ثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ. قال رحمه الله: واحترز بقوله: رفع الحكم عما لم يرفع أصلا، كالأحكام التي لم يدخلها نسخ. قال رحمه الله: واحترز بقوله: بخطاب متقدم عما كان ثابتًا بالبراءة الأصلية، كعدم حرمة الربا وعدم وجوب الصيام والصلاة؛ فإن رفع حكم البراءة الأصلية لا يسمى نسخًا. قال رحمه الله: واحترز بخطاب ثاني عن زوال الحكم بالجنون ونحوه؛ فليس بنسخ؛ لأنه لم يرفع بخطاب ثاني. قال رحمه الله: واحترز بتراخيه عن المتصل بالخطاب الأول؛ فإنه تخصيص له وبيان لا نسخ له، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾؛ فإن بدل البعض من الكل فيه رفع حكم وجوب الحج عن غير المستطيع، ولكنه متصل به؛ فليس نسخًا لأنه لم يتراخ عنه. قال رحمه الله: وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾؛ فرفع حكم الأمر بالكتابة في حق من لم يعلم فيه خيرًا المفهوم من الشرط، ليس نسخًا لأنه متصل به. قال رحمه الله: قال قوم: إن النسخ كشف مدة العبادة بخطاب ثاني. وهذا القول ذكره الرازي في المحصول، وذكره أيضًا طائفة من حنفية وغيرهم. قال رحمه الله: حاصل هذا القول الأخير: أن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول؛ لأن ظاهر الخطاب الأول أن الحكم مؤبد، والناسخ قد دل على انتهاء زمنه. قال رحمه الله: وهذا التعريف غير صحيح؛ لأنه يحصر النسخ في التخصيص في الأزمان فقط. قال رحمه الله: وعلم أن حد النسخ الذي ذكره المؤلف باطل؛ فلا حاجة له. قال رحمه الله: وعلم أن النسخ لا يلزمه البداء؛ لأن الله يشرع الحكم الأول وهو يعلم أنه سينسخه في الوقت الذي تزول مصلحته فيه، وتصير المصلحة في الناسخ. قال رحمه الله: وها هنا تنبيه: وهو أن الناسخ حقيقة هو الله تبارك وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. فالله جل وعلا هو الناسخ حقيقة. قال رحمه الله: ويطلق النسخ كذلك على الطريق المعرفة لارتفاع الحكم، إما بآية وإما بخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره أو إجماع يبين حكم ذلك النسخ. قال رحمه الله: قال المؤلف: فما الفرق بين النسخ والتخصيص؟ قال رحمه الله: اعلم أن السلف يطلقون اسم النسخ على ما يطلقه عليه الأصوليون، وعلى التخصيص والتقييد؛ فالجميع يسمونه نسخًا. قال رحمه الله: أما الأصوليون فلا يطلقون النسخ على التخصيص، ولا التخصيص على النسخ. وحد النسخ عندهم هو ما تقدم. قال رحمه الله: وحد التخصيص في اصطلاحهم هو قصر العام على بعض أفراده بدليل يقتضي ذلك. قال رحمه الله: بتعريف كل منهما يظهر الفرق. وذكر المؤلف الفرق بينهما من سبعة أوجه. الأول: أن التخصيص بيان أن المخصوص غير مراد باللفظ، والنسخ يخرج ما أريد باللفظ. الثاني: أن النسخ يشترط تراخيه، بخلاف التخصيص فإنه يجوز اقترانه. الثالث: أن النسخ يدخل في الشيء الواحد، كنسخ استقبال بيت المقدس ببيت الله الحرام؛ فالمنسوخ شيء واحد. بخلاف التخصيص فلا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة. الرابع: أن النسخ لا يكون إلا بخطاب جديد، والتخصيص قد يقع بغير خطاب، كالتخصيص بالقياس. الخامس: أن النسخ لا يدخل الأخبار، وإنما هو في الإنشاء فقط. بخلاف التخصيص فإنه يكون في الإنشاء وفي الخبر. السادس: أن النسخ لا يبقى معه دلالة اللفظ على ما تحته، والتخصيص لا ينتفي معه ذلك. السابع: أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد، بخلاف التخصيص فإن المتواتر يخصص بالآحاد. قال رحمه الله: تنبيه: اعلم أن التخصيص إن لم يرد فيه المخصص بالكسر إلا بعد العمل بالعام، والتقييد إن لم يرد فيه المقيد بالكسر إلا بعد العمل بالمطلق؛ فكلاهما حينئذ نسخ. قال رحمه الله: قال المؤلف رحمه الله: فصل: وقد أنكر قوم النسخ، وهو فاسد. لا شك أن إنكار النسخ فاسد، وأن النسخ جائز عقلًا. وواقع شرعًا، وهو الدليل: قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾. والصحيح الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن النسخ ثابت شرعًا، وثابت عقلًا. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.