الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 30، ألقاها
يناقش بداية مفهوم النسخ وعلاقته بالزيادة على النص في الشريعة الإسلامية، حيث تختلف الآراء بين الجمهور والحنفية حول ما إذا كانت الزيادة على النص تعتبر نسخا أم لا. يشرح العلامة الشنقيطي أن الزيادة قد تكون نسخا إذا نفتهما أو أثبتت ما نفاه النص الأول.
يتناول بالتفصيل مفهوم النسخ في الأحكام الشرعية وعلاقته بالزيادة على النص، مشيرا إلى أن الزيادة على الحكم الشرعي قد تكون نسخا إذا أزالت الحكم الأول. يستدل على ذلك بأمثلة من القرآن والسنة ويوضح شروط النسخ.
يناقش مسألة نسخ جزء أو شرط في العبادة، ويبين آراء الجمهور وأبي حنيفة في هذه المسألة. يُوضح أن نسخ الشرط أو الجزء يعود بالحكم إلى أصله ولا يُبطل الحكم كله.
يوضح أن النسخ لا يحدث للجزء أو الشرط المنفي بالنسبة للباقي، ويستشهد بقول في المراقي. ثم يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله الرحمن الرحيم قال إمام الشنطي رحمه الله تعالى: حل المؤلف رحمه الله تعالى فصل، والزيادة على النص ليست بنص. قال رحمه الله تعالى: والزيادة على النص ليست بنص، هذه مسألة من مسائل النص يذكرها الأصوليون في كتبهم، وكذلك تنبني عليها فروع فقهية كما سيأتي بإذن الله تبارك وتعالى. إشارة إليها، وسأتي كذلك في كلام العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى مراتب الزيادة على النص وأقسامها. والزيادة على النص ليس بنص هذا على مذهب الجمهور، خلافا للحنفية، فالحنفية عندهم الزيادة على النص نسخ على تفصيل سيأتي بإذن الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله: لا يخفى أن زيادة وجوب الصوم على وجوب الصلاة ليس نسخا للصلاة كما ترى. وإضاح هذا المبحث الذي تفصيله لا بد منه لم يذكره المؤلف، وهو أن الزيادة على النص لها حالتان: الأولى أن تنفي ما أثبته النص الأول، أو تثبت ما نفاه. وهذه لا شك أنها نسخ. ولم يتعرض لها المؤلف رحمه الله. ومثالها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ونحو ذلك، فإن لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الآية، مع أن هذه الآية الكريمة تدل على إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها بدليل حصر المحرمات في الأربع المذكورة في الآية بأقوى أدوات الحصر، وهي النفي والاستثناء. ونظير الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: 173]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [النحل: 115]. وقد تقرر في الأصول في مبحث دليل الخطاب -أعني مفهوم المخالفة- وفي المعاني في مبحث القصر أن «إنما» من أدوات الحصر، وهو الحق. فأحاديث تحريم الحمر الأهلية وذي الناب من السباع مثلا زاد التحريم شيئا قد دل القرآن قبل ورود تحريمه على أنه مباح، فكونها نسخا لا شك فيه. وإن خالف فيه كثير من أهل العلم، لوضوح النسخ فيه كما ترى، لأنه رفع حكم سابق دل عليه القرآن بخطاب جديد. أولا: الزيادة على النسخ ليست بنسخ باتفاق، كما مثل له الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى بالصلاة مع الصيام، ففرضية الصيام ليست ناسخة لفرضية الصلاة، لماذا؟ لأن فرضية الصلاة حكم ثابت، والصوم أتى بحكم آخر ثابت، فلا تناقض بينها. هذا أمر. ثم عرج العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى إلى مسألة، وهي أن الزيادة على النسخ لها حالتان: الحالة الأولى أن تنفي ما أثبته النص الأول، أو تثبت ما نفاه. وهذه لا شك أنها نسخ. بهذا الاعتبار المذكور لا شك أنها نسخ. تأتي آية تنفي ما أثبته ما أثبته آية سابقة، أو تنفي ما يعني يأتي نص ينفي ما أثبته آية سابقة، أو يثبت ما نفته آية سابقة. هذا لا شك ولا ريب أنه نسخ. وقد مر معنا واضح، لأن النص كما مر معنا هو إزالة حكم سابق بحكم متراخن بدليل شرعي. قوله: «ولم يتعرض لها المؤلف رحمه الله» الجواب: أنه تعرض لها، لكن تعرض لها ليس في هذا المبحث، بل في مبحث سابق. لماذا؟ لأن ابن قدامة رحمه الله تعالى في هذا المبحث في هذه المسألة خاصة يذهب مذهب الجمهور. ما هو مذهب الجمهور؟ مذهب الجمهور أن ما ذكر في هذه المسألة وهذه الجزئية خاصة أنه ليس بنسخ، ليس بنسخ. فلم يذكره؛ لأنه ليس بنسخ. قد يقول قائل: لماذا ليس بنسخ؟ مع أن العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى دلل وبين وبرهن بأنه نسخ. فما هو الجواب؟ الجواب هو ما ذكره الجمهور. ما هو الذي ذكره الجمهور؟ ذكر الجمهور أن ما سوى المذكورات في الآيات المذكورة -«قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمهم إلا أن يكون ميتة» الآية- ما سواها قالوا: هذا مسكوت عنه واضح. والمسكوت عنه يأخذ حكم البراءة الأصلية. ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ واضح. فمبنى كلام الجمهور على هذا. لكن الشنقيطي رحمه الله تعالى كعادته في تحقيق المسائل التي يطرقها يبين لنا هاهنا أن هذه المسألة ليست من مما ذكره الجمهور، أي ليست داخلة في الإباحة العقلية، بل هي داخلة في الإباحة الشرعية بدليل الشرع بخطاب الشرع. فإذن ما دام أنها داخلة في الإباحة الشرعية، ثم رفعت دل على أن ذلك الحكم الأول نسخ بالحكم الثاني، فهو يدخل في الناسخ والمنسوخ واضح. استدل الشنقيطي رحمه الله تعالى على قوله بأدلة، منها قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: 145] الآية، وهذا الأسلوب عند علماء المعاني يسمونه أسلوب حصر، بل هو في أعلى درجات أسلوب الحصر. وإذا كان أسلوب حصر فإنه يدل بمفهومه على أن ما سوى المذكورات خارج عن ذلك الحكم. ما سوى تلك المذكورات خارج عن ذلك الحكم بدليل شرعي. قال: «فإنه ركس» واضح، أي ما عدا هذه المذكورات فإنها على الأصل، فإنها على الإباحة إباحة شرعية أو إباحة عقلية. الشنقيطي يقول: إباحة شرعية بدليل النص الشرعي، أنه أسلوب حصر. أسلوب حصر له منطوق ومفهوم واضح. هذا الدليل الشرعي له منطوق، ما هو منطوقه؟ منطوقه تحريم هذه الأشياء الأربعة المذكورة في الآية. ومفهومه أن ما سواها حلال واضح. حلال بالدليل الشرعي. جاءت كذلك الآية الأخرى الآية المذكورة في سورة البقرة والنحل في تحريم الأربعة الأشياء أيضا. الحكم هو الحكم؛ لأن الله جل وعلا أتبع ماذا؟ يعني ذكرها بأسلوب الحصر أيضا: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [البقرة: 173]، ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [النحل: 115]. «إنما» وإن لم تكن نصا في الحصر، إلا أنها ظاهرة في الحصر عند علماء المعاني، وهي كذلك عند علماء الأصول واضح. إذن «إنما» لها منطوق، ولها مفهوم. مفهومها دلت بمفهومها أن ما سواها مباح بدليل الآية واضح. رفع هذا الحكم الشرعي الذي فهم من الآيات بدليل آخر -كقول النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم كل ذي ناب من السبع، وكل ذي مخلب من الطير- هذا زائد على النص أو لا؟ زائد على النص. رفع الإباحة المفهومة من النصوص المذكورة أو لا؟ رفع. هل يعتبر ناسخا أو لا؟ يعتبر ناسخا. يقول: لماذا؟ لأنه أزال الحكم الأول واضحة. أزال الحكم الأول، ما هو الحكم الأول؟ إباحة. يعني الآن إذا جاءنا إنسان فقال لنا مثلا: ما حكم الأكل من الساقر؟ ما حكم أكله؟ الجواب: محرم بدليل «كل ذي مخلب من الطير». طيب إذا قال لنا: ألم يقول الله تبارك وتعالى: «قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طعم من يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دم مسفوحا أو لحم خنزير»؟ ألم يقول الله جل وعلا: «إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به»؟ نقول: نعم. مفهومه أن ما سواها حلال. نقول: نعم. فماذا إذن؟ واضح. يقول: هذه الأحاديث نسخت هذا الحكم، فأثبتت حكما آخر، كانت حلالا صارت حراما واضح. إلى هنا التقرير الواضح، وكلام الشنقيط واضح رحمه الله تعالى. وكلام الجمهور كذلك واضح. فهم متفقون على أصل، ومختلفون في إثبات هذه الفرعيات: هل هو رفع حكم شرعي؟ أم أنه رفع إباحة عقلية؟ واضح. على القول بأنه رفع حكم شرعي، هل هو نسخ؟ الشنقيطي يقول: بأنه نسخ، وجزم بهذا واضح. طيب هل نستطيع أن نسلم له كقاعدة؟ كأصل؟ قد نسلم له. كتطبيق لهذه المسألة نستطيع أن نسلم له؟ الجواب: لا نستطيع أن نسلم له. لماذا؟ لأن النسخ له شروط واضح. من شروط النسخ عدم إمكانية الجمع بين الدليلين واضح. ومن أنواع الجمع بين الدليلين حامل المطلق على المقيد، العام على الخاص، تخصيص بعض أنواع العام، وما شابه ذلك من الجموع. الآن نستطيع أن نفعل هذا أو لا؟ نستطيع. فإذن النسخ لا يرجع إليه إلا بعد تعسر الجمع. ثم أمر آخر وهو يحتاج القول بالنسخ إلى إثبات متقدم ومتأخر؛ لأن الناسخ ضابطه ما هو؟ رفع حكم متقدم ثبت بدليل شرعي بحكم آخر متراخن عنه ثبت كذلك بدليل شرعي. الآن يحتاج إلى إثبات: نقول ما الدليل على أن الأحاديث جاءت بعد الآيات؟ يحتاج إلى دليل. إذا لم يكن دليل، ألا نرجع إلى النسخ إذا تعسر الجمع؟ هذا إذا تعسر الجمع واضح. فأشهد من هذا أننا لا نرجع -لا نأتي يعني ننتقل- إلى النسخ إلا بعد تعسر الجمع. والجمع ها هنا ممكن أو غير ممكن؟ ممكن. ثم إذا كان متعسرا، هل نستطيع أن نقول: بأن هناك ناسخا ومنسوخا؟ الجواب: كذلك لا. لماذا؟ لأنه يحتاج إلى معرفة المتقدم والمتأخر من الحكمين والنصين واضح. ولا دليل عندنا على تقديم أحدهما وتأخير الآخر واضح. الحالة الثانية هي التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وقسمها إلى مرتبتين: المرتبة الأولى أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه على وجه لا يكون شرطا فيه. كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة. والمرتبة الثانية أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط. قال رحمه الله تعالى: الحالة الثانية من الزيادة على النص التي لا تكون نسخا، يقول: أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه على وجه لا يكون شرطا. بمعنى أنه إذا كان شرطا فإنه يدخل النسخ. يقول: أو أمثله لا يكون شرطا فيه كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة. هذا شرط. يعني على وجه لا يكون شرطا فيه كزيادة تغريب الزاني البكر على جلده مئة. هذا شرط في الحد، أنه يغرب مئة. المرتبة الثانية أن تتعلق الزيادة بالمزيد عليه تعلق الشرط بالمشروط. أن تكون الزيادة تعلق الشرط بالمشروط. يكون بينهما ما لا ارتباط. وسأتي معنا في كلام الشنقيط رحمه الله تعالى أنه لا فرق بين الحكمين، بل حكمهما واحد. وسأتي بيان أن أحدهما يكون حكم الجزء، والآخر حكم الشرط. قال رحمه الله: التحقيق أن هاتين المرتبتين حكمهما واحد، كما نصره المؤلف، وكما هو الحق. وإضاحه: أن الأولى منهما زيادة جزء، والثانية زيادة شرط. وحكم زيادتهما واحد؛ لأن التغريب جزء من الحد، فزيادته على الجلد زيادة جزء من الحد كما هو واضح. يعني التغريب بالنسبة لحد البكر جزء من الحد؛ لأن حد البكر جلده مئة وتغريبه عام. إذن التغريب جزء في الحد. رفع الجزء أو زيادة الجزء هذا في النص الأول أو على الأول يكون نسخا. قال رحمه الله: ومثله زيادة ركعتين في الرباعية، بناء على أن الصلاة فرضت ثلاثين، ثم زيد في صلاة الحضر، وبقيت صلاة السفر على ما كانت عليه كما جاء به الحديث -أي حديث عائشة في الصحيحين- أن الصلاة أول ما فرضت ركعتين ركعتين، فأتمت في الحضر، وبقيت في السفر على ما هي عليه. فالآن يقول: زيادة ركعتين هذه زيادة في النص أو لا؟ زيادة في الحكم أو لا؟ الجواب: نعم. طيب هل هي تعتبر ناسخة للحكم الأول؟ يقول: نعم، بناء على أن أصل الصلاة كانت كم ركعتين؟ ركعتين. قال رحمه الله: ومثال زيادة الشرط زيادة وصف الإيمان في صفة رقبة كفارة اليمين والظهار. فمذهب الجمهور -وهو الظاهر- أن هذا النوع من الزيادات لا يكون نسخا؛ لأنه لم يرفع حكما شرعيا، وإنما رفع البراءة الأصلية التي هي الإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصل حتى يرد دليل صارف عنه. والزيادة في مثل هذا زيادة شيء سكت عنه النص الأول، فلم يتعرض له بصريح إثبات ولا نفي. قال رحمه الله: وخالف في هذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله، فمنع كون التغريب جزءا من الحد، وإن جاء بذلك الحديث الصحيح، قائلا: إن الجلد كان مجزئا وحده. وزيادة التغريب دلت على أنه لا يفيد وحده، بل لا بد معه من زيادة التغريب. وهذا نسخ لاستغلال الجلد بتمام الحد. وهذا بناء على أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد؛ لأن آية الجلد متواترة، وآحاديث زيادة التغريب آحاد. والغرض عنده أن الزيادة نسخ. والمتواتر لا ينسخ بالآحاد، فلم يقبل ثبوت التغريب بالآحاد بناء على ذلك. قال رحمه الله: لأجل هذا بعينه لم يقل بالحكم بالشاهد واليمين في الأموال الثابت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بناء على أنه آحاد، وأنه زيادة على آيتي «فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء» [البقرة: 282]، وأن الزيادة على النص نسخ. وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. إذن أبو حنيفة رحمه الله تعالى عنده أصلان في هذا الباب: الأصل الأول أن الزيادة على النص نسخ واضح. كما تقرر في أول مسألة خلاف الجمهور. الأمر الثاني أو الأصل الثاني أن الناسخ -أو قل- أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد. فكل نص قرآن جاء ما ينسخه على قول أبي حنيفة من خبر الآحاد فإنه غير مقبول. ومنه المسألة المذكورة: التغريب بالنسبة لحد الزاني البكر. وكذلك الشاهد واليمين بالنسبة لباب الشهادات؛ لأنهم نسخ للنص الأول، وهو آحاد. والآحاد لا ينسخ المتواتر. قال رحمه الله: وكذلك قال الجمهور: إن شرط وصف الإيمان في رقبة كفارة اليمين والظهار ليس نسخا، فيلزم القول به حملا للمطلق -وهو رقبة كفارة اليمين والظهار- على المقيد بالإيمان -وهو كفارة القتل- خطأ. إذن هو من باب حمل المطلق على المقيد، وليس من باب الناسخ والمنسوخ. وهذا هو الصواب. قال: ومنع ذلك أبو حنيفة؛ بأن الزيادة على النص نسخ. وحمل المطلق على المقيد لا يصلح دليل على النسخ. وإضاح هذا: أن الجمهور قالوا: هذا النوع من الزيادة لا تعارض بينه وبين النص الأول. والناسخ والمنسوخ يشترط فيهما المنافاة، بحيث يكون ثبوت أحدهما يقتضي نفي الآخر، ولا يمكن الجمع بينهما. فالمزيد في مثل هذا -يعني مسكوت عنه- ورفع المسكوت عنه لا يكون من باب الناسخ والمنسوخ؛ لأنه من باب الإباحة العقلية. فرفعه إثبات حكم، وليس إزالة حكم شرعي. فلا يكون من باب النسخ. قال: فإن قيل: هو مدلول عليه بمفهوم المخالفة. فالجواب: أن الحنفية المخالفين في هذا لا يقولون بمفهوم المخالفة أصلا. ونحن لا نقول به هنا. مع أن لا نسلم دلالة المفهوم عليه. فقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] لا يدل على عدم وجوب شيء آخر بدليل آخر؛ إذ ليس فيه ما يدل على الحصر. فالمزيد مسكوت عنه في النص المتقدم. والزيادة رافعة للبراءة الأصلية، لا لحكم شرعي منصوص بدليل شرعي. ثم تلك الدعوة إنما تستقيم لو ثبت أنه ورد حكم المفهوم واستقر، ثم وردت الزيادة بعده. وهذا لا سبيل إلى معرفته. بل لعله ورد بيانا لإسقاط المفهوم متصلا به، أو قريبا منه كما أشار له المؤلف. قال الشنقيطي رحمه الله: وإيضاحه: أن لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] دل بمفهومه على عدم التغريب، ثم استقر حكم هذا المفهوم بعدم التغريب، ثم وردت الزيادة بالتغريب بعد ذلك حتى يقال: إنها نسخ. بل يمكن أن تكون زيادة التغريب ذكرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم متصلة بنزول آية الجلد بيانا؛ لأنه لا مفهوم يراد به الاقتصار على الجلد دون التغريب. ويدل لعدم الانفصال بينهما حديث «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا» [رواه البخاري ومسلم]، والسبيل آية الحد، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم التغريب مقترنا بذكره لها كما ترى. والعلم عند الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، ونسخ جزء العبادة المتصل بها، أو شرطها ليس نسخا لجملتها إلى آخره. حاصل هذا المبحث: أن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لنفس ذلك الجزء، وذلك الشرط فقط. لا نسخ لجميع الحكم. وهو واضح؛ لأن هذا نسخ، وهذا أبقي على ما كان عليه. فمثال نسخ الشرط: أن استقبال بيت المقدس كان شرطا في صحة الصلاة، فنسخ هذا الشرط. ولم يكن نسخه نسخا لحكم الصلاة من أصلها كما ترى. ومثال نسخ الجزء: نسخ عشر رضاعات بخمس. ولا سيما عند من يقول ببقاء حكم خمس رضاعات إلى الآن كالشافعي. وهذا هو الصواب. قال رحمه الله: وحجة من قال: بأن نسخ الجزء أو الشرط نسخ لجملة الحكم، هو أن الاقتصار على الحكم بدون ذلك الجزء أو ذلك الشرط كان ممنوعا، لا يعتد معه بذلك الحكم. بمعنى أن الحكم لا يثبت إلا بثبوت شروطه وأجزائه واضح. فعدم وجود بعض الشروط عدم لجملة ذلك الحكم. هذا محصل ما ذكروه. قال رحمه الله: وأجيب من جهة الجمهور: أن ذلك الشرط أو ذلك الجزء إنما كان وقت تشريعه رافعا للبراءة الأصلية. فلما نسخ رجع سقوطه إلى حكم البراءة الأصلية. والباقي كان مشروعا، ولم يزل كذلك. وأشار إلى هذا في المراقي بقوله: «والنسخ للجزء أو الشرط انتفى نسخه للساقط إلى الذي بقى». والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.