الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 14، ألقاها
يبدأ النص بتعريف الحرام لغة واصطلاحًا، ويوضح أن الشيء الواحد لا يمكن أن يكون واجبًا وحرامًا في الوقت نفسه. يشرح أيضًا أنواع الوحدة مثل وحدة الجنس والنوع والعين.
يناقش هذا الفصل حكم الصلاة في الأرض المغصوبة، حيث يبين اختلاف العلماء إلى أربعة مذاهب حول صحة الصلاة أو بطلانها في هذه الحالة، مع توضيح رأي الجمهور.
يتناول هذا الجزء أقسام النهي وعلاقتها بصحة العبادة أو بطلانها، ويشرح آراء الفقهاء المختلفة حول انفكاك الجهة في العبادات المنهي عنها مثل الصلاة بالحرير أو في مكان مغصوب.
ينهي النص بالتأكيد على أن الله تعالى أعلى وأعلم، ويختم بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مشددًا على أهمية هذه المبادئ في الختام.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشريطي رحمه الله تعالى: الحرام... قال المؤلف رحمه الله: القسم الخامس: الحرام، ضد الواجب. يعلم أن الحرام صفة مشبهة باسم فاعل؛ لأنه الوصف من حرم الشيء، فهو حرام. والحرام في اللغة هو الممنوع، ومنه قول امرئ القيس: جالت لتصفعني، فقلت لها: قصري، إني امرؤ صرعي عليك حرام. وقول الآخر: حرام علي عيني أن تطعم النوم، وأن ترقع حتى ألاقيك يهندو. وقوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾. وقوله تعالى: ﴿فإنها محرمة عليهم أربعين سنة﴾. وقوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها﴾. فالحاصل أن الحرام بمعنى المنع. قال رحمه الله: وقوله ضد الواجب، يعني أن الحرام في الاصطلاح هو ما في تركه الثو، وفي فعله العقاب. وإن شئت قلت: ما نهى عنه الناهي جازمًا. وهذا هو الحد الصحيح في تعريف المحرم. وكما مر معنا مرارًا أن الحدود راعى فيها معرفة حقيقة الشيء المراد تعريفه، بخلاف ما ذكر أولًا، وهو قولهم: هو ما في تركه الثواب، وفي فعله العقاب. هذا تعريف بماذا؟ بالثمرة. والتعريف بالثمرة ليس بصحيح؛ لأن معرفة الثمرة لا تكون إلا بعد معرفة حقيقة الشيء. قال رحمه الله: وقول المؤلف رحمه الله: فيستحيل أن يكون الشيء الواحد واجبًا حرامًا، طاعة ومعصية من وجه واحد، إلا أن الواحد بالجنس ينقسم إلى واحد بالنوع، وإلى واحد بالعين، أي بالعدد... إضاح معنى كلامه رحمه الله: أن الوحدة ثلاثة أقسام: وحدة بالجنس، ووحدة بالنوع، ووحدة بالعين. أما الوحدة بالجنس أو النوع، فلا مانع من كون بعض أفراد الواحد بهما حرامًا، وبعضها حلالًا. بخلاف الوحدة بالعين، فلا يمكن أن يكون فيها بعض الأفراد حرامًا، وبعضها حلالًا. قال رحمه الله: مثال الوحدة بالجنس: وحدة البعير والخنزير؛ لأنهما يشملهما جنس واحد، هو الحيوان. فكلاهما حيوان، فهما مستويان في الجنسية. ولا إشكال في حرمة الخنزير، وإباحة البعير. قال رحمه الله: مثال الوحدة بالنوع: السجود؛ فإنه نوع واحد. فالسجود لله، والسجود للصنم يدخلان في نوع واحد، هو اسم السجود. ولا إشكال في أن السجود للصنم كفر، ولله قربة، كما قال تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون﴾. قال رحمه الله: مثال الوحدة بالعين عند المؤلف رحمه الله: الصلاة في الأرض المغصوبة؛ فلا يمكن عنده أن يكون بعض أفرادها حرامًا، وبعضها مباحًا. قال رحمه الله: إضاح مراده: أن المصلي في الدار المغصوبة إذا قام إلى الصلاة، شغل بقسمه الفراغ الذي هو كائن فيه، وشغله الفراغ المملوك لغيره بقسمه تعديًا وغصبًا، فهو حرام. فهذا الركن الذي هو القيام غصب، فهو حرام. فإذا ركع، شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في ركوعه، وإذا سجد، شغل الفراغ الذي هو كائن فيه في سجوده... وشغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا وغصبًا. فلا يمكن أن يكون قربة؛ لامتناع كون الواحد بالعين واجبًا حرامًا، قربة ومعصية، لاستحالة اجتماع الضدين في شيء واحد من جهة واحدة. فيلزم بطلان الصلاة المذكورة. قال رحمه الله: ومنع هذا القائلون بصحة الصلاة في الأرض المغصوبة، وهم الجمهور. قالوا: الصلاة في الأرض المغصوبة فعل له جهتان. والواحد بالشخص يكون له جهتان: هو طاعة من إحداهما، ومعصية من الأخرى. فالصلاة في الأرض المغصوبة من حيث هي صلاة قربة، ومن حيث هي غصب معصية. فله صلاته، وعليه غصبه. قال رحمه الله: فيقول من قال ببطلانها: الصلاة في المكان المغصوب ليست من أمرنا، فهي رد. حديث: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد». فيقول خصمه: الصلاة في نفسها من أمرنا، فليست برد، وإنما الغصب هو الذي ليس من أمرنا، فهو رد. قال رحمه الله: وعلم أن حاصل أقوال العلماء في الصلاة في المكان المغصوب أربعة مذاهب: الأول أنها باطلة، ويجب قضاؤها، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله. الثاني أنها باطلة، ولا يجب قضاؤها؛ لأن النهي يقتضي البطلان، ولأن السلف لم يكنوا يأمرون بقضاء الصلاة في المكان المغصوب. وممن قال به الباقلاني والرازي. قال رحمه الله: الثالث أنها صحيحة، وهي رواية أخرى عن أحمد، وعليه الجمهور، منهم مالك والشافعي، وأكثر أهل العلم. وأكثرهم على أنها صحيحة، لا أجر فيها، كالزكاة إذا أخذت منه قهرًا. الرابع أنها صحيحة، وله أجر صلاته، وعليه إثم غصبه. وهذا أقيس، وهو كما قال: من حيث النظر. وهو المعتبر؛ لأن جهة الأمر كما مر معنا صحيحة، فيثاب عليها. وجهة النهي أخرى، فيأثم على فعله ذلك. فالجهة غير الجهة. فهو مأجور على أدائه الواجب، وآثم بفعله المحرم. قال رحمه الله: فصل: قال المؤلف رحمه الله تعالى: مصحف الصلاة في الدار المغصوبة... قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام... يعلم أن ما حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة: أن المنهي عنه إما أن تكون جهة النهي فيه منفردة، أعني أنه لم تكن له جهة أخرى مأمور بها منها، كالشرك بالله والزنا. فإن النهي عنهما لم يخالطه أمر من جهة أخرى. وهذا النوع واضح، لا إشكال فيه أنه باطل على كل حال. قال رحمه الله: وإما أن يكون له جهتان: جهة مأمور به منها، وجهة منهي عنه منها. وهم يقولون في مثل هذا: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي، فالفعل صحيح. وإن لم تنفك عنها، فالفعل باطل. لكنهم عند التطبيق يختلفون. قال رحمه الله: فيقول الحنبلي: الصلاة في الأرض المغصوبة منهي عنها من جهة الغصب، مأمور بها من جهة الصلاة. إلا أن الجهة هنا غير منفكة؛ لأن نفس الحركة في أركان الصلاة عين شغل الفراغ المملوك لغيره تعديًا، وذلك عين الغصب. فأفعال الصلاة لا تنفك عن كونها غصبًا. قال رحمه الله: والصلاة يشترط فيها نية التقرب. وتلك الأفعال التي هي شغل الفراغ المملوك لغيره غصب، لا يمكن فيها نية التقرب؛ إذ لا يمكن أن يكون متقربًا بما هو عاص به. قال رحمه الله: أما إذا فكت الجهة، فالفعل صحيح. كالصلاة بالحرير؛ فإن الجهة منفكة؛ لأن لبس الحرير منهي عنه مطلقًا في الصلاة وغيرها. فالمصلي بالحرير صلاته صحيحة، وعليه إثم لبس الحرير. قال رحمه الله: فيقول المالكي والشافعي مثلًا: لا فرق البتة بين الصلاة في المكان المغصوب وبين الصلاة بالحرير. فالغصب أيضًا حرام في الصلاة وفي غيرها. فصلاته صحيحة، وعليه إثم غصبه. قال رحمه الله: ومثال الجهة غير المنفكة: صوم يوم العيد أو الفطر؛ لأن الصائم فيه معرض عن ضيافة الله؛ لأن الصوم إمساك، وهذا الإمساك هو بعينه الإعراض عن ضيافة الله؛ لأن الإعراض عنهما هو الامتناع عن الأكل والشرب. فلا يمكن انفكاك الجهة. قال رحمه الله: ويقول الحنفي: الجهة منفكة أيضًا؛ لأن الصوم من حيث أنه صوم قربة، ومن حيث كونه في يوم العيد منهي عنه. فالجهة منفكة. ولذا لو نذر أحد أن يصوم يوم العيد، فندره عنده صحيح منعقد، ويلزمه صيام يوم آخر غير يوم العيد، بناء على انفكاك الجهة عنده. قال رحمه الله: وقول المؤلف رحمه الله في هذا المبحث: قسموا النهي إلى ثلاثة أقسام... إضاح معناه: أن المنهي عنه إما أن يكون النهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو الخارج عنه. زاد بعض المحققين قسمًا رابعًا، وهو أن المنهي عنه لخارجه عنه قد تكون فيه جهة النهي غير منفكة عن جهة الأمر، وقد تكون منفكة عنها. فتكون الأقسام أربعة. قال رحمه الله: ومثال المنهي عنه لذاته: الشرك والزنا. وهذا قد تقدم. ومثال المنهي عنه لوصفه القائم به: الخمر بالنسبة إلى الإسكار. فالخمر وصف ملازم للإسكار. قال رحمه الله: ومثل له المؤلف بالصلاة في حالة السكر؛ لأنها منهي عنها لوصف السكر القائم بالمصلي. وهذا بناء على ما ذكر في القاعدة الأولى. قال رحمه الله: ومثال المنهي عنه لخارج غير لازم: الصلاة بالحرير. ومثال المنهي عنه لخارج لازم: الصلاة في المكان المغصوب. والنهي يقتضي البطلان في ثلاثة منها: وهي ما نهي عنه لذاته، أو لوصفه القائم به، أو الخارج عنه لازما له لزومًا غير منفك. قال رحمه الله: أما الرابع، فلا يقتضي البطلان، وهو ما كان النهي عنه لخارج غير لازم. وقد قدمنا اختلافهم في انفكاك الجهة. وقد بين صاحب مراقي السعود بعض المسائل التي اختلفوا في انفكاك الجهة فيها وعدمه، بقوله: مثل الصلاة بالحرير والذهب، أو في مكان الغصب، والوضوء في إناء مغصوب، ومعطن، ومنهج، ومقبرة، وكنيسة، وذي حميم، ومجزرة. قال رحمه الله: والمؤلف رحمه الله يرى أن الصلاة في الأمكنة المنهي عنها باطلة. والخلاف فيها مشهور. والله تعالى أعلى وأعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.