شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 1

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الثانية 1، ألقاها

مقدمة في الاستصحاب وأدلته من القرآن

الاستصحاب هو استدامة إثبات ما كان ثابتا ونفي ما كان منفيا، ويعتبر دليلًا مختلفًا فيه دل عليه القرآن في آيات كثيرة.

أقسام استصحاب الحكم الشرعي وتطبيقاته

ينقسم استصحاب الحكم الشرعي إلى أقسام، منها استصحاب العدم الأصلي واستصحاب دليل الشرع مثل استصحاب النص حتى يرد الناسخ واستصحاب العموم حتى يرد المخصص.

مسؤولية الإثبات والنفي في الاستصحاب

يناقش المقطع آراء الفقهاء حول مسؤولية النافي والمثبت في تقديم الدليل، حيث يرى أن كلا الطرفين عليهما تقديم الدليل.

التفريغ النصي الكامل

قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: الأصل الرابع الاستصحاب، والاستصحاب من الأدلة المختلف فيها. ومعنى الاستصحاب لغة هو طلب الصحبة، وهي الملازمة. واصطلاحا استدامة إثبات ما كان ثابتا ونفي ما كان منفيا. أي هو المعبر عنه بقول الفقهاء: «الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل العدم، الأصل براءة الذمة». عبارات كثيرة لمعنى واحد. وبحمد الله تبارك وتعالى قد مر الكلام على مسألة الاستصحاب في أوائل الكتاب عند الكلام على المباح، وبخاصة عند الكلام على الإباحة العقلية، وهي التي تسمى في الاصطلاح: الإباحة الأصلية. فمسائلها قد مرت معنا بحمد الله تبارك وتعالى. والشيخ رحمه الله تعالى يقول: «استصحاب الحال ودليل العقل». وذكر أن أقسام الاستصحاب ثلاثة، وتقدم أن ذكر قسمًا رابعًا، وكذلك تقدم الكلام عليه، والمسمى باستصحاب المقلوب. قال رحمه الله: «الأول استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه؛ لأن العقل يدل على براءة الذمة حتى يقوم الدليل، كعدم وجوب صيام صفر مثلا؛ لأن الأصل براءة الذمة منه، ويستصحب الحال في ذلك». وهذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب، وهو المعروف في البراءة الأصلية والإباحة العقلية. أي الأصل العدم، يأتي إنسان يقول: «شيء واجب»، يقال له: «الأصل العدم لعدم الدليل على إثبات شيء أو نفيه». طيب. قال رحمه الله: «وهذا النوع قد دل القرآن على اعتباره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275] الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]». وجه الدلالة في الآية الأولى: أنه لما نزل تحريم الربا خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم، فبينت الآية أن مكتسبات الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم ولا حرج عليهم فيه. وتقدم الكلام عليه عند المسألة الأولى، وهي أن الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم لما نزلت آية تحريم الربا تحرجوا من الأموال التي كانت معهم واكتسبها بعضهم بسبب معاملة من معاملات الربا، فربنا تبارك وتعالى ذكر في هذه الآية: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275]، فدلت الآية على أن الأصل في تلك المعاملة قبل ورود الشرع أنها على أصل الحل. قال: ووجه دلالة الآية الثانية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين، وأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، ندموا على استغفارهم للمشركَونُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113]، بيّنت الآية أن استغفارهم لهم قبل التحريم على البراءة الأصلية لا إثم عليهم فيه ولا حرج. قال: «فالاستغفار لهم مثلا يعني أشبه من الآية الثانية أنها مقررة للأصل ما هو الأصل؟ استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الدليل دليل ناقل عنه». قبل العلم بالنهي عن الاستغفار للمشركين هل كان الاستغفار للمشركين جائز أو محرم؟ الجواب: لا، بعد نزول التحريم دل على أنه محرم. قال: «الثاني استصحاب دليل الشرع، كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ، والعموم حتى يرد المخصص، ودوام الملك حتى يثبت انتقاله، ودوام شغل الذمة حتى تثبت براءتها، ونحو ذلك». هذا النوع الثاني وهو استصحاب دليل شرعي. قال: «كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ»، يعني عندنا مسألة تأتي، مسألة ما حكمها كذا وكذا؟ يقال له: مثلا «واجب»، ما دليلك؟ يقول: «دليلي كذا وكذا»، إذا جاء إنسان فقال: «لعلها نسخت»، ماذا يقال له؟ «الأصل العدم»، «الأصل بقاء ما كان على ما كان». استصحاب الأصل البقاء على النص حتى يأتي الدليل المخرج عنه، هذا استصحاب للدليل الشرعي. يأتي إنسان مثلا في أمر صيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يأتي إنسان يقول: «لعلها نسخت الآية»، نقول له: «الأصل العدم»، ونستصحب الدليل الشرعي الذي عندنا حتى يأتي ويرد الدليل الناسخ عن هذا الأصل. قال: «والعموم حتى يرد المخصص»، إذا جاءتنا مسألة فيها دليل عام، لا يأتي إنسان يقول: «لعلها خصصت بدليل خاص لا نعلمه»، لماذا؟ نقول: «الأصل العمل بالعموم حتى يأتي دليل يخصص ذلك العموم»، إذا ما جاء دليل فالأصل بقاء ما كان على ما كان. قال: «الثالث وهو المردود عند الجمهور، وهو استصحاب حال الإجماع في محل النزاع». وهذا النوع استصحاب دليل الشرع، نقل فيه الاتفاق. الأول قول الجمهور، الثاني نقل فيه الاتفاق. وبعضهم لا يسميه استصحابا، ولكن يسميه دليلا شرعيا. قال: «ومثاله أن يقول في المتيمم إذا رأى الماء أثناء الصلاة، فالإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها فيها، فنحن نستصحب ذلك إلى ورود الدليل الصارف عنه». وهذا غير صحيح؛ لأن الإجماع إنما دل على الدوام في حال عدم الماء، أما مع وجوده فلا إجماع حتى يقال باستصحابه. قال: «فصل: اعلم بأنه من نفى حكما بأن الأمر الفلاني ليس بكذا، اختلف فيه: هل يكفي مجرد النفي بناء على أنه الأصل حتى يرد دليل الوجوب، أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي؟». وهذه المسألة مفروضة متصورة في المبحث السابق، مبحث الأصل العدم، أي في البراءة، أو في الاستصحاب، في استصحاب العدم الأصلي. قال: «وهذا الأخير هو مذهب الجمهور، وهو الحق، واختاره المؤلف، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]». النافي مطالب بالدليل كما أن المثبت مطالب بالدليل؛ لأن النافي مثبت لحكم، والمثبت لحكم مطالب بالدليل كما أن المثبت للحكم مطالب بالدليل، فكذلك النافي الحكم مطالب بالدليل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت». وقال في موضع آخر: «بل كان عامة العلماء على أن النافي للشيء عليه الدليل على ما ينفيه، كما أن المثبت للشيء عليه الدليل على ثبوته». وقال في موضع ثالث: «وحكي عن بعض الناس أنه قال: النافي ليس عليه دليل»، قال: «وفرق بعضهم بين العقليات والشرعيات، فأوجبه في العقليات دون الشرعيات»، قال: «وهؤلاء اشتبه عليهم النافي بالمانع المطالب». فمثل هذا ليس بمطالب بالدليل. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على