الدرس في شرح عقيدة الرازيين 11، ألقاها
يشرح المقطع الأول عقيدة أهل السنة والجماعة في الصراط يوم القيامة، ويبين أنه جسر على ظهر جهنم يمر عليه الناس حسب أعمالهم، مستدلاً على ذلك من الكتاب والسنة والإجماع.
يصف المقطع الثاني الصراط بأنه أدق من الشعر وأحد من السيف، حيث يثبت الله عليه أقدام العباد حسب أعمالهم، كما يبين أن الميزان له كفتان توزن فيه الحسنات والسيئات.
يشرح المقطعان الثالث والرابع وزن أعمال العباد يوم القيامة في ميزان حقيقي، وكرامة الشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم لمن وفقه الله، مع الدعاء بالسقيا منه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان الرازيان رحمهم الله تعالى في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة: قال: والصراط حق، والميزان حق، له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق، والحوض المكرم به نبينا حق، والشفاعة حق، والبعث بعد الموت حق. ذكر جملة من الأمور التي تكون يوم القيامة مما تكون بعد البعث، ومن أمور القيامة التي تحصل بعد بعث الله جل وعلا للناس بعد موتهم. وهذه الأمور من أمور الإيمان التي أخبر بها ربنا تبارك وتعالى، وأخبر بها نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أجمع عليها سلفنا الصالح. فالواجب الإيمان بكل ما أخبر به ربنا تبارك وتعالى، وبكل ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وهذا من الإيمان بالله، ومن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقوله رحمه الله تعالى: وصراط حق، الصراط في اللغة هو الطريق الواسع السهل الموصل إلى المطلوب، وشرعًا هو الجسر الذي يوضع على ظهر جهنم، ويمر عليه الناس على قدر أعمالهم، كما جاءت في ذلك الأدلة، كحديث أبي سعيد وحديث أبي هريرة في الصحيحين: أن الناس يمرون على الصراط على حسب أعمالهم في السرعة، فمنهم من يمرون كأجاويد الخيل، ومنهم من يمرون كالبرق، ومنهم من يجري جريًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم من تتخطفهم الكلاليب التي يجعلها الله جل وعلا حول الصراط، فناجٍ المسلم ومخدوش إلى نار جهنم والعياذ بالله. والصراط دل على وجوده وأنه حقيقة الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله جل وعلا: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، جاء عن طائفة من السلف أن المراد بذلك المرور على الصراط الذي هو على ظهر جهنم، وإن منكم إلا واردها، أي يردها بمروره على الصراط. والسنة أحاديث كثيرة في السنة تدل على هذا المعنى، منها ما تقدمت الإشارة إليه في حديث أبي سعيد وأبي هريرة في الصحيحين في أمر الشفاعة، وفيه قال: ويوضع الصراط، وفي بعض الروايات والألفاظ: وينصب الصراط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يمر عليه، قال: ودعوة الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، هذه دعوة الرسل فكيف بمن دونهم. وجاءت أحاديث تبين أوصاف الصراط، منها ما جاء في حديث أبي سعيد في صحيح مسلم، وفيه أنه قال: بلغني أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر. وجاء كذلك بمعنى من حديث عائشة عند أحمد وغيره بإسناد حسن، وجاء كذلك عن غيرهما، أي أن الصراط هذه أوصافه: أدق من الشعر وأحد من السيف، وأنه مدحضة مزلة تنزلق فيه أقدام، ويثبت الله جل وعلا فيه أقدام على حسب الأعمال في الدنيا. وكما ذكر الإمام ابن قيم رحمه الله تعالى في كتاب بدائع الفوائد، ذكر فائدة عظيمة، وبنحوها كذلك ذكرها في كتابه مدارج السالكين، قال: بأن الله تبارك وتعالى نصب صراطين، أحدهما في هذه الدنيا والآخر في الآخرة، وصراط الله في الدنيا هو صراطه المستقيم شرعه ودينه الذي شرعه الله جل وعلا لعباده، قال: فعلى قدر سير العبد على الصراط في الدنيا يكون سيره على الصراط يوم القيامة، فإذا كان من المسارعين في الخيرات المسابقين في الطاعات يكون كذلك في مروره على الصراط يوم القيامة، وإذا كان دون ذلك فدون ذلك، وإذا كان تارة وتارة يتأرجح على ذلك الصراط فكذلك يتأرجح على ذلك الصراط، ولا يظلم ربك أحدًا. فالصراط من أمور الغيب التي أخبر بها ربنا وأخبر بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي حق والإيمان بها واجب. قال رحمه الله تعالى: والميزان حق، الميزان هي الآلة التي يوزن بها توزن بها الأشياء، هذا معنى لغة، وشرعًا هو الميزان المراد به الذي يجعله الله جل وعلا لوزن أعمال العباد، وهو ميزان حقيقي، له كفتان، وهذا نقل على الإجماع، بل والعقيدة التي بين أيدينا هذه كلها مجمع عليها، له كفتان، معنى كفتان: أي أنه له كفة توضع فيها الحسنات، وكفة أخرى توضع فيها السيئات، فأي يوم الكفتين رجحت فصاحبها مآله إلى حيث رجحت كفته، فإن كانت الحسنات فمآله إلى الجنة مصير إلى الجنة، وإن كانت الأخرى فإلى النار والعياذ بالله. والميزان حق له كفتان توزن فيه أعمال العباد حسنها وسيئها حق، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وأدلة ذلك كذلك كثيرة، كما أنها من كتاب الله كذلك من سنة رسول الله، جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». وجاء في صحيح مسلم حديث أبي عامر الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والحمد لله تملآن الميزان». وجاء كذلك في مسند أحمد من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لساقي أو لساق ابن مسعود: «في الميزان أثقل عند الله من جبل أحد». وجاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يؤتى بالرجل السمين البدن من أهل النار فيوضع في الميزان فلا يوزن شيئًا» أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فأمر الميزان واضح دلت عليه أدلة الكتاب والسنة والإجماع، وهو ميزان حقيقي كما تقدم، له لسان وكفتان توزن به أعمال العباد، والعبد مصيره أو يكون إما إلى جنة إذا ثقلت حسناته، وإما إلى نار إن خف ميزان حسناته والعياذ بالله، الله جل وعلا فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون، فالإنسان إما إلى جنة وإما إلى نار والعياذ بالله، بعد أن توزن أعماله تتطاير الصحف، فآخذ كتابه بيمينه، وأخذ كتابه بشماله والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: والحوض المكرم به نبينا حق، الحوض في اللغة هو مجمع الماء، من حاض يحيض الحوض حيضًا، فكل مجمع للماء يسمى حوضًا، والحوض شرعًا هو الحوض الذي يجعله الله تبارك وتعالى يوم القيامة لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يصب منه الكوثر، ماؤه أحلى من العسل، وأصفى من اللبن، ولذة للشاربين، من شرب منه لم يظمأ بعده أبدًا، وجاءت أوصافه في أحاديث كثيرة في الصحيحين، أحاديث كثيرة في الصحيحين، في حديث صحيح البخاري وفي صحيح مسلم في ذكر أوصاف الحوض وذكر عدد آنيته وأوصافها، وأن آنيته كعدد نجوم السماء، وما شابه ذلك من أدلة تدل على الحوض. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كان في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: «أنا فرطكم على الحوض» أي سابقكم إليه، قال: وإنه يؤتى برجال من أمتي، قال: فأعرفهم، حتى قال: حتى إذا رأيتم، وقال: أعرفتهم يذادون عن الحوض، قال: فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك». فأمر الحوض أمر مجمع عليه، حتى ذكر أن بعض الجهال في الزمن السابق أنكر أمر الحوض، فبلغ ذلك بعض الصحابة، بلغ ذلك أنسًا، فقال: سبحان الله، لقد أدركت عجائز المسلمين وإن إحداهن إذا دعت الله تبارك وتعالى قالت: اللهم اسقني من حوض نبيك، فهذا أمر مستقر عند السلف الأول، أي ثبوت الحوض وأنه من الكرامات التي أكرم الله جل وعلا بها نبيه صلى الله عليه وسلم. جاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيًا على ظهره في المسجد، قال: فرفع رأسه وهو يبتسم، فقال: «أتدرون ما أنزل علي اليوم؟» قال: أنزل الله جل وعلا علي: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر، قال: «آتاني الله الحوض» أو «أعطاني الله الحوض» أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهي من الكرامات والخصائص والميزات التي أكرم بها ربنا تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهي كرامة لهذه الأمة لمن وفقه الله جل وعلا من الشرب من ذلك الحوض، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ممن يسقون من ذلك الحوض، إن ربي لقريب مجيب، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.