شرح عقيدة الرازيين 10

الدرس في شرح عقيدة الرازيين 10، ألقاها

مقدمة في الإيمان بالجنة والنار

يتناول الإيمان بالجنة والنار كجزء من الإيمان بالبعث بعد الموت، ويشرح أن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن. الإيمان بوجود الجنة والنار جزء من العقيدة الإسلامية.

وجود الجنة والنار وبقاؤهما إلى الأبد

الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن ولن تفنيا أبدًا، وهما باقيتان إلى الأبد. الجنة ثواب لأولياء الله والنار عقاب لأهل معصيته.

أقسام أهل المعاصي ومآلهم يوم القيامة

يناقش أقسام أهل المعاصي ومآلهم، حيث قسمهم إلى الكفار والمرتدون وأصحاب الكبائر وأصحاب الصغائر. يبين مآل كل قسم يوم القيامة.

ختام بالاستثناء والصلاة على النبي

يتحدث عن الاستثناء الذي ينصب على العصاة ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشيرًا إلى أن الله أعلم بالتفاصيل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا. من يهدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمامان الرزيان -رحمهما الله تعالى-: «والجنة حق، والنار حق، وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا، والجنة ثواب لأوليائه، والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل». هذا الأمر وهذا المبحث يذكره أهل السنة والجماعة في كتب العقائد؛ لأنه من أمور الإيمان، لأنه من الإيمان بالبعث بعد الموت، وأن الإنسان بعد أن يموت يبعث، وبعد أن يبعث يحاسب، وبعد أن يحاسب إما إلى جنة وإما إلى نار. فلذا تجد المصنفين من أهل السنة والجماعة يذكرون في كتب العقائد هذا المبحث. فالجنة حق، والجنة في اللغة مأخوذة من مادة الجيم والنون الذي يدور على معنى الاستتار، ومنه يقال للبستان الكثيف الأشجار التي تستر ما تحتها بأنه جنة؛ لما فيه من معنى الاستتار. هذا هو معناه لغة وشرعًا. كما عرفه الإمامان بأن الجنة ثواب لأوليائه، أي أنها الدار التي أعدها الله جل وعلا في الآخرة لأوليائه، وجعل فيها ربنا تبارك وتعالى من النعيم المقيم والدائم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وأجمع السلف على ذلك. والنار حق، والنار قيل بأنها مأخوذة من اللهب، وقيل مأخوذة من معاني أخرى. والنار اسم جهنم، وغير ذلك من الأسماء. هذه كذلك هي الدار التي أعدها الله جل وعلا لأعدائه؛ أعدها الله جل وعلا لأعدائه من الكافرين والعياذ بالله. وقولهما: «والجنة حق والنار حق»؛ لأن الله جل وعلا ذكر هذا وأخبر بهذا، وأخبر به كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخبر الله جل وعلا صدق وحق يجب الإيمان به، وكذا أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق وحق يجب الإيمان بها. وقولهما: «وهما مخلوقتان»؛ أي أنهما من خلق الله جل وعلا. الله جل وعلا خلق الجنة وخلق النار، فالجنة والنار من جملة ما خلقه الله جل وعلا. وقولهما: «أي مخلوقتان الآن»؛ أي موجودتان الآن، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون بأن الجنة والنار الآن غير موجودة، وأن وجودهما عبث. هكذا بمحض عقولهم وآرائهم نفوا وجود الجنة والنار الآن، قالوا: إنما توجد في الآخرة. وقد دلت الأدلة الكثيرة من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثبوتها الآن. منها قول الله جل وعلا في الجنة: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، فهي معدة، أعدت؛ أي قد أعدها الله. ما قال: «ستعد للمتقين»، ولكن قال: «أعدت»؛ أي أنها معدة موجودة. وهكذا قال ربنا تبارك وتعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾؛ فهي كذلك معدة وموجودة. وجاءت الأدلة الكثيرة كذلك تدل على هذا، منها ما جاء في مسند أحمد من حديث أبي هريرة -وأصل في الصحيح- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما خلق الجنة والنار، قال: يا جبريل، ناد جبريل». فقال: «يا جبريل، اذهب فانظر إلى الجنة». فذهب فنظر إليها جبريل، فقال: «وعزتك وكرامتك» -أو قال: «وجلالك»- «لا يسمع بها أحد إلا دخلها». وذكر الحديث. وفيه: «ثم قال له: إذا بالنار، فانظرها». فنظرها، فنظر إليها، فقال: «والله لا يسمع بها أحد إلا لم يدخلها»؛ أي إلا ابتعد عنها. الشاهد منه أن الله لما خلق الجنة ولما خلق النار فهي مخلوقة وهي موجودة الآن. وهذه نصوص ظاهرة واضحة بينة. ومنها ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، وجاء كذلك بنحوه من حديث عائشة وغيرهما -رضي الله عنهم- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلاة الكسوف، فيه أنه قال: «فتقدمت فتناولت أنه تناول شيئًا». ثم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يدفع بيديه ويرجع للقهقرة. فلما قضى صلاته أخبرهم بأنه رأى الجنة وتناول عنقودًا منها، وأنه رأى النار يَحطِم بعضها بعضًا، ورأى ذاك الرجل الذي يسوق السيئات، وكذلك رأى المرأة التي حبست تلك الهرة -الحديث- كما في الصحيح. والشاهد من هذا أنها موجودة مخلوقة الآن، قد أرى الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك. بل إن الله جل وعلا أخبر عن آدم أنه كان في الجنة فأخرج منها، فدل هذا على وجودها مخلوقة موجودة من قبل. وقولهما: «وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا»؛ أي الجنة والنار لا تفنيان أبدًا، بل هما موجودتان وهما باقيتان أبدًا الآباد؛ أي دائمة الجنة دائمة باقية أبدًا الآباد، وكذا النار باقية دائمًا أبدًا الآباد. لذا نجد أن الله جل وعلا يخبر في كتابه عن الجنة وعن أهلها، فيقول عن أهل الجنة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ويقول عن أهل النار أيضًا: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وأمر الجنة وبقاؤها هذا محل اتفاق بين السلف، محل إجماع لا خلاف بين السلف. وإنما خالفت الجهمية، فقالت بأن الجنة تفنى كما قالوا بأن النار تفنى. وقول الجهمية لا عبرة به، بل ذكر من ذكر من الآئمة -رحمهم الله تعالى- أن السلف كفروا جهما وشنعوا عليه بسبب هذه المقالة، وما شابهها مما فيه تكذيب واعتراض على أحكام الله جل وعلا، وعلى أخبار الله جل وعلا. والجنة -كما سمعتم- باقية، وكذا النار النار باقية، ويدل عليها أدلة كثيرة. الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. الله جل وعلا: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَإِذَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾. وهكذا في أدلة أخرى تدل على هذا المعنى؛ أن الله جل وعلا جعل أهل الجنة خالدين فيها أبدًا، وأهل النار خالدين فيها أبد الأباد. كما جاء في الصحيحين في حديث حذيفة، وفي حديث ابن عمر قال: «يؤتى بالموت يوم القيامة بين الجنة والنار، فيقال لأهل الجنة ويقال لأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيقول: نعم، هذا الموت». الله جل وعلا -وهو على كل شيء قدير- يقسم الموت، يجعله جسما يراهم أهل الجنة ويراه أهل النار. فبعد أن يروهم ويشرئبون منهم -وقد رأوهم من قبل- يذبح بين الجنة والنار؛ أي ينتهي. ما هناك موت بعد هذا، ينتهي شيء اسمه موت، بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، ويبقى في الجنة، أو يبقى في النار أهلها الذين هم أهلها. ثم ينادي منادي: «يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت». وهذا يدل على أبدية الجنة وتخليد أصحابها فيها أبد الآباد، وعلى أبدية النار وعلى تخليد أصحابها فيها أبد الآباد. وقوله: «والجنة ثواب لأوليائه»؛ أي أن الله جل وعلا يكرم أوليائه بأن يدخلهم الجنة فضلًا منه ورحمة. «والنار عقاب لأهل معصيته»؛ فأهل الجنة يدخلهم الله جل وعلا بأعمالهم، ولكن بفضل منه ورحمة. الجنة؛ أي بسبب أعمال يدخلون الجنة بفضل الله وبرحمة الله وبتوفيق الله جل وعلا لهم من قبل ومن بعد. قال: «والنار عقاب لأهل معصيته». وقوله: «لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل» يدخل في المعصية بهذا الاعتبار. أو أن المعصية من حيث هي: كل من عصى الله تبارك وتعالى يقال بأنه ماذا؟ بأنه من أهل المعاصي، أنه عنده معصية. ولكن الناس في المعاصي يختلفون. فمن المعاصي الكفر الأكبر والشرك الأكبر الذي لا يغفره الله جل وعلا. ومن مات على الكفر والشرك بالله جل وعلا فإنه في النار خالدًا مخلدًا فيها أبدًا الآباد، لا يخرج منها أبدًا. هؤلاء هم الصنف الأول. إذا دخلوا -أو إذا ماتوا على الكفر والشرك والعياذ بالله- خلدوا في نار جهنم أبدًا الآباد. كما تقدم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. وأما أو القسم الثاني من أهل المعاصي: من وقعت منه الزلات والهفوات الكبيرة، ولكن دون الكفر بالله جل وعلا؛ كأن يشرب الخمر، أو أن يقع في الزنا، أو في الربا، أو في السرقة، أو في عقوق الوالدين، أو في غير ذلك من الكبائر من كبائر الذنوب التي هي دون الكفر ودون الشرك بالله جل وعلا. فهؤلاء عصاة، وهؤلاء فسقة، ولكن هم ليسوا بكفار، ليسوا بكفار؛ بل عندهم أصل الإيمان المنجي. فهؤلاء تحت مشيئة الله تبارك وتعالى، لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فهؤلاء هم بين أمرين بمشيئة الله جل وعلا؛ بين أن يعفو الله جل وعلا عنهم فيدخلون الجنة دخولًا أوليًا بفضل الله ورحمته. ولعل بعضهم أن تكون عنده أعمال عظيمة تكون سببًا لرجحان الحسنات على السيئات. ومنهم من يدخل إلى النار، أو يدخله الله جل وعلا النار؛ أي من أصحاب الكبائر. ولكن هؤلاء إذا دخلوا النار فإنهم لا يخلدون فيها. أصحاب الكبائر الفسقة إذا أدخلهم الله جل وعلا النار فإنهم لا يخلدون فيها، بل يمكثون في النار ما شاء الله، ثم إنما آلهم إلى الجنة. فقوله -رحمه الله-: «والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل»؛ هذا ينصب على القسم الثاني. هذا الكلام يتنزل على من يتنزل على أرباب الكبائر دون الكفر بالله جل وعلا. فهؤلاء -فعلوا- إن وقعوا هؤلاء وقعوا في الكبائر، ولكنهم تحت مشيئة الله جل وعلا. إن شاء عذبهم -عدلًا منهم- وإن شاء عفى عنهم ورحمهم -فضلًا منه تبارك وتعالى-. وأفعاله جل وعلا بين الفضل وبين العدل. وصنف ثالث ممن تقع منه المعصية والهفوة، ولكنها دون الكبائر. وهؤلاء يعتبرون قسمًا ثالثًا. إنسان وقع في بعض الصغائر؛ صغائر الذنوب. فمثل هؤلاء -أي ممن وقعت منهم صغائر الذنوب- هذه الصغائر تكفرها الطاعات؛ الصلوات، الصلاة إلى الصلاة -كما جاءت في الأحاديث- والوضوء، وفعل الطاعات والخيرات تكون سببًا لتكفير هذه السيئات. فالحاصل أن قوله -رحمه الله-: «والنار عقاب لأهل معصيته إلا من رحم الله عز وجل»؛ هذا الاستثناء ينصب على الصنف الثاني من أهل المعاصي؛ أي الذين هم أهل الكبائر دون الكفر بالله جل وعلا. فهؤلاء تحت مشيئة الله. إن شاء عذبهم ثم مآلهم إلى النار؛ أي إن شاء أدخلهم النار، ثم مآلهم إلى الجنة. وإن شاء عفى عنهم وغفر لهم ابتداء، فأدخلهم الجنة ابتداء. والله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء. والله جل وعلا أفعاله -كما سمعتم- تدور بين العدل وبين الفضل. إن عذبهم فبعدله تبارك وتعالى عذبهم، وإن عفى عنهم فبفضله ورحمته عفى عنهم ربنا تبارك وتعالى. فالاستثناء ينصب على هذا الصنف من العصاة. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على