المحاضرة بعنوان اللسان درجات أو دركات، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الأحد ٢٠ ربيع أول ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبيّن المقطع عظمة نعمة اللسان ووجوب استغلالها في طاعة الله من ذكر وأمر بمعروف، ويحذر من خطورة اللسان وأن كل لفظ محاسب عليه. تؤكد الآيات والأحاديث أن سلامة العبد باستقامة لسانه، وأن الكلمة الواحدة قد تهوي بصاحبها في النار أو تخرج من الدين.
يحذر المقطع من خطورة اللسان في ثلاثة مواطن: الحكم على الله بعدم مغفرة عاصٍ كما فعل العابد فأحبط الله عمله، وإبطال الطاعات بالرياء والمن والأذى. كما ينبه إلى استخدام البيان والفصاحة في نصرة الباطل وأكل أموال الناس بالباطل، مؤكداً أن الهداية والمغفرة بيد الله وحده.
يحذر المقطع من سوء استخدام البلاغة في نصرة الباطل، ويؤكد وجوب مراقبة الأقوال وتجنب الغيبة والنميمة والسخرية. يستدل بأحاديث نبوية تبين أن الحق أبلج والباطل لجلج، وأن المسلم سيحاسب على كل كلمة ينطق بها.
يختتم المقطع الدرس بتكرار عبارة شكراً لكم عدة مرات دون أي محتوى علمي إضافي. يعكس هذا المقطع الجانب الختامي للقاء والامتنان للحضور.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن من عظيم نعم الله جل وعلا على العباد أن جعل لهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة وألسنة، جعلهم أسماعاً ليسمعوا بها الخير ويسمعوا ما فيه مرضاة الله جل وعلا، وجعلهم أبصاراً ليبصروا بها ما يرضي الله جل وعلا، وجعلهم أفئدة وقلوباً ليعقلوا بها ما جاء عن الله جل وعلا وما جاء على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام من الخير والحق والهدى، وهكذا جعلهم ألسنة ليذكروا الله جل وعلا بها ويتحدثوا بنعم الله سبحانه وتعالى ويستخدموها في طاعة الله عز وجل. فاللسان نعمة عظيمة، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ الرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾، والبيان يكون باللسان. فهذه نعمة عظيمة أنعم الله جل وعلا بها عليك، فاستغل هذه النعمة في طاعة الله جل وعلا، في ذكر الله، في التسبيح، في الاستغفار، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في النصيحة، الكلمة الطيبة، وفي الصدقة، وبحمد الله جل وعلا الخير كثير والذكر كثير، وأنواعه كثيرة، فاستغل هذا اللسان فيما يقربك إلى الله جل وعلا. وراقب أقوالك، لأن كل قول يصدر من هذا اللسان فأنت مؤاخذ عليه ومحاسب عليه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، بل قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾. «ما يلفظ من قول» عموم، النكرة المسبوقة بحرف جر هذا من أقوى صيغ العموم، لا يخرج قول أبداً، نعم، لا يخرج لفظ أبداً، كل الألفاظ تكتب، الخير والشر. فأنت يا عبد الله قبل أن تخرج الكلمة عليك أن تزنها، وزن هذه الكلمة، إن كانت خيراً فقلها وإلا فاصمت. وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». عندك خير، قله، ينفع الناس وينفعك أولاً، ثم ينفع الناس، قله، اكتبه، انشره، حدث به، يحرص على نشره ليعمل به غيرك من المسلمين، لأن هذا صريح الإيمان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث في البخاري ومسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وجاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من الخير حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير». فإذا كان عندك الخير فانشره وقله، وإلا فاكفف لسانك، كما قال معاذ: «كف عليك هذا». فقال معاذ: يا رسول الله، أؤاخذ بكل ما نقول؟ قال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم - أو على وجوههم - إلا حصائد ألسنتهم» بسبب ما حصدته الألسنة وما قالته الألسنة. فاللسان خطير يا عبد الله، ولسانك حصانك كما يقال: إن صنته صانك، وإن خنته خانك. وأخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم إلا والأعضاء تكفر اللسان، تقول: يا أيها اللسان اتق الله فينا، يا أيها اللسان اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن عوججت اعوججنا». أنت السائق، اللسان يعرض جميع الأعضاء للعذاب، لأن العبد إذا قال الكلمة، كلمة الكفر أو المعصية أو الرياء أو المن أو غير ذلك من الأقوال السيئة، فإنه لن يعذب وحده، لا يكون العذاب على اللسان فقط، وإنما تعذب جميع الجوارح، مع أن الذي قال كلمة الكفر اللسان، قال كلمة الكفر أو الشرك أو البدعة أو المعصية، لكن العذاب يكون على سائر الأعضاء. قال: «فالعضاء تكفر اللسان كما في صحيح مسلم: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن عوججت اعوججنا». وربما كلمة واحدة تخرج من لسانك يا عبد الله تكون سبباً في بطلان أعمالك كلها، وربما تكون سبباً في خروجك من دين الإسلام، وهي كلمة واحدة، كلمة الكفر والعياذ بالله تقولها فتخرج من دين الإسلام، وربما كلمة واحدة تحبط عليك أعمالك وتكون سبباً في هلاكك دنيا وآخرة، كما جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام في قصة الرجلين، أحدهم عابد والآخر مقصر، وكل يوم يمر العابد على المقصر وهو على معصيته، يقول له: اتق الله، اترك هذا، فيقول له: إليك عني، خلني وربي، جزاه الله خيراً، أدى النصيحة والهداية بيد الله جل وعلا، إن عليك إلا البلاغ، أديت النصيحة جزاك الله خيراً، «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»، حديث أبي سعيد في الصحيحين، رحمه الله. وكل يوم يمر عليه وهو على معصيته وينصح، فجاء ذات يوم وقال له: اترك ما أنت فيه، أو دع هذه المعصية، قال: خلني وربي، لم تبعث علي رقيباً، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، أقسم بأنه لا يغفر الله جل وعلا له، والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله جل وعلا: «من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فقد غفرت له وأحببط عمله». غفر الله جل وعلا لذلك العاصي، وأحببط الله جل وعلا عمل هذا العابد، لماذا؟ لأنه قال شيئاً ليس من شأنه، وليس له، الهداية بيد الله جل وعلا، والمغفرة من الله، والرحمة من الله جل وعلا، فلا تحجر واسعاً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، ونهاه عليه الصلاة والسلام، قال: «اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً»، قال: «لقد حجرت واسعاً»، الله جل وعلا رحمته وسعت كل شيء، فلا تأتي أنت وتقول: والله لا يرحم الله فلان، لا يهدي فلان، ليس هذا من شأنك ولا من اختصاصك، أنت عليك أن تؤدي النصيحة جزاك الله خيراً. وهكذا قد يبطل العبد عمله بالرياء، كلمة ربما تتصدق بخمسين مليار أو أكثر، الله أعلم كيف أدخلها، وكم سهر لأجلها، وكم وكم وكم، يرائي ويقول: تصدقت بكذا، وربما يكون حافظاً للقرآن، حافظ القرآن سهر على حفظه واجتهد، ثم يضيع ذلك ربما بكلمات يرائي بذلك أو يفخر بذلك. وأنتم تعلمون حديث الثلاثة، أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، كما جاء عند مسلم وغيره، منهم عالم، ومنهم مجاهد، ومنهم متصدق، لكن أبطلوا أعمالهم بماذا؟ بهذا اللسان، أبطلوا أعمالهم بهذا اللسان. ذاك قال أقوالاً ليقال له: عالم أو قارئ، وقد قيل له ذلك، ف حصل الجزاء الذي أراده، ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. والمجاهد كذلك يقال له: الشجاع، والمتصدق ليقال له: كريم، لم ينتفعوا بهذه الأعمال. وهكذا الذي يمن على العباد بما أعطاهم وبما قدم لهم من أعمال، يمن عليهم بذلك ويؤذيهم باللسان، يمن عليهم باللسان ويؤذيهم باللسان: «أما كنت قد أعطيتك كذا، أنا سيد، ما فعلت لك كذا» إلى آخر ذلك، والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾. ضيع عمله بسبب كلمة، من بها أو آذى بها أخاه المسلم. وكم من الناس اليوم ممن سخر لسانه، والعياذ بالله، في نصرة الباطل، أو في نصرة البدع، أو في الدعوة إلى الشرك أو إلى الخرافات، سخروا هذا اللسان في معصية الله جل وعلا، وربما كان عندهم البيان والبلاغة والفصاحة، عندهم بلاغة، وعندهم فصاحة، وعندهم بيان، لكن في الباطل والعياذ بالله، وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «وإن من البيان لسحراً»، يقلب الحق باطلاً والباطلاً حقاً بسبب لسانه، أو بسبب أنه ألحن بلسانه في الحجة من أخيه المسلم فأخذ ماله، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض»، يعني صاحب لسان، هذا مسكين، هذا ما إن شاء الله عنده لسان ويتكلم، وهذا مسكين هو صاحب الحق، لكن النبي يقضي له، قال: «فمن قضيت له بغير حق فإنما أقطع له من النار»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وكما يقول القائل: في زخرف القول تزين لباطله، والحق قد يعتريه سوء تعبير، تقول: هذا مجاج النحل تمدحه، وإن شئت قلت: هذا ذاك الزنابير، مدح وقدح، وذات الشيء واحدة، إن البيان يريك الليل كالنور، لماذا؟ بسبب البيان، بسبب البلاغة. كما الناس اليوم، من الناس من أعطاهم الله جل وعلا البلاغة والفصاحة والبيان، يتكلمون، ولكن ينصرون الباطل، ينصرون الباطل، والعوام مساكين مع من يسمعون منه البلاغة والفصاحة، ما يميزون بين دليل صحيح وضعيف، نعم، إنما ينظرون إلى الظاهر، ممن معه لسان، ما شاء الله، تطلع وتنزل، فصاحة وعبارات وسجع، هذا صاحب الحق، هذا معه الحق، ما سمعناه تكلم ولا قال شيئاً، أشباه هذا، ما شاء الله، شوف الكلام، شوف الانضلاف، صاحب الحق استخدم ما أعطاه الله من هذه النعمة في محاربة الحق، في الصد عن الحق، نعم، وفي التلبيس على الناس، والله المستعان. فدنا يا عبد الله، راقب، راقب أقوالك، راقب أقوالك، فربما تقول الكلمة من سخط الله تهوي بها في النار سبعين خريفاً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وفي لفظ: «أبعد ما بين المشرق والمغرب»، وإن العبد الذي يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً. لا تستهن يا عبد الله، تتكلم على أخيك المسلم في عرضه، نعم، أو تسخر منه، أو تستهزئ به، لا، «ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا بالفاحش البذيء». انتبه يا عبد الله، لا تسخر ولا تستهزئ بغيرك وبإخوانك المسلمين، أن أعطاك الله جل وعلا مالاً، وأن أعطاك الله جل وعلا صحة، وأن أعطاك الله جل وعلا فقهًا في الدين وحفظاً وذاكرة، لا تسخر على إخوانك المسلمين، حتى على أهل الباطل، حتى على المخالفين، لا تسخر به ولا تستهزئ به، أنت صاحب حق، وإنما عندك حق، تقول: هذا خطأ، وهذا الصواب، وهذه السنة، وهذه البدعة، وهذا الشرك، وهذا التوحيد، بالبيان وبالعلم والحجة والبرهان، ليس عليك هداهم، لكن عليك البلاغ والبيان بالتي هي أحسن، «ولا تجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن»، «وجادلهم بالتي هي أحسن»، «وقولوا للناس حسناً»، هذا كله يتعلق بالأقوال، باللسان، قد تجادل، تخاصم، نعم، تدعو، فلابد أن تتخذ الطرق الشرعية، نعم، لأنك صاحب حق، ما أنت صاحب هوى، صاحب حق، قل ما عندك من البيان، من كتاب الله، ومن سنة النبي عليه الصلاة والسلام، في هذه المسألة بخصوصها، وفهم السلف كذا وكذا، والحمد لله، نعم، هذا هو الحق، ومن الله أعزو له الخير وفقه، ومن صدق مع الله وأخلص رأى الحق واضحاً بحمد الله، لأن الحق أبلج والباطل لجلج، كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحق أبلج ظاهر، والباطل لجلج، ما تطمئن له النفس»، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة»، الشيء الحلال حلال بين، ما تجد في نفسك شيئاً، نفسك مطمئنة لهذا الشيء، لكن الباطل والكذب هنا يكون عندك شيء من عدم الاطمئنان، وهو ما حاك في الصدر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس». هذه أشياء توضح، فعليّ وعليكم جميعاً، بارك الله فينا وفيكم، أن نستخدم اللسان في طاعة الله، لا في معصية الله، في الخير، في الذكر، نعم، في الدعوة إلى الله عز وجل، لا نجعل هذا اللسان في الغيبة والنميمة، السب واللعن، والشتم، السخرية والاستخفاف، إلى آخر ذلك، ستحاسب يا عبد الله، وستقف بين يدي الله عز وجل، وستسأل عن أعمالك، ومنها أعمال اللسان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر ألسنتنا من الباطل، وأن يجعلنا من عباد المتقين الذين يذكرونه آناء الليل وأطراف النهار، وأن يحفظنا وإياكم من زلل اللسان، وأن يجعل حجة لنا لا حجة علينا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم، شكراً لكم.