الدرس في شرح الأرجوزة الميئية 5، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المحور تسلسل أحداث السنة الثانية للهجرة بدءاً بغزوات الأبواء وبواط وبدر الأولى، مروراً بتحول القبلة إلى الكعبة وفرض صيام رمضان، وصولاً إلى غزوة بدر الكبرى وما صاحبها من نصر عظيم. ويختتم بذكر وجوب زكاة الفطر ووفاة رقية بنت النبي وزواج فاطمة من علي وأسر العباس بن عبد المطلب.
يتناول المحور مستهل السنة الثالثة بغزوة السويق وفرار أبي سفيان وزواج النبي من حفصة، ثم ينتقل إلى زواج النبي بزينب بنت خزيمة وغزوة أحد وما فيها من دروس وعبر. ويذكر غزوة حمراء الأسد وتحريم الخمر تحريماً قاطعاً وولادة الحسن بن علي.
يسرد المحور أحداث السنة الرابعة الهجرية وفي مقدمتها غزوة بني النضير لنقضهم العهد ونزول سورة الحشر، ثم وفاة زينب بنت خزيمة وزواج النبي بأم سلمة وزينب بنت جحش. ويوضح تفصيل تزويج الله للنبي زينب بنت جحش بعد تبني زيد وذكر غزوة بدر الموعد والأحزاب.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ العلامة ابن أبي العز الحنفي رحمه الله تعالى في أرجوزته المئوية في ذكر حال أشرف البرية صلى الله عليه وآله وسلم: قال رحمه الله: «وغزوة الأبواء بعد في صفر هذا وفي الثانية الغزو اشتهر إلى بواط ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب من بعد ذي العشير يا إخواني وفرض شهر الصوم في شعبان والغزوة الكبرى التي ببدر في الصوم في سابع عشر الشهر وجبت فيه زكاة الفطر من بعد بدر بليال عشر وفي زكاة المال خلف فدري وماتت ابنة النبي البريئة قبل رجوع السفري زوجة عثمان وعرس الطاهرة فاطمة على علي القدير وأسلم العباس بعد الأسر». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع بعض غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد هجرته إليها. غزا عليه الصلاة والسلام الغزوات، وأول هذه الغزوات التي يذكرها أهل العلم هذه الغزوة وهي إلى بواط، وقبل ذلك إلى الأبواء. غزوة الأبواء بعد في صفر، يعني في شهر صفر بالسنة الأولى من الهجرة. والأبواء موضع بين مكة والمدينة، ويقال له ودان، يبعد عن المدينة بـ 24 ميلا. وهذا الموضع الذي توفيت فيه أم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «له الأبواء». فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا هذه الغزوة، أي غزوة الأبواء، ولم يقع فيها قتال، بل حصلت موادعة بينه عليه الصلاة والسلام وبين مجدي بن عمرو سيد بني ضمرة بن كنانة، ثم رجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. قال: «هذا وفي الثانية الغزو اشتهر»، أي في السنة الثانية من الهجرة اشتهر الغزو. وهنا سيذكر رحمه الله تعالى بعض حوادث السنة الثانية من الهجرة، ومن ذلك الغزو إلى بواط. فقال: «هذا وفي الثانية الغزو اشتهر إلى بواط ثم بدر ووجب تحول القبلة في نصف رجب». إلى بواط، وهو جبل عظيم بينبع، خرج النبي عليه الصلاة والسلام للقاء قافلة لقريش محملة بالتجارة، ولم يلقها عليه الصلاة والسلام ولم يدركها، فرجع عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. ثم بدر، هو بدر هنا بدر الأولى؛ لأن بدر ثلاث: بدر الأولى، وبدر الثانية وهي الكبرى، وبدر الأخرى. بدر الأولى هذه التي يقال لها سفوان. سفوان هذه الغزوة التي هي غزوة بدر الأولى. قال هنا في هذا الشهر، وكذلك ذكر أيضا ما حصل في هذه السنة الثانية من الهجرة من تحول القبلة إلى شهر رجب، بتحول القبلة إلى الكعبة في نصف رجب. وبدر الأولى سببها أن كرز بن جابر الفهري أغار على سرح المدينة ونهب، ونهب بعض المواشي، فخرج إليه النبي عليه الصلاة والسلام في سبعين رجلا من أصحابه، وطارده عليه الصلاة والسلام حتى بلغ هذا الوادي من جهة بدر يقال له سفوان، ولكن لم يدرك عليه الصلاة والسلام كرزاً الفهري، فرجع عليه الصلاة والسلام مع أصحابه ولم يلقوا حربا. هذه يقال لها بدر الأولى، ويقال لها سفوان. وتحول القبلة في نصف رجب، هذا هو القول المشهور. بعضهم يقول في شعبان، وبعضهم يقول في جمادى الآخرة، لكن المشهور أن تحول القبلة في السنة الثانية من الهجرة في نصف رجب، كما قال هنا الناظم رحمه الله تعالى، وهو الذي حققه أكثر أهل العلم. ثم قال: «من بعد ذي العشير يا إخواني وفرضوا شهر الصوم في شعبان». يعني هذه الغزوة وهي إلى بواط كانت بعد غزوة ذي العشير. بعد غزوة ذي العشير، وذو العشير مكان ببطن ينبع، لم يحصل فيه حرب ولا قتال، وإنما حصلت مصالحة من النبي عليه الصلاة والسلام مع بني مدلج، صالحهم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل بينهم قتال ولا حرب. هذه يقال لها ذو العشير، ويقال ذو العشير كذلك. «وفرض شهر الصوم في شعبان»، أي أن فرض شهر الصوم رمضان كان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة. «والغزوة الكبرى التي ببدر»، وهذه بدر الثانية وهي بدر الكبرى، الغزوة العظيمة، وهي أعظم الغزوات التي غزاها النبي عليه الصلاة والسلام. أعظم الغزوات كان فيها النصر لأهل الإسلام، قد أيدهم الله عز وجل بما أيدهم به من الكرامات وقتال الملائكة معهم، مع قلة عددهم وعتادهم، نصرهم الله سبحانه وتعالى في هذه الغزوة العظيمة. وكان سبب هذه الغزوة أنه عليه الصلاة والسلام أراد أن يعترض قافلة لقريش في رجوعها من الشام، قد أفلتت منه حين ذهابها. لكن أبو سفيان كان على حيطة من أمره، فكان يرسل من يتفقد، فجاءه الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد ترصدوا له للقاء هذه العير، فأرسل إلى كفار قريش يستنفرهم، يستنفرهم، جاءهم يقول: «اللطيمة اللطيمة اللطيمة اللطيمة يا معشر قريش، أدركوا عيركم مع أبي سفيان، فإن محمداً وأصحابه قد تعرضوا لها، ولا أظنكم تدركونهم». فلذلك اغتاظ كفار قريش، تجهزوا، حتى قالوا: «يحسب أو يظن محمد أنها مثل عير ابن الحضرمي». ولذلك تواعدوا فيما بينهم أن يخرجوا، لا بد من الخروج، من كان عنده عذر أقام رجل مكانه، وجهز أو جهز آخر بماله. فخرجوا كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 47]. خرجوا بطرين أشرين، عليهم الغرور والعجب بعددهم وعتادهم، وخرجوا على هذا الوصف الذي حكاه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، فكان النصر فيها لأهل الإسلام. وعدهم الشيطان أن ينصرهم، قد جاءهم على صورة سراقة بن مالك، ثم خذلهم، فلما تراءت الفئتان نكس على عقبيه وتبرأ منهم، وعلمهم أنه يرى ما لا يرون وأنه يخاف الله. فصمدوا على ما هم عليه حتى نصر الله عز وجل أهل الإسلام. قد قتل في هذه الغزوة أكابر المشركين، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وهكذا ابنه الوليد بن عتبة، وجماعة من المشركين. ومكّن الله جل وعلا بلالاً من قتل أمية بن خلف الذي كان يعذبه في رمضاء مكة، ومكّن الله جل وعلا عبد الله بن مسعود من جز رأسي أبي جهل الذي كان يؤذيه ويسبه ويشتمه. فنصر الله سبحانه وتعالى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه في هذه الغزوة العظيمة، وكانت في سابع عشر من شهر رمضان، كما قال: «في الصوم في سابع عشر الشهر»، يعني في السابع عشر من شهر رمضان. «وجبت فيه زكاة الفطر»، يعني في آخر الشهر صدقة الفطر. «من بعد بدر بليالي عشر»، يعني بعد ليالي العشر من بدر وجبت زكاة الفطر. «وفي زكاة المال خلف فدري»، أي علم في زكاة المال، في زكاة الذهب والفضة والأموال وغير ذلك خلاف، أي متى فرضت. فصحيح أنها كذلك في السنة الثانية من الهجرة كما قال أهل العلم، قد ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله وغيره من أهل العلم، كانت في السنة الثانية من الهجرة. قال: «وفي زكاة المال خلف فدري، وماتت ابنة النبي البريئة رقية قبل رجوع السفري زوجة عثمان». أي أن رقية بنت النبي عليه الصلاة والسلام رضي الله عنها توفيت وماتت قبل رجوع النبي عليه الصلاة والسلام من السفر، أي من بدر. لأن النبي سلم أرسل إلى المدينة من يبشر أهل المدينة بالنصر الذي نصر الله جل وعلا به أهل الإسلام. قال أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: جاءنا الخبر وقد وارينا التراب على رقية، حين وارينا التراب على رقية، أي دفنوها رضي الله تعالى عنها. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر عثمان أن يتأخر ولا يخرج معهم إلى بدر لتمريض رقية، ولذلك قسم له النبي عليه الصلاة والسلام من غنائم بدر. في هذا رد على من يطعن في عثمان، يقول: لم يحضر بدرا ولم يشهد الحديبية. لم يحضر بدرا لأنه عليه الصلاة والسلام أمره، ولم يشهد الحديبية لأنه عليه الصلاة والسلام أرسله إلى مكة، وقد بايع عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان بيمينه إلا أن يمين رسوله عليه الصلاة والسلام خير من أيمان الصحابة، كما قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في الصحيح. قال رحمه الله تعالى: «وعرس الطاهرة فاطمة على علي القدير». أي زوج النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة على علي بن أبي طالب، رفيع القدر والمكانة والمنزلة، رضي الله عنه، وعن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين. «وأسلم العباس بعد الأسر». العباس بن عبد المطلب خرج مع المشركين يوم بدر، قيل إنه قد أسلم قبل ذلك لكن أخرجه المشركون مكرها، وخرج بنو هاشم مكرهين، حتى أنهم لما سمعوا بأن أبا سفيان قد نجا بالقافلة، أرسلوا، أرسل الله عنهم، إنما خرجوا مكرها، ورسلوا إسلام، إنما خرجوا مكرها، ورجاء في مسنى الإمام. وإنه أنه أنه أنه عباس، وعند وإلى أحسنه قبل ذلك قد أسلم قبل غزوة بدر، لكن أخرجه المشركون كرها، حتى أنهم لما سمعوا بأن أبا سفيان قد نجا بالقافلة، وأرسل إليهم أن يعودوا ولا حاجة إلى القتال، وكان من المشركين من أراد أن يرجع، أما بنو زهرة، وأما بنو زهرة وكانوا مئتين رجعوا، وشكروا ذلك لسيدهم الذي نصحهم بالرجوع، مادام أن العير نجت وقافلتهم نجت وأموالهم نجت، فرجعوا. وكذلك أراد بنو مخزوم أن يرجعوا، فقال أبو جهل: «لا، تفارغنا هذه العصابة»، أكرههم على المسير معهم ولا يرجعوا، وقال مقولته: لما قال بعض المشركين من كبارهم: نرجع ولا حاجة إلى القتال، قال: لا، بل نريد بدراً وننحر الجزور ونشرب الخمور، تعزف علينا القيان، ويسمع بنا العرب ويسمعون بمسيرنا، فيزالون يهابوننا أبداً الدهر. فخرج فقتله الله سبحانه وتعالى في هذه الغزوة. ونبي الله قد حدد مصارع القوم في تلك الليلة: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما تخط أحد المصرع الذي حدده النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال رحمه الله تعالى بعد ذلك: والذي أسر العباس رجل من الأنصار، لكن أيده الله عز وجل بملك كريم. لأن العباس لما أتي به وقد أسر، قال للنبي عليه الصلاة والسلام: ليس هذا الذي أسرني. والأنصاري يقول: لا، أنا الذي أسرته. فقال له عليه الصلاة والسلام: «أسكت، فقد أيدك الله بملك كريم». يقول للأنصاري: الملائكة خرجت تقاتل وتأسر، لأن العباس يقول: ليس هذا، نعم، وإنما رجل لا راه في القوم، وذلك ملك من ملائكة الله سبحانه وتعالى الذين نصر الله جل وعلا بهم نبيه عليه الصلاة والسلام وصحابته. قال رحمه الله تعالى: «وقينوا نقاعوا غزوهم في الأثر، وبعد ضحى يوم عيد النحر». بنو قينقاع، هذه من قبائل اليهود، نقضوا العهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام حاصرهم، حاصرهم في المدينة، ثم أجلاهم، ثم أجلاهم عليه الصلاة والسلام لأنهم نقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبعدها ضحى يوم العيد، نعم، وبعد ضحى، نعم، بعد ضحى لا، ضحية يوم عيد النحر. «وغزوة السويق، وغزوة السويق ثم قرقرة، والغزو في الثالثة المشتهرة، والغزو في الثالثة المشتهرة». غزوة السويق ويقال لها قرقرة. أي أن غزوة السويق هي غزوة قرقرة. ومنهم من يقول: لا، غزوة السويق غزوة، وقرقرة غزوة. وصنيع المؤلف الناظم رحمه الله تعالى قالوا: غزوة السويق ثم قرقرة. لكن إذا حققه جماعة من أهل العلم أن هذه الغزوة، غزوة السويق هي قرقرة. وإنما قيل لها السويق لأن أبا سفيان ومن كان معه لما فر هارباً، كان معهم السويق من الحب والبر وغير ذلك، كانوا يلقونه لكي يخفف حملهم ويستطيعوا الفرار، فألقوا ما معهم من السويق، فسميت بغزوة ذات السويق. وسميت بغزوة ذات قرقرة لأن هذا الموضع ماء، لما خرج النبي عليه السلام في طلبهم، لأن أبا سفيان بعد غزوة بدر اغتاظ، حتى ذكر عنه أنه نذر أن لا يمس شعره ماء ولا يغتسل حتى يثأر لقتلهم في بدر. فخرج إلى المدينة من جهة اليهود، واغتنم الفرصة فنهب وأتلف. فسمع النبي عليه السلام بذلك، فخرج في طلبه، فهرب أبو سفيان ومن كان معه، وكانوا محملين بالزاد والسويق، حتى أنهم ألقوا ذلك السويق ليخف حملهم فيهربوا، فسميت بذات السويق. وقرقرة لأن النبي عليه السلام لما خرج في طلبهم وصل إلى هذا الموضع ما يقال له قرقرة، فسميت هذه الغزوة بهذا. فمنهم من يقول ذات السويق، ومنهم من يقول قرقرة للموضع الذي حصلت عنده هذا الحدث. قالوا: «الغزو في الثالثة المشتهرة»، يعني في السنة الثالثة من الهجرة كذلك الغزو اشتهر. والآن سيذكر بعض حوادث السنة الثالثة من الهجرة. «في غطفان وبني سليم، وهذه غزوات كذلك لم يلقى النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه فيها حرباً، نعم، وإنما ذهب عليه الصلاة والسلام ورجع من غير قتال». قال: «وأم كلثوم، نعم، أو أم كلثوم، وأم كلثوم ابنة الكريم، في غطفان وبني سليم، وأم كلثوم ابنة الكريم، زوج عثمان بها، وخصه في هذه السنة، في السنة الثالثة من الهجرة، زوج النبي عليه الصلاة والسلام أم كلثوم لعثمان بعد وفاة رقية، وذلك قال: لعثمان ذو النورين، لأن تزوج ببنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقية أولاً ثم أم كلثوم ثانياً». ثم تزوج النبي حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنها وعن أبيها. قد كان قد عرض عمر حفصة على عثمان وعلى أبي بكر، لكنه قد علم أن النبي عليه الصلاة والسلام قد ذكرها، فلم يقبل ذلك واعتذر، فتزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. «وزينب، ثم غزى إلى أحد، أيضاً تزوج زينب وهي بنت خزيمة الهلالية، قال لها: أم المساكين، كانت تحب المساكين تشفق عليهم، سميت بأم المساكين. زينب بنت خزيمة الهلالية تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، أي في هذه السنة الثالثة من الهجرة». ثم غزى إلى أحد. غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة في شهر شوال، في شهر شوال. غزوة أحد هي الغزوة التي استفاد منها المسلمون الدروس والعبر والعظات، والعلم بخطورة المخالفة. وإلا فكان النصر في أول هذه الغزوة لأهل الإسلام، لكن لما حصلت المخالفة من الرماة الذين أمرهم النبي بالبقاء في مواضعهم، ولو تخطفتهم الطير، ونصحهم بذلك أميرهم عبد الله بن جبير، لكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، واجتهدوا رضي الله تعالى عنهم، رأوا أن الحرب قد انتهت وصار يجمعون غنائم، فاستغل المشركون ذلك، كانوا في ذلك الوقت تحت قيادة خالد بن الوليد قبل إسلامه رضي الله عنه، فحصل ما حصل من كسر رباعيته وشج رأسه، ودخول بعض حلق المغفر في وجنتيه، وإلى آخر ذلك. والحرب سجال، سنة الله في خلقه، كما قال هرقل عظيم الروم لأبي سفيان: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال، ننال منه وينال منا. قال: وكذلك الرسل، سنة الله عز وجل فيها، مرة نصر ومرة هزيمة، يستفاد منها. وهكذا كانت غزوات النبي عليه الصلاة والسلام، منها ما فيها الانتصار، ومنها ما فيه الهزيمة، كما سيأتي معنا في غزوة حنين، كذلك أصابهم ذلة من قبل أعداء الإسلام وعدم النصر بسبب ما ذكر الله عز وجل: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ [التوبة: 25]. قال: «في شهر شوال، وحمراء الأسد». حمراء الأسد أيضاً هذه غزوة من الغزوات، يقال لها حمراء الأسد، وهي جنوب المدينة، ذكروا أنها تبعد عن المدينة من جهة الجنوب بعشرين كيلومتراً، عشرين كيلومتراً. وهي كانت بعد أحد مباشرة، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يدخل في قلوب الكفار الرعب، فلذلك أمر أصحابه الذين خرجوا في أحد أن يذهبوا إلى هذا المكان. وهذا الذي قال الله جل وعلا فيه: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 172]. بعد ما أصابهم القرح يعني في أحد، ومع هذا خرجوا، استجابوا لله واستجابوا للرسول عليه الصلاة والسلام، وخرجوا إلى هذا الموضع لإرهاب الكفار، وليعلموا أن المسلمين لا يزالون على قوة بأمر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «والخمر حرمت يقينا، والخمر حرمت يقينا، فاسمعا هذا، وفيها ولد الصبط الحسن». يعني في السنة الثالثة من الهجرة حرمت الخمر يقيناً. نعم، والخمر تحريم الخمر مر بمراحل، في أول أمر منعوا من شربها أوقات الصلاة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ ﴾ [النساء: 43]. ضيق عليهم، لكن بعد ذلك جاء الأمر القطعي والتحريم القطعي بها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ﴾ [المائدة: 90]، ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91]. جاء عن عمر قال: انتهينا، انتهينا. وأرسل النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح إلى أهل المدينة: «ألا إن الخمر قد حرمت»، فأهرقت الجرار، حتى كأن المدينة سالت فيها السيول لذلك اليوم، لكثرة ما أريق من الخمور. قال أنس، أو قال بعض الصحابة لأنس: كم يا أنس؟ فأهرق الجرار، سكبوها، نعم، لأن التحريم قد جاء القطعي. «هذا وفيها ولد السبط الحسن». الحسن بن علي، ولد في السنة الثالثة من الهجرة على المشهور، وبعضهم يقول في السنة الرابعة. «وكان في الرابعة الغزو إلى بني النظير في ربيع أولا، في السنة الرابعة». الآن سيذكر بعض الحوادث، منها الغزو إلى بني النظير في ربيع الأول. بني النظير هؤلاء نقضوا العهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه عليه الصلاة والسلام حالفهم، عليه الصلاة والسلام، فمن قتل رجل من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام رجلين كان لهما عهد من النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يعلم بذلك ولا يشعر بذلك. فذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى بني النظير لأنه عليه الصلاة والسلام قال: لا أدينهما، يعني أدفع ديتهما. فذهب إلى يهود بني النظير حلفائه ليعينوه على دفع هذه الدية، فبني النظير نقضوا العهد، فاجتمعوا فيما بينهم يتشاورون، فقالوا: من يلقي هذه الرحى على محمد فيقتله؟ فانبعث أشقاها، نعم هو أشقاها، أو لا، القوم إلى ذلك. فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. وذلك الرجل يقال له عمرو بن جحاش، عمرو بن جحاش هو الذي قام ليفعل هذا، وهو قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالرحى. رجع إلى المدينة وتجهز لهم ولقتالهم، وحاصرهم ستة ليال، فقدف الله في قلوبهم الرعب، وحاصرهم، فسألوا النبي عليه الصلاة والسلام الآن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح، ففعل عليه الصلاة والسلام. وفيهم أنزل الله سورة الحشر، فيهم أنزل الله جل وعلا سورة الحشر، كما ذكر ابن هشام وابن كثير وغيرهما من مؤلفي السيرة النبوية. وكان في الرابعة الغزو إلى بني النظير في ربيع الأول. «وبعد موت زينب المقدمة، يعني تقدم ذكرها وهي بنت خزيمة الهلالية أم المساكين، توفيت رضي الله تعالى عنها، وبعده نكاح أم سلمة». تزوج النبي عليه الصلاة والسلام أم سلمة بعد وفاة زوجها أبي سلمة، وهو ابن عبد الأسد بن المغيرة، وهي أم سلمة بنت أمية بن المغيرة المخزومية، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، وأبدلها الله جل وعلا خيراً من أبي سلمة، حين قال ذلك الدعاء الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها». قالت: من خير من أبي سلمة، أول بيت هاجر إلى رسول الله؟ فأخلفها الله مع هذا، قالت: فقلت، فأخلفني الله برسول الله عليه الصلاة والسلام. «وبنت جحش، ثم بدل موعدي، وبعدها الأحزاب فاسمع وعددي». وبنت جحش، زينب بنت جحش، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت زوجاً لزيد بن حارث، وزوجها الله من فوق سبع سماوات، وكانت تفتخر بذلك، تقول: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات». الله جل وعلا يقول: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ [الأحزاب: 37]. فزوجها الله، لأنه عليه الصلاة والسلام تحرج من ذلك، تحرج من ذلك لأن زيداً مولى النبي عليه الصلاة والسلام قد تبناه، نعم، وكان لا يجد ذلك في عرف الجاهلية، فالله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وكانت أسرع نساء النبي عليه الصلاة والسلام لحوقاً بالنبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: «إن أو لكن لحوقاً بي أطولكن يداً، أطولكن يداً». فقالت: كانت زينب، لأنها كانت لها الصدقات، المراد هنا بطول اليد يعني الصدقة، وكثرت الصدقة، فكانت أول نساء النبي عليه الصلاة والسلام لحوقاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم. «ثم بدر الموعدي، هذه بدر الآخرة، قال لها: بدر الثالث، كانت بعد أحد، توعدوا، لكن لم يحصل في هذه الغزوة قتال، وإنما توعدوا، حضروا ونجوا من غير قتال». «وبعدها الأحزاب فاسمعوا عددي»، يعني غزوة الأحزاب. سنقف هنا عند ذكر غزوة الأحزاب لنواصل إن شاء الله في درس العشاء، إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.