شرح منظومة القواعد الفقهية  15

شرح منظومة القواعد الفقهية 15

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 15، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في القواعد الفقهية المتعلقة بالضرورات

يتناول المبحث القواعد الفقهية المتعلقة بالضرورات وتأثيرها على الأحكام الشرعية، مع التركيز على قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات'. يشرح الشروط اللازمة لتطبيق هذه القاعدة وتقدير الضرورة بقدرها.

تطبيق قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في الفقه الإسلامي

يشرح هذا الفصل تطبيق قاعدة 'الضرورات تبيح المحظورات' مستدلاً بالآيات القرآنية والتفاسير الصحيحة، مع توضيح أمثلة عملية لتطبيق هذه القاعدة في حالات مختلفة مثل أكل الميتة عند الضرورة والكشف الطبي.

قاعدة اليقين لا يزال بالشك وتطبيقاتها الفقهية

يناقش هذا الجزء قاعدة 'اليقين لا يزول بالشك' ودلالتها على أن الشك لا يغير من الحالة اليقينية، مع توضيح دخول هذه القاعدة في جميع أبواب الفقه وتأثيرها على الأحكام الشرعية.

العمل باليقين وترك الشك في القرارات الفقهية

يُناقش هذا الفصل أهمية العمل باليقين وترك الشك عند التردد في الأمور، مع التشجيع على اتخاذ القرار بناءً على اليقين. يشير إلى الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم كختام للمبحث.

  • 19 جمادى الأولى 1436هـ - 09/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب «القواعد الفقهية» رحمه الله تعالى: «وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة»، هذا البيت، إخواني في الله، ويعتبره كقيد للقاعدة السابقة. والمرة معنا عند ذكر المؤلف رحمه الله تعالى لقوله: «ولا محرم مع الضرورة»، وأن «الضرورات تبيح المحظورات»، لكن بشروط، فمن ذلكم أن تكون الضرورة واقعة، ليست بظنية، بل هي واقعة حتمية. وكذلك أن لا يكون هناك وسيلة تدفع به الضرورة إلا هذا المحرم، وأن لا يكون بشرط عدم نقصانها عنها. وكذلك أن تكون الضرورة بقدر. ولأهمية هذا القيد، نبه عليه المؤلف رحمه الله تعالى بهذا النظم، فقال: «وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة»، وهذا القيد الذي يعبر عنه العلماء بأن «الضرورة تقدر بقدرها». والدليل على هذا الضابط وعلى هذا القيد ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. هذه الآية، وإن كان هناك المفسرين تفسير في معناها، فبعضهم يفسر قول الله سبحانه وتعالى: «غير باغ» بمعنى أي غير خارج على الإمام، أي لا يكون من البغاة، لا يكون من البغاة، أي ممن خرج على الولاة. «فمن اضطر غير باغ ولا عاد» هنا قيل: «ولا عاد» بمعنى ولا معتد على الآخرين، كأن يكون قاطع سبيل. ومنهم من قال: «ولا عاد» أي لا يكون عاص في سفره، فهذه أقوال لبعض المفسرين. لكن الصحيح الذي عليه جماع من العلماء، وهذا الذي أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه بأنه فسر «غير باغ» أي غير باغ في الميتة، بمعنى غير باغ في الميتة، أي ليس قاصدًا لها. وقوله: «ولا عاد» بمعنى «ولا عاد في أكله»، أي غير معتد في أكله للميتة، وهذا التفسير الصحيح الذي عليه العلماء في تفسير «غير باغ ولا عاد». فمن اضطر إلى تناول محرم بهذين الوصفين، حلت له الأكل منها، وتباح. والوصف الأول أن يكون غير باغ، بمعنى ليس قاصدًا لها. وكذلك في أثناء الأكل أن لا يكون معتدًا في أكله. وهذا الذي يرخص له في الميتة. ومن هنا استفاد العلماء بهذه الحكم في هذه المسألة على سائر الضرورات، أنك متى ما ألجئت إلى فعل محرم لتدفع ضرورة، فليكن فعل هذا المحرم على قدر الضرورة. فإذا دفعت الضرورة بشيء من أجزاء المحرم كفاك، ولا تسترسل في المزيد. هذا هو القاعدة، وهذا هو الضابط في قول تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. إذن، علمنا بهذه الآية أن الذي يضطر إلى الأكل المحرم أو الفعل المحرم أنه يحتاج إلى أمرين اثنين. أولًا: أنهم لا يأتي إليها قاصدًا لها، وإنما ألجئ إليها. فمن جاء إلى فعل محرم من ذات نفسه، ولو ادعى الضرورة، وليس الضرورة، وإنما الحقيقة هو الذي أراد هو الذي قصد، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من البغي. ثانيًا: أنك إذا ألجئت إليها أن يكون ذلك بقدر، وضابطه أنك لا تعتدي في التناول وفي الأخذ من هذا المحرم. ويدخل بهذه المسألة صور من صور هذه القاعدة في هذه الآية. فالآية تدل على أن الميتة إذا اضطر الإنسان إلى أكلها لدفع ضرورة، جاز ذلك بالإجماع، ولا إثم عليه. وكذلك قال العلماء: وإذا أكل من الميتة فلا يجوز له أن يزيد ما بعد الشبع، وهذا بالإجماع. أما الخلاف في موضوع الشبع، فمنهم من فصل فيها، ومنهم من استرسل في أمرها. فمنهم من قال: إن كان يغلب على ظنه أنه ما سيجد شيء بعد هذا، فله أن يشبع. فإذن، هناك إجماع على أن ما بعد الشبع لا يجوز، وإنما إلى حد الشبع فهذا فيه خلاف. وهذا يرجع إلى مضانه من كتب العلماء. كذلك من صور هذه القاعدة ما يتعلق بالكشف عند الأطباء، وهذا تفيدنا في هذه الأزمان المعاصرة، وخاصة مع وجود التساهل. الأصل أن المرأة كلها عورة، وما ينكشف عنها شيء إلا للضرورة. فإذا كان هناك ضرورة للكشف، فإن المرأة تكشف تحت قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، لكن بهذا القيد أن هذه الضرورات تقدر بقدرها. فمثلًا لو أراد أن ينظر إلى الأذن، إذن يعطى له الأذن، أما أنها تكشف جميع الوجه مع الشعر، هذا ليس ضرورة أصلًا. وهكذا قس مثل هذه المسائل التي ينبغي التأمل فيها، أن الضرورة تقدر بقدرها، فلا تحتج بأنك في حال ضرورة فتندفع بفعل محرمات بغير مقدار ولا مقياس، لا، وإنما خذ من فعل المحرم بما تندفع به الضرورة. ثم قال رحمه الله تعالى: «وترجع الأحكام لليقين، فلا يزيل الشك اليقين»، كذلك هذه قاعدة من قواعد الكلية. فقوله رحمه الله تعالى: «وترجع الأحكام لليقين»، الأحكام جمع حكم، والحكم في اللغة بمعنى المنع. والمراد بالأحكام هنا الأحكام الشرعية، وهو خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين. قال: «وترجع الأحكام لليقين»، اليقين من قولهم: «يقنت الأمر يقنًا»، قال الجرجاني رحمه الله تعالى: بأن اليقين في أصل اللغة العربية بمعنى الاستقرار. فاليقين هو العلم الذي يندفع به الشك. فقال رحمه الله تعالى: «وترجع الأحكام لليقين فلا يزيل الشك اليقين»، قوله: «يزيل» بمعنى أن اليقين لا يتنحى عن مكانه لطروق الشك عليه، يبقى اليقين في محله في مكانه. والشك بمعنى مطلق التردد، هذا معنى الشك. وأعرف بعض العلماء أن الشك هو اعتدال النقيضين عند الإنسان وتساويهما، هذا معنى الشك. فخلاصة هذه الكلمات: «وترجع الأحكام لليقين فلا يزيل الشك اليقين»، وهذا البيت إشارة إلى قاعدة كلية، يعبر عنها العلماء بتعبيرين: «اليقين لا يزال بالشك»، و«اليقين لا يرفع بالشك»، كلها دلالة واحدة. قال إمام النووي رحمه الله تعالى مبينًا عموم هذه القاعدة: «وهذه قاعدة مضطردة، لا يخرج عنها إلا مسائل نادرة». وقال السيوطي رحمه الله تعالى كذلك في بيان هذه القاعدة: «هذه القاعدة تدخل في جميع أبواب الفقه». وخلاصة هذه القاعدة: اليقين لا يزال بالشك، بمعنى أن الأمر إذا تجاذبه شك ويقين، فاسقط الشك وعمل باليقين. فاليقين لا يزال بالشك، لا يتحرك ولا يتنحى من أجل وجود الشك. وقال علماء: هذه القاعدة دل عليها الكتاب والسنة والإجماع. فأما القرآن، استدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وجه الدلالة أن الحق هو اليقين، والظن هو الشك، فلا عبر بالظن. وأما من السنة، ما جاء في الصحيح في البخاري من حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه في ذلك الرجل الذي شك لنبينا أنه يجد الشيء في صلاته، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، لا ينصرف إذا تخيل في هذا الرجل الذي دخل في صلاته وهو يظن أنه أصيب بشيء من الحدث. ومع ذلك أمره نبينا أن لا يلتفت؛ لأن دخل على الصلاة بيقين، فلما دخل على طهارة وصلى، طرى عليه شك، هل وقع مني شيء؟ ما الذي أمره نبينا؟ أنه لا يأخذ بهذا الشك الذي طرى عليه، قال: «لا ينصرف»، لا ينصرف أبدًا، وإنما يستمر في صلاته حتى يزال هذا اليقين بيقين، حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا. وأما الإجماع، فقد ذكر العلماء الإجماع على هذه القاعدة. قال إمام القرافي رحمه الله تعالى: «وهذه القاعدة مجمع عليها»، وهي أن كل مشكوك فيه يجعل كالمعدوم، الذي يجزم بعدمه. مثل رجل توضأ لصلاة المغرب، ثم أراد أن يصلي العشاء بوضوء المغرب، دخله الشك هل وقع مني حدث؟ إذن ما الذي تشك فيه؟ أشك في الحدث، هل وقع؟ إذن اترك الشك، اعمل باليقين. ما اليقين؟ أنك على وضوء، إذن تصل العشاء بوضوء المغرب؛ لأن هذا شك طار. وهكذا قس في سائر أعمالك، متى ما كنت على أمر يقيني ثم طرى عليك الشك، فدخل فيه كثير جدًا من أبواب الفقه. فكلما طرى عليك أمر ظني، أمر فيه شك، لم تجزم فيه، عندك التردد، أترك هذا الشك وعمل بما كنت فيه على يقين. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.