الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الدرس بتعريف البدعة في اللغة والشرع، حيث يشرح معاني البدعة ويذكر تعريف الشاطبي لها كطريقة مخترعة في الدين تضاهي الشرعية. يُبرز أهمية فهم التعريف الاصطلاحي للبدعة في الشرع.
ينتقل الدرس إلى حكم البدعة وضابطها عند العلماء، حيث يرى أن القول الراجح هو أن كل البدع ضلالة ومذمومة مستدلاً بالأدلة الشرعية مثل آية إكمال الدين. يُوضح أن هناك ثلاثة أقوال في حكمها.
يشرح الدرس معنى ترك الخصومات في الدين وضرورة اتباع السنة النبوية، ويبين ارتباط السنة بالقرآن ووجوب اتباعها دون جدال أو قياس أو اتباع الهوى. يُظهر أهمية السنة في فهم الدين.
ينتهي الدرس بالدعاء بالنبي محمد وعلى آله وصحبه والتسليم، مع التأكيد على العلم الإلهي واحترام وتقدير الشخصيات الدينية الهامة في الإسلام. يُنهي المقطع بالتأكيد على أهمية الختام بالدعاء.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، نزل في بداية رسالة المؤلف رحمه الله تعالى، والتي بدأها بقوله: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم وترك البدع». وتكلمنا حول الفقرة الأولى بما تعلق بالتمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلوات ربي وسلام عليه، وعينا ما هو ضابط الصحابة، وذكرنا الأدلة الدالة على وجوب الاقتداء والاقتساء بما كانوا عليه من طريقة ومنهج، وخاصة ما كان من فهمهم لأدلة الشرع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وأيضا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وأكد في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. في هذه الآية ذكرنا عبارة ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو يسطر لنا القاعدة عند أهل السنة والجماعة في أنهم يرون كل قول أو فعل لم يؤثر عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعة. ثم قال مؤلف رحمه الله تعالى: «وترك البدعة». ومضى معنى التعريف للبدعة في باب اللغة، وأن تأتي بمعنى الإحداث أو الشيء المخترع الذي ليس له مثيل سابق، وهناك معنى آخر مذكور في اللغة وهو بمعنى الانقطاع. وأما اصطلاحا، وهذا الذي يهمنا تعريف البدعة في الشرع، فكذلك للعلماء عدة تعريفات، والتعريف المشهور عند أهل الأصول ما ذكره الشاطبي رحمه الله تعالى عندما عرف البدعة بقوله: «هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد». وهناك تعريف آخر كذلك لبعض العلماء من المعاصرين، وهو كذلك واضح سلس، فعرف البدعة بقوله: «هو الأمر المحدث بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بقصد التقرب إلى الله». فهذا هو ضابط البدعة، طبعا تحت ذلك مباحث وفصول وتفاصيل، وخاصة في تعريف الشاطبي، لكن لعل لا يأتي مقام آخر في الاستفصال أو التفصيل في هذا التعريف. قال رحمه الله تعالى: «وكل بدعة فهي ضلالة». وهذا كذلك حكم، وهو حكم البدعة، إذا علمنا ما هو ضابط البدعة بقي ما حكم البدعة. وحكم البدعة هناك آراء موجودة في الساحة يمكن أن تنحصر في أقوال ثلاث، فمن يذهب إلى أن البدعة تنقسم إلى قسمين: إلى بدعة حميدة وإلى بدعة مذمومة، ويذكر هذا عن بعض الأئمة، لكن لا يصح. والتعريف الثاني وهو تعريف كذلك مشهور عند بعض الأصوليين، من ذهب إلى أن البدعة تجري على الأحكام الخمسة، وهي الواجب والمحرم والمكروه والمستحب والمباح. فبعض الفقهاء يقول: إن البدعة تنقسم إلى هذه الأمور الخمسة، فربما تكون البدعة في حد المستحب، وقد تكون في حد المحرم، وقد تكون في حد الواجب. وكذلك هذا قول أثر عن بعض أهل الأصول، وقد رد عليه. وليس المقام في ذكر التفصيل في هذا الباب. القول الثالث وهو الصواب، قول من يقول بأن البدع برمتها ضلالة، لا يشد عنها شاذ ولا يخرج عنها فرد في حكم الشرع، كلها مذمومة في حكم الشرع، كلها مذمومة. وهذا القول هو الصواب، والذي عليه أهل السنة والجماعة، وعليه المحققون من العلماء، وذلك بالأدلة الكثيرة المتكاثرة الدالة على ذلك. فمن هذه الأدلة ما جاء في قولي تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فربنا سبحانه وتعالى قد أكمل لنا الدين، والابتداع في حد ذاته هو عبارة عن زيادة في الدين، يراها الرائي أن بهذه البدعة يكمل الدين، كأنه يتعقب على الشريعة. قال رحمه الله تعالى: «وترك الخصومات في الدين». الخصومة تأتي بمعنى الجدل، كما قال ذلك صاحب العين، فإذن ترك الخصومات أي ترك المجادلات وترك المهاترات، وذلك إن كانت في دين الله سبحانه وتعالى. وقد عاب سلفنا الصالح الخصومة في الدين، الدين ليس هناك خصومة، الدين عبارة عن اتباع شرع الله عز وجل، تقول به فعلام الخصام، علام الجدال؟ هذا ليس من فعل أهل الاتباع أصلا، وإن من فعل أهل النفاق أهل الشقاق، هم الذين يصادمون شرع الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: «والسنة تفسر القرآن وهي دلائل القرآن». قوله رحمه الله تعالى: «والسنة تفسر القرآن»، هنا المؤلف رحمه الله تعالى يبين لنا الوظيفة السامية للسنة إزاء القرآن، ما وظيفة السنة بالقرآن؟ السنة لها ارتباط لها ارتباط عظيم بالقرآن. وفي هذا رجع القرآنيين ممن يدعي أن القرآن يستقل بنفسه، لا يمكن أبدا، لا يمكن القرآن يستقل بنفسه، القرآن يرتبط ارتباطا وثيقا بالسنة. قال رحمه الله تعالى: «وليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء». قول رحمه الله تعالى: «وليس في السنة قياس»، هذه عبارة مشكلة استشكلت عند بعض الناس، كيف ليس في السنة قياس مع أن القياس من الأحكام الشرعية الذي يقول بها جماهير العلماء؟ بل حتى ذهب من ذهب كمن رشد رحمه الله تعالى أنه رمى بالشذوذ كل من أنكر القياس. قال رحمه الله تعالى: «ولا تضرب لها الأمثال». السنة إذا ذكرت فلا في داعي عبد الله أنك تجادل، ومن صور الجدل أنك تضرب لها الأمثال، أن تأتي بالأشبه والنظائر. قال رحمه الله تعالى: «ولا تدرك بالعقول والأهوى، وإنما هو الاتباع وترك الهوى». هذا هو الأصل يا عبد الله، أن السنة حكمها اتباع، أما أنك تفعل كما يفعل كثير من الناس، أنه يعترض على السنة إما لشيء في نفسه أو لمطامع شخصية أو لاتباع الهوى، فهذا ليس من فعل أهل الإسلام. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.