الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الإيمان بالقدر هو أحد أركان الإيمان الستة، ويعني التصديق بما قضى به الله في الأزل. يجب على المسلم أن يؤمن بالقدر خيره وشره.
الإيمان بالقضاء والقدر يتطلب الإيمان بمراتبه الأربع: العلم والكتابة والمشيئة والخلق. يجب على المؤمن أن يسلم بالأحاديث النبوية المتعلقة بالقضاء والقدر.
يجب على المسلم التسليم لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم المجادلة فيها، مثل أحاديث القضاء والقدر وأحاديث الرؤية. يجب الإيمان بها دون رد أو تشكيك.
المقطع يشير إلى نهاية الدرس مع الدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر التسليم لله تعالى والاعتراف بقدرته.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقبلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال لما ولا كيف، إنما هو التصديق والإيمان به والإيمان بها. وقول رحمه الله تعالى: من السنة اللازمة، أي الواجبة التي ينبغي التمسك بها، ومن تركها ولم يأت بها فهو الذي لم يأت بالسنة. قول رحمه الله تعالى: الإيمان بالقدر خيره وشره، الإيمان بالقدر -إخواني في الله- هو من أركان الإيمان الستة، كما جاء في الحديث حديث جبريل، وأن تؤمن بالقدر، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأن تؤمن بالقدر، فالإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة. ومعنى القدر، عرفه العلماء بقولهم: هو ما قضى به الله في الأزل أن يكون في خلقه. هذا معنى القدر، ما قضى الله سبحانه وتعالى به في الأزل أن يكون في خلقه شيء قضاه الله في الأزل في أن يحصل في عباده وفي خلقه من العباد ومن غيرهم، فهذا هو القدر، فالمسلم عليه أن يؤمن بهذه الصورة وبهذه المسألة من أن الله سبحانه وتعالى قد قضى الأشياء في الأزل، وهي واقعة بما قدره ربنا سبحانه وتعالى، لا يخرج شيء عن تقدير الله سبحانه وتعالى. والأدلة الدالة كثيرًا جدًا على هذه المرتبة على وجوب الإيمان بقدر الله سبحانه وتعالى، كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾، وكل شيء خلقه الله سبحانه وتعالى بتقدير من عنده، وهكذا في قوله: ﴿وكان أمر الله قدرًا مقدورًا﴾، قدرًا مقدورًا، وكله قد قدر. وأيضًا من السنة ما جاء في حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»، قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، بخمسين ألف سنة، فهذا يدلك على قدر الله السابق في الأزل قبل أن يخلق السماوات والأرض، فإن الله سبحانه وتعالى قد قدر الأشياء قبل وقوعها سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: الإيمان بالقدر خيره وشره، ومعنى الخير والشر هنا كما فسره العلماء، قالوا: الخير هنا ما يلائم طبيعة الإنسان، هذا معنى الخير، والشر هو ما لم يلائم طبيعة الإنسان، فأحيانًا القدر الذي قدره ربنا سبحانه وتعالى على العباد مما تتلاءم به الطبيعة البشرية من الإنعام والصحة والراحة في العيش وطمأنينة البال وسعة في الأموال والعيال والأرزاق، هذا من التقدير التي تتلاءم معه الطبيعة البشرية فهو خير. وأحيانًا يكون في قدر الله سبحانه وتعالى في تقديره ما لا يتلاءم مع طبيعة البشرية، كالأمراض، يخدر ربنا سبحانه وتعالى على من شاء من عباده بالأمراض، بالآفات والأسقام، فهذه باعتبار النفس البشرية شر؛ لأن النفس لا تتلاءم مع ذلك، فهو كذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى، فالمسلم يؤمن بالقدر خيره وشره. وقد جاء هذا الوصف في أحاديث كثيرة، كما مضى في حديث جبريل عليه السلام حين قال نبينا صلوات ربي وسلام عليه: قال «أن تؤمن بالقدر خيره وشره»، تؤمن بالقدر خيره وشره، تؤمن أن الكل قد قدر من عند الله سبحانه وتعالى، إن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فتعلم، وأن ذلك لحكمة، وأن ذلك لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى. وأيضًا: نجمع ما رواه الآجري في كتابه «الشريعة» بإسناد صحيح، كما حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: أنه صلوات ربي وسلامه عليه قال: «فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار»، فهذا يدلك على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، وأن الكل قد قدره ربنا سبحانه وتعالى، وتعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، تعلم هذا، وأن ذلك بتدبير من الله سبحانه وتعالى. وهكذا تعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن الأمة لو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف، كل ذلك بتقدير من الله سبحانه وتعالى. قال: والتصديق بها بالأحاديث فيه والإيمان بها، لا يقال لما ولا كيف، إنما هو التصديق والإيمان بها. باب القضاء والقدر -إخواني في الله- من الأبواب الشائكة التي ما ينبغي أن يخوض المرء بعقله فيها؛ لأنها مزلة، حتى قال من قال من العلماء: القدر سر الله، القدر سر الله. ولهذا عندما خاض جماعات ممن ينتمي إلى الملة الإسلامية في باب القضاء والقدر، بماذا خرجوا؟ خرجوا بآراء شاذة، بعضها من الكفر، ومن الضلال المبين، ممن طعن في ذات الرب سبحانه وتعالى في فعله، وفي حكمته، وفي عدله سبحانه وتعالى، كل ذلك لما خاضوا بعقولهم في هذا الباب الشائك، فخرجت عندنا المدرسة الجبرية، وخرجت عندنا القدرية. فالجبرية يرون أن الإنسان مسلوب الإرادة، الجبرية يرون أن الإنسان مسلوب الإرادة، لا له قوة، ولا يملك لنفسه شيء، وأن حركة الإنسان في هذا الكون إنما هو مجبور عليها، حاله كما يعبر بعضهم من الجهمية: حاله كحال الريشة في مهب الريح، تخيل ريشة أو ورقة في مهب الريح كيف هي الريشة؟ تتأرجح، تقلب ذات اليمين وذات الشمال، هل هذا بإرادتها؟ ليس بإرادة منها، وإنما الهواء هو الذي يتحكم فيها، أو كما يعبر بعض المعاصرين بما يسمى بالعرائس المتحركة، تجد عرائس تتحرك عن طريق الخيوط، خيوط مدلى على عروس أو على تمثال صغير، تحرك عن طريق ماذا؟ الأصابع الفوقية، فيقول: وهكذا حال الإنسان أمام فعله، لا يملك لنفسه شيء، وإنما التحريك كله بيد الله، فجعل الإنسان ماذا؟ منتزع الإرادة والقدرة، وهذا الضلال. وبالمقابل القدرية، وهم ناقضوا هذا المذهب الأول، فأثبتوا أن للإنسان إرادة وقدرة بخلاف قدرة الله ومنشيئة الله سبحانه وتعالى، وأن العبد يفعل ما يشاء بغير قدرة الله سبحانه وتعالى، فخرجت مثل هذه الآراء الشاذة الضالة التي فيها طعن في حكمة الله، وفي عدل الله سبحانه وتعالى. لكن سلم الله أهل السنة والجماعة من هذا الباب، عندما أخذوا هذا الباب بالتصديق والتسليم والاستسلام، ولم يخوضوا في مثل هذه المتاهات. وذكر العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة أن الإيمان بالقضاء والقدر يكمن في الإيمان بمراتبه، لا يمكن لأحد أن يؤمن بالقضاء والقدر إلا إذا آمن بمراتبه. وباختصار، مراتب القضاء والقدر هي أربعة، أولاها العلم، وهو أن تعلم أن الله سبحانه وتعالى قد علم بالأشياء قبل وقوعها سبحانه وتعالى، فإن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وكان الله بكل شيء عليمًا سبحانه وتعالى، فالربنا عالم بما عليه العباد، هذا كله لا يعزب عن علم ربنا سبحانه وتعالى، فكل شيء بعلم الله قبل وقوعها جملة وتفصيلًا، بخلاف ما عليه المبتدعة. فهذه مرتبة العلم، أن الله قد علم بالأشياء قبل وقوعها. المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة، أن الله سبحانه وتعالى قد سطر هذه المقادير في كتاب عنده سبحانه وتعالى، وكان ذلك في الكتاب مصطورًا، جفت الأقلام ورفعت الأقلام كما قال عليه الصلاة والسلام. والمرتبة الثالثة مرتبة المشيئة، أن يقع في هذه الدنيا وفي هذه المعمورة إلا واقع بمشيئة الله، لا كما يدعي القدرية بأن الإنسان بإمكانه أن يفعل شيء لم يرده الرب سبحانه وتعالى، هكذا يقولون: أن تقع أشياء وربنا ما أرادها، لكن تقع، سبحان الله، كيف ذلك؟ لا، لا يقول أهل السنة والجماعة: بأن الأشياء ما تقع إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾، فمشيئة العباد هي تبع من مشيئة الله سبحانه وتعالى. والمرتبة الأخيرة الرابعة وهي الخلق، بأن ما من شيء إلا وقد خلقه الله سبحانه وتعالى، ومنها أعمال العباد، والله خلقكم وما تعملون، هنا: إما ماء مصدرية، والله خلقكم وخلق ما تعملون، أو الله خلقكم وخلق عملكم بتويل مصدر، أو تكون الماء هنا موصولة، والله خلقكم والذي تعملونه. فهذه المراتب الأربعة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ومن لم يؤمن بها فما قد آمن بالقدر، هذه المراتب الأربعة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فمن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر. فإذا أراد أحد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن يأتي بهذا الركن السادس من أركان الإيمان، فعليه أن يفتش نفسه في هذه المراتب الأربع، فإن رأى أنه قد حققها فليعلم أنه على الجادة. قال رحمه الله تعالى: ومن لم يعرف تفسير الحديث، ويبلغه عقله، فقد كفي ذلك وأحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم. أي: إذا ضاقت عليك الأمور في فهم بعض الأحاديث. وسيمثل المؤلف رحمه الله تعالى ببعض الأحاديث التي ربما قد استشكلت عند بعض الناس، فإذا مثلًا لو وجدت نفسك أنك وقعت في بعض الأحاديث في باب القدر وأنت لم تستوعبها، فحقك -يا عبد الله- أن تقف عندها وتسلم الأمر لله عز وجل، وتسلم الأمر؛ لأنك تستشكل هذا الحديث؛ لأنك تغمز فيه؛ لأنك تجعل هذا الحديث سببًا في تشككك لربك عز وجل. ولهذا قال رحمه الله تعالى: فعليه الإيمان به والتسليم، مثل حديث «الصادق المصدوق»، وعني المؤلف رحمه الله تعالى بحديث «الصادق المصدوق» ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، حين قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوم النطفة»، إلى أن قال صلوات ربي وسلامه عليه: «ثم يرسل إليه الملك فيؤمر بكتب أربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد»، فوالذي نفسي بيده إن أحدكم... إلى آخر الحديث. هذا الحديث صحيح، أن بعض الناس ربما يتوقف فيه ويستشكل هذا الحديث، معنى أن الله عز وجل وأنت -يا عبد الله- في بطن أمك في فترة الأجنة، فإن الله قد كتب لك المقادير، وهو التقدير العمري، التقدير العمري: أن الله قد كتب لك وأنت في بطن أمك: الرزق والأجل والعمل والشقاء والسعادة، كل ذلك قد كتب لك، فأنت تخرج إلى شيء قد قدر عليك سلفًا. هذا الأمر الناس فيه تفاوتون، فمن كان من أهل الإيمان يذعن بأمر الله عز وجل، ويعلم أنه ما سار إلا على علم سابق لله عز وجل، كائنا من كان، لكن الذي في قلبه ريب، وفي قلبه شك، ربما يستشكل هذا الحديث، يقلب هذا الحديث، بل إن بعض ربما تجرأ في الطعن بهذا الحديث. ومما ذكره العلماء من أهل البدع والأهواء ممن تجرأ في الطعن في هذا الحديث: المعتزلي «عمر بن عبيد»، هذا الضال، عندما ذكر له حديث مسعود رضي الله تعالى عنه، وكان هذا الحديث من طريق الأعمش عن زيد بن واهب عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فماذا فعل هذا الرجل الذي في قلبه مرض؟ لم يسلم بهذا الحديث، ويا ليت وقف إلى هذا الحد، بل إنه غمز وطعن في هذا الحديث، فقال -كما ذكر ذلك الذهبي رحمه الله تعالى في «الميزان»- عن عمر بن عبيد قال: هذا الحديث لو سمعته من الأعمش لكذبته، وأنا نظر الآن سيمسك الرواة راوٍ بعد راوٍ لإظهار حنقه على هذا الحديث النبوي؛ لما؟ لأن هذا الحديث خالف العقيدة الفاسدة التي عنده. فيقول هذا الضال: هذا الحديث لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما صدقته، ولو سمعته من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا لا رددته، ولو سمعته من الله لقلت: يا رب، ما على هذا أخذت ميثاقنا؟ ما على هذا أخذت ميثاقنا؟ قال: ذهب، إن صح ذلك فهذا كفر؛ لأنه ردة واضحة، جرأة على الله سبحانه وتعالى، يعارض الرب سبحانه وتعالى في خلقه، وفي شريعته، وفي قضائه وقدره. لكن هكذا حال الذي يستشكل، الذي ما تربى على الإذعان والتسليم والإيمان لشرع الله عز وجل. ولهذا قال رحمه الله تعالى: مثل حديث «الصادق المصدوق»، هذا الحديث تسلم به، وكأنه أراد أن يشير إلى حال المبتدعة: كيف أنهم يتمعنوا في هذا الحديث، قالوا: مثل ما كان مثله في القدر، وهكذا أحاديث كثيرة قد جاءت في القضاء والقدر. فأن ما من أحد إلا وقد كتب مقعده في الجنة ومقعده في النار، الأمور قد انتهت، فبعض الناس يستشكل مثل هذه الأحاديث، فأنت -يا عبد الله- لا تستشكل شيء من ذلك. ولهذا قال الصحابة لنبينا: «يا رسول الله، فعلام العمل إذا كانت الأمور قد قدرت وقد كتبت، وما منا من أحد إلا وينتظر مصيره الذي سيؤول إليه؟ فعلام العمل؟» فقال نبينا: «اعملوا، فكل ميسر لما خلق له»، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له. فالمسلم يعمل إذعانًا لأمر نبينا عليه الصلاة والسلام. قالوا: مثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عنها الأسماع، نبت عنها الأسماع، أي: تجافت عنها، نبت عنها، أي: تجافت عنها، واستوحش منها المستمع. كذلك مثل المؤلف رحمه الله تعالى بضرورة التسليم لأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، وعدم المجادلة فيها، كأحاديث القضاء والقدر، وكأحاديث الرؤية، والمقصود بالرؤية: هي رؤية الله سبحانه وتعالى، فإن رؤية الله ثابتة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا الصراحة والصرامة في هذه العقيدة، وهي عقيدة رؤية المؤمن لربه يوم القيامة، قال رحمه الله تعالى: دل القرآن، دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث على أن الله سبحانه وتعالى يُرى يوم القيامة، على أن الله سبحانه وتعالى يُرى يوم القيامة بالأبصار. دل القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث على أن الله سبحانه وتعالى يُرى يوم القيامة. وأدلة الرؤية كثيرة وكثيرة جدًا، وكما سمعتم فهي من الأحاديث المتواترة. ومما تواتر: حديث «من كذب»، و«من بنى لله بيتًا»، و«احتسب»، و«رؤية»، و«شفاعة»، و«حوض»، و«مسح خفين»، وهذه بعض فقوله: والرؤية، أي: أن من الأحاديث المتواترة الكثيرة المستفيضة ما جاء في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة. ومن هذه الأحاديث، بل من هذه الآيات: كما في قوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة﴾، وفي باب اللغة: النظر، كلمة النظر إذا عُديت بإلى فإنها تأتي بمعنى الرؤية، والنظر إذا عُدي بفي يأتي بمعنى التفكر والتأمل، والنظر إذا لم يعد بشيء فهو بمعنى الانتظار، هذه معاني النظر على حسب التعدية، إذا عُدي النظر بإلى فهو بمعنى الرؤية، وإذا عُدي النظر بفي فهو بمعنى التفكر والتأمل، وإذا لم يعد بشيء فهو بمعنى الانتظار. وهنا في هذه الآية عُدّي بإلى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾، فهي بمعنى نظر. وزيادة على هذه المسألة كذلك: أن الله ذكر المحل، وهو الوجوه، محل النظر، وهو الوجوه، فدل ذلك على رؤية حقيقية، ليس رؤية قلبية كما يدعي من يدعي من أهل البدع. وهكذا في قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، وهذا من أعظم استدلالات الشافعي رحمه الله تعالى في إثبات رؤية الله، قول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾، هذا في حق أهل الكفر، يعاقبهم ربنا جل وعلا بأن يحجبهم عن نفسه، فدل ذلك على أن العكس بالعكس، فإذا كان الكافر يحجب عن ربه، فإن المؤمن والمسلم لا يحجبون عن ربهم، بل ينظرون إليه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عنها الأسماع واستوحش منها المستمع، وإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها حرفًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات. وهكذا المسلم عليه أن يكون في الأحاديث الثابتة عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: إياك -يا عبد الله- أنك تتجرأ في رد حديث واحد منها. قال «بسحق بن راهويه» رحمه الله تعالى مشددًا على هذه المسألة: قال: من رد حديثًا صحيحًا يعتقد صحته فقد كفر، من رد حديثًا صحيحًا يعتقد صحته فقد كفر؛ لأن حاله ليس ما يتعامل مع مقالة أو مع ورقة مستطرة فيها حديث، بل حاله كأنه أمام الرسول عليه الصلاة والسلام يتكلم معه بكلام، ثم أنت تقوم وترد هذا الخبر على وجه ربينا عليه الصلاة والسلام، وهذه الصفاقة والجرأة على مقام النبوة صلوات ربي وسلامه عليه. ولهذا المؤمن يذعن، لكن عندما نقول: بأن المسلم يأخذ بالأحاديث، ينبغي أن تتنبه لهذا القيد الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى هاهنا بقوله: من الأحاديث المأثورات عن الثقات، شرط الصحة. والناس في هذا الباب على طرفين نقيض، من الناس من لا يبالي بالسنة كالقرآنية، لا يرفع بها رأسًا، ولا يلقي لها بالا، ومن الناس من يتلقى أي حديث، الصحيح والضعيف والموضوع والمكذوب والهالك والتالف، وهذا ليس بصحيح، بل القول الوسط: أنك تأخذ من الأحاديث التي ثبتت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا الذي ينبغي. «بشير بن كعب» كان يحدث في مجلس، وكان «ابن عباس» رضي الله تعالى عنه حاضرًا في هذا المجلس، إلا أنه ما أصغى لهذا الحديث، فهذا الراوي «بشير» يعني غضب، كيف أنا أحدث عن رسول الله وأنت صحابي الحواري ما تستمع لمقامي ولكلامي؟ فقال: «يا ابن عباس، أحدثك عن رسول الله وأنت لا تستمع؟» فقال «ابن عباس»: «يا ابن أخي، إن كنا مرة إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول الله، ابتدرت أسماعنا وأبصارنا، لكن لما ركب الناس الصعب والذلول، فما نأخذ إلا عن من نعرف»، التحرر في السنة، التحرر في السنة. لكن تجد أن كثيرًا من الناس متى ما سمع حديثًا عن المصطفى حديث في السنة النبوية حديث شريف أخذ به، وقد يكون هذا الحديث فيه سم زعاف، بل فيه طعن في الدين، كم ظهر في الأمة ممن يسمون بالوضاعين صف من الزنادقة، ما دخل في الإسلام إلا ليكون لكي يبث في الأمة أحاديث تهدم الدين. «عبد الكريم» من «أبي العرجاء» صرح واعترف بأنه وضع في الأمة أربعة آلاف حديث، وضع في الأمة أربعة آلاف حديث، يقول: فيها أحللت فيها الحرام، وحرمت فيها الحلال، هذا زندقة. «محمد بن سعيد الشامي المصلوب»، هذا الرجل كان من الزنادقة، ما الذي وضع للأمة؟ وضع هذا الحديث: قال: قال عليه الصلاة والسلام: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله»، إلا أن يشاء الله، ما الذي أراد؟ أراد أن يفتح باب النبوة والرسالة على مصرعه، وأن يمكن أن يأتي نبي في آخر الزمان غير نبينا عليه الصلاة والسلام. وهكذا زنادق كثر، لا كثرهم الله، ظهروا في الأمة يبثون مثل هذه الأحاديث الهدامة في دين الله جل وعلا. ولهذا ينبغي أن لا نكون على هذا الطرف ممن يلغي السنة، ولا نكون من الطرف الثاني ممن يتلقى أي حديث، وإنما الوسط والعدل في هذا الباب: أنك تأخذ من الأحاديث الثابتة عن نبينا صلواته ربي والسلام عليه. إلى هنا، وأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.