المقامات الحسان من دروس رمضان  3

المقامات الحسان من دروس رمضان 3

الدرس في المقامات الحسان من دروس رمضان 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أهمية الإخلاص في العبادات

يؤكد على أهمية الإخلاص كشرط لقبول الأعمال الصالحة، ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. الإخلاص يجعل الأعمال ذات قيمة ويعتبر أساسًا لقبولها عند الله.

دور النية والاحتساب في الصيام

يتناول أهمية النية في الصيام ومحلها في القلب، ويشرح معنى الاحتساب في الصيام وأنه يتضمن طلب الأجر من الله تعالى. الصيام يعتبر عبادة سرية تُظهر الإخلاص لله تعالى.

خصوصية الصيام وإضافته إلى الله تعالى

يشرح سبب إضافة الصيام إلى الله تعالى في الحديث القدسي، حيث يُعزى ذلك إلى كونه عبادة سرية خالية من الرياء. يشدد على أهمية الإخلاص وسرية العبادات بين العبد وربه.

خاتمة الدرس والدعاء

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، مما يستفاد أيضًا إخواني في الله من العبادات والمقامات الحسان التي يمكن للصائم أن يستفيدها من شريعة الله عز وجل، فيما خصه في مسألة الصيام عبادة جليلة. ومن هذه العبادات عبادة الإخلاص، الإخلاص هذه الكلمة والتي حروف أصولها وهي الخاء واللام والصاد ترجع إلى تنقية الشيء وتهذيبه، إلى تنقية الشيء وتهذيبه، ومنه الخالص، ومنه الخلوص، ومنه خلص. فتجد أن معاني هذه الكلمة وصولها تعود إلى هذا المعنى، إلى تنقية الشيء وتهذيبه. ولهذا لم يبعد المعنى الإصطلاحي عن المعنى اللغوي، فقد فسر جماعة من العلماء الإخلاص بأنه تصفية السر والقول والعمل، تصفية السر والقول والعمل. ومنهم من عرفوا بتعريف المقارب، فقال: تصفية العمل من التهمة والخلل، تصفية العمل من التهمة والخلل. ولا أدل يا عبد الله من الدلالة على عظيم هذا الخلق العظيم، وعلى هذه العبادة الحميدة عبادة الإخلاص، من أن كونها جعلها ربنا سبحانه وتعالى شرطًا من شروط قبول الأعمال. فإن الأعمال الصالحة لا بد لها من شروط، ومن أعظم شروط قبول الأعمال هذا الذي نحن بصدده، ألا وهو الإخلاص. قال ربنا جل في علاه: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصًا لوجه الله، صوابًا على شريعة رسول الله. فذكر رحمه الله تعالى لا بد من هذين الشرطين. وقد توفر في هذه الآية الإخلاص، وهذا الذي نريده، والأمر الثاني الاتباع. قال ابن القيم رحمه الله تعالى كذلك، مبينًا لأهمية هذا الشرط: فعمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا ينقله ولا ينفعه. تأمل هذا المثال البديع. قال: عمل بلا إخلاص ولا اقتداء، هذا الرجل عمل أعمالًا عظيمة من الأعمال الصالحة، لكنها خلت من شروط قبول الأعمال، فلا أتاها صاحبها على إخلاص، ولم يأتي بها على اقتداء. فحاله كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: كحال مسافر يملأ جرابه رملًا ينقله ولا ينفعه. ماذا عسى أن ينتفع من الرمل؟ إنما حمل حملًا وثقلًا على ظهره. وهكذا حال الأعمال الصالحة إذا لم تكن مصحوبة بإخلاص ولا متابعة، فالذي نريد إخواني في الله، التأكيد على أهمية شرط الإخلاص، فإن الأعمال مرهونة بالإخلاص، أنك تنوي بهذا العمل وجه الله وثواب الله سبحانه وتعالى. ولنا عبرة بأول من تسعر بهم النار، أول من تسعر بهم النار أناس من أبناء هذه الأمة، مكنهم ربنا جل وعلا من فعل أعمال صالحة، لكنها خلت من الإخلاص. فذاك العالم الذي آتاه الله علمًا، وذلك قارئ القرآن، وذاك المجاهد الذي قاتل في سبيل الله، أعمل أعمالًا في الظاهر أنها لله، لكن عندما حق الحق في هذا الأمر، إذ بهم أنهم ما فعلوا لوجه الله، وإنما أرادوا بذلك الثناء، أرادوا بذلك السمعة، أرادوا بذلك الشهرة، فيقال: الأول كذبت، إنما فعلت ذلك حتى يقال عنك قارئ، وقد قيل، فيؤمر فيسحب به إلى نار جهنم والعياذ بالله. وهكذا المقاتل، وهكذا المنفق، كل هؤلاء أدخلهم ربنا إلى النار لأنهم لم يهتموا بأمر الإخلاص. إخواني في الله، في هذا المقام نحن لسنا بصدد ذكر الآثار والمآثر والآيات وما يتعلق بفضل الإخلاص، بقدر ما نحن نريد أن ندلل على أن شهر رمضان شهر يهدف إلى أن يربي الصائم على أمر الإخلاص. ويدل على ذلك ما جاء في قوله صلوات ربي وسلامه عليه: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». من صام رمضان هذا شرط، من أراد هذا الأجر العظيم غفران الذنوب، فعليه أن يعمل بهذا الشرط الذي ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا. إيمانًا أي إيمانًا بفرضيته، غير جاحد له، وغير منكر لفرضيته. يوجد أو يوجد من بعض الناس، لمن كانت عنده لوثة من الأديان أو من العلوم اللادينية، من ربما قد يصوم مع الصائمين، لكنه في قرارة نفسه ما يظن أن رمضان فريضة، ما يظن ذلك، لكن يصوم مع الناس تبعًا، فهذا لا يستحق شيء من الأجر لأنه لم يكن موقنًا مصدقًا. قال: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، هذا الشرط الثاني الاحتساب، أنك تحتسب الأجر من عند الله، تبتغي الثواب من الله. بعض الناس كذلك بالمثل، لو ربما ينوي ينوي الصوم، لكن نيته يريد الثواب منها لا من الله، يريد الثواب من غير الله، يريد الثناء العطر، يريد الرياء، يريد السمعة، يريد التزكية، يريد أن يرتفع بين عيني أقرانه، فهذا الذي أراد ما أراد هذا لا ينال شيء من أجر الصوم لأنه لم يحتسب الأجر من الله سبحانه وتعالى. وأفاد هذا الحديث فائدتين: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا. الفائدة الأولى فيه أن الصيام يفتقر إلى النية، الصيام يفتقر إلى النية، لأن الاحتساب وقضية الاحتساب هي في الحقيقة تتفرع من النية، إذ لا يمكنك يا عبد الله أن تحتسب الأجر وأنت لم تنوِ أصلًا. إذن هذا الحديث يتضمن أمر النية، وفيه رد على بعض الفقهاء ممن قال بأن الصوم يمكن أن تؤجر عليه بغير نية. نعم، قال هذا جماعة من الفقهاء، وهذا قول مردود، يعني رجل أصبح الصباح من غير طعام ولا شراب، ومشى حتى المغرب وهو يرى أنه ما أكل شيء، وقلت: سأحتسب ما مضى عليه من أيام، من يوم أحتسبه صومًا لله عز وجل، أي في الفريضة، هذا لا يجوز، لا بد له من نية. ويدل على ذلك عموم قول نبينا صلوة ربي وسلامه عليه: «إنما الأعمال بالنيات». وأيضًا هذا الحديث، وقد استدل به العلماء رحمهم الله تعالى على رد من قال بأن الصوم يجزئ بغير نية. فهذا الحديث فيه دلالة على ضرورة وعلى وجوب النية. وأيضًا هناك دليل خاص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل». وهذا الحديث وإن كان صريحًا في المسألة، لكن اختلف العلماء هل هذا الحديث موقوف أم مرفوع، أي هل أنه موقوف بمعنى ثبت عن الصحابة، أو أنه مرفوع لنبينا صلوات ربي وسلامه عليه؟ اختلف العلماء، والذي عليه المحققون من أهل الحديث أن هذا الحديث موقوف على حفصة، أي أن هذا الأثر من قولها: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل. ورجح الوقف أمثال البخاري والنسائي والترمذي وأبي داود وأبي حاتم وجماعة من الحفاظ. ورجحوا أن هذا الحديث أثر موقوف على حفصة، لكن المعنى صحيح، المعنى صحيح، إذ أن الصيام يفتقر إلى النية، وأن نية الصيام تكون في أي ساعة من ساعات الليل، في أي ساعة من ساعات الليل. فالمعنى صحيح. ومما يذكر، وهذا استطراد في المسألة، بما تكلمنا عن النية، فإن النية إخواني في الله محلها القلب، لأن النية بمعناها هي القصد، نواك الله بخير، قصدك الله بخير. النية بمعنى القصد، فإذن من عزم على الصيام، من عزم على الصيام، فمعنى ذلك قد استجمع النية. إذن لا يحتاج إلى ما عليه العامة في مثل هذه الأزمان وفي هذه الأوطان، أنه يحتاج إلى أن يتلفظ بالنية، لا، ما يحتاج، بل أمر النية أمره سهل، لا يزداد ولا يشق إلا على الموسوس، الموسوس هذا الذي يشق عليه أمر النية. النية سهلة، إذا أنت نويت وعزمت على صوم، هذه نية تكفيك. وما يتعلق بالجهر بالنية، فهذه من البدع. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والجهر بالنية وتكريرها منهي عنه، وفاعله مسيء، وإن اعتقده دينًا فقد خرج عن إجماع المسلمين. قال رحمه الله تعالى: والجهر بالنية وتكريرها، تجهر وتكرر النية، والجهر بالنية وتكريرها منهي عنه، وفاعله مسيء، ليس مصيبًا، بل فاعله مسيء. قال: وإن اعتقده دينًا، أي ظن أن الجهر بالنية أجر وقربة يتقرب بها إلى الله، قال:، وإن اعتقده دينًا فقد خرج عن إجماع المسلمين، أي ما قال أحد قط من الفقهاء من أن الجهر بالنية أمر يتعبد به، ما قال هذا أحد من الفقهاء. إذن يا عبد الله النية محلها القلب. الفائدة الثانية، وهذا الذي نريده من قوله صلوات ربي وسلامه عليه: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، الفائدة الثانية فيها شرط الإخلاص، أنك بعدما تنوي الصوم، عليك يا عبد الله بعد النية أنك تطلب الأجر من عند من؟ من عند الله سبحانه وتعالى، احتسابًا، أي تحتسب هذا الصيام الذي قد بذلته، تحتسب الأجر على الله سبحانه وتعالى، أن الله هو الذي يمن عليك بالفضائل في الدنيا والآخرة، هذا معنى الاحتساب. يقول ابن بطال رحمه الله تعالى، معلقًا على هذا الحديث: وهذا الحديث دليل بين على أن الأعمال الصالحة لا تزكو ولا تقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات. إذا أردت يا عبد الله هذا العمل، والذي نحن فيه ونخوض في غماره، ألا وهي عبادة الصوم، لا بد يا عبد الله أنك تحتسب وتبتغي الأجر من عند الله سبحانه وتعالى. والخطابي رحمه الله تعالى أضاف معنى زائدًا على معنى الاحتساب، فذكر رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: وهذا فيه، أي الاحتساب، فيه معنى الرغبة في ثوابه من الله، ثم قال: طيبة نفسه، غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه. أي أراد الخطابي رحمه الله تعالى أن مع كونك تحتسب الأجر، تريد الأجر من الله سبحانه وتعالى، أنك لا بد كذلك تلتبس بأمر آخر، ليس فقط تريد الثواب من عند الله، بل تريد الثواب من عند الله وكلك راحة. قال: طيبة نفسه، غير مستثقل لصيامه، ولا مستطيل لأيامه. بعض الناس صحيح نوى الصوم، ويريد الصوم من الله عز وجل، لكن يجد من نفسه المشقة، يجد من نفسه الشكوى، يجد من نفسه التذمر من هذا الصيام الذي فرض عليه، لا، ما احتسبت الأجر. فالخطابي رحمه الله تعالى التمس أمرًا آخر، ومعنى دقيقًا من معاني الاحتساب. كما أنك ترجو الثواب من عند الله على ما صنعت، إذن عليك أن تظهر يا عبد الله عدم التململ وعدم الشكوى، بل تكون نفسك راغبة، صدرك منشرحًا، لست مستثقلًا لصيامه، ولأنك مستطيل لأيامه، كما عبر بذلك رحمه الله تعالى. وأخواني في الله، وكما قلنا: الصيام يهدف إلى أن من خلال تشريعه، وهذا من قبل الله عز وجل، أن يربي المسلم ويربي الصائم على الإخلاص. وتلاحظ، وهذا من سبحانه من الأمور الدقيقة، تلاحظ أن الأحاديث النبوية كثيرًا ما تعلق الأعمال الصالحة في رمضان بالإخلاص. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». وقال عليه الصلاة والسلام: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه». إذن تجد أن الإسلام من خلال شريعة الصيام يهدف إلى تفعيل هذا الخلق، وهذه العبادة، عبادة الاحتساب، ويهي بين أمرين وبين قوسين، هي الإخلاص، أنك في كل عمل تعمله يا عبد الله، حاول أن تعود نفسك، بل تلزمها إلزامًا على أن يكون هذا الفعل لله سبحانه وتعالى. إن صمت، صيامك لله، وإن قمت، قيامك لله، وهكذا، إن ركعت وإن سجدت، وإن سبحت وإن ذكرت ربك، وإن قرأت القرآن، أعمالك ينبغي أن تكون لله سبحانه وتعالى. وهناك أمر آخر يدلك على العلاقة بين الصيام وبين الإخلاص، وهو أن العلماء والفقهاء كانوا يسمون الصيام بماذا؟ بعبادة السر، بعبادة السر. وهذه مسألة ذكر العلماء، عندما استشكلوا في شرح الحديث الذي ثبت في الصحيح، عندما قال نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، قال الله تعالى: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به». إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به. هنا قال العلماء: الأعمال كلها لله، فلماذا ربنا خص الصيام وأضافه إلى نفسه الشريفة؟ إلا الصيام فإنه لي. اختلفت أنظار العلماء في ذكر التعليل لهذه الإضافة. الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى ذكر خمسين وجهًا، خمسين وجهًا في ذكر العلاقة، ما الذي تميز به الصيام عن سائر الطاعات والعبادات، حتى يضيفه الله إلى نفسه؟ وكان من أقوى الأوجه ما نحن في مضماره. قال العلماء: السر في أن الله أضاف الصيام لنفسه، لأن الصيام عبارة عن عبادة السر، عبادة السر، عبادة لا أحد يعلم بها من الخلق إلا الله. حتى قال بعض السلف: إن الصيام لا تكتبه الحفظة، أي لشدة السرية في أمر الصيام، ما أحد يعلم به. حتى قال: كما قال بعض السلف: لا تكتبوه، أي ما دروا عنه. ومنهم من قال: كما أثر عن إمام أحمد رحمه الله، وعن جماعة من العلماء: أنه إن الصيام لا رياء فيه، لا رياء فيه، لأنه عبادة السر. انظر مثلًا لو أن عندي أربعة أشخاص من بينهم الصائم، كيف ستعلم أن هذا الرجل من بين الأربعة صائم؟ ليس هناك علامة. المزكي ستعلم أنه زكى إذا دفع مالًا، والمصلي تعلم أنه في صلاة إذا ركع وسجد وقام لله، والحاج إذا تلبس بلباس الحج والإحرام والمناسك، وهكذا، ما من عبادة إلا ولها فعل يدل عليها. لكن الصائم بما يتميز عن غيره؟ ما يتميز عن غيره بشيء. تجد رجلًا بجنبك يسير معك اليوم بأسره وهو صائم، وأنت لا تشعر به. فقال العلماء: فكان هذا السر في أن الله سبحانه وتعالى أضاف الصيام إلى نفسه، لأنه عبادة السر، لا أحد يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. وكما قلنا، وهذا إلا أن في مسألة ننبه عليها، الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: أن الرياء نعم قد يدخل في الصيام، لكن من باب الإخبار، لا من باب الفعل. فعل الصيام، كونك تصوم، مجرد هذا ما في أمارة أصلًا عنك صائم، وهذا قد يوجد. أنت يا عبد الله ربما تصوم في أيام فاضلة، وتسير مع أهلك أو مع قرابتك أو في عملك، ولا أحد يشعر بك، لأن عبادة باطنية مركبة من تركيب باطني. لكن قال الحافظ ابن حجر: لكن ربما قد يقع الرياء في الصوم بأمر خارجي، وما هو الأمر الخارجي؟ الإخبار، كأنك تقول: تريد تزكية الناس، والله يا أخي جوعان، والله شئنا اليوم صائم، مع شدة الحر، لكن صائم، وإن شاء الله نحتسب الأجر. فكونك تخبر الناس بأنك صائم، هذا إذن دخل الرياء من أين؟ دخل من لفظ اللسان، أما الفعل المجرد، فكما قال السلف: إن الصيام لا يدخله الرياء، إلا إذا كان من باب الإخبار. وهذا الذي إخواني في الله نريده من أمر الصيام، أن نعلم أن الصيام لوجود هذه العلاقة السرية بين العبد وبين ربه، فإن الله سبحانه وتعالى رفع من مقدار الصوم، فأضاف الصوم إلى نفسه، فقال جل في علاه: ﴿الصوم لي وأنا أجزي به﴾. ومن هنا استفاد العلماء على أن العمل الذي يحبه الله ويرضاه، أن يكون سرًا بين العبد وبينه جل في علاه. وأحاديث كثيرة جدًا تدل على أن الأعمال الفاضلة تتفاضل عند الله بوجود السر، بوجود الإخلاص الذي لا يعلم به أحد إلا الله جل في علاه. قال عليه الصلاة والسلام في ذكر الذين أظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: قال نبينا: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه». خاليًا، ما أحد عنده، ما أحد عنده. ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه، خشوعًا، بكاء، لكن ليس عند الخلق، خالي بينه وبين ربه، في زاوية من زوايا بيته، أو في ركن من أركان المسجد، لا يعلم ببكائه إلا الله، هذا رفع قدره لوجود ماذا؟ السر والإخلاص فيما بينه وبين الله. وقال عليه الصلاة والسلام: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». انظر إلى شدة التحري، حاول أنه يتحرى لدرجة أنه ما يريد الجهة اليسرى، اليد اليسرى، أن تعلم ما الذي تفعله اليمنى من الإنفاق، بل يكتم هذا، يخرج النفقة، شدة في الإخلاص، وشدة في التكتم في الأعمال، وشدة في السرية بينه وبين الله في أداء الأعمال الصالحة. ومن هنا يا إخواني في الله، كما قد مر في الأول، الحديث على أن الثلاثة الذين كانوا أول من سُعرت بهم النار، عندما خلت أعمالهم من الإخلاص، فكانوا في نار جهنم، فإن العكس بالعكس، فإن الأعمال متى ما حفت وكانت محفوفة بالإخلاص، فإن الله يرفع من قدر أصحابها، فيدفع عنهم الكربات والهموم، ويجعلهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا. كما ثبت ذلك في الصحيحين في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، فانسد عليهم الغار بصخرة عظيمة، دحرجت من رأس الجبل حتى سدت عليهم، فما استطاعوا الخروج إلا أن توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة. فأحدهم ذكر عن نفسه أنه كان بارًا بوالديه، وآخر ذكر عن نفسه أنه كان عفيفًا، وآخر ذكر عن نفسه أنه كان أمينًا في أداء الأمانات والأموال إلى أهلها. لكن هذه الأعمال الصالحة كانت محفوفة بالإخلاص، حتى قال الأول: اللهم، صاحب البر، بر الوالدين، اللهم إن كنت قد فعلت هذا الأمر لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه. فتدحرجت الصخرة. والثاني بالمثل: اللهم إن كنت قد فعلت هذا، أي العفة، عندما ترك الوقوع على بنت عمه، إن كنت قد فعلت هذا لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه. فتدحرجت الصخرة. والثالث التاجر الأمين الذي بيّن أنه رد الأمان إلى أهلها، قال: اللهم إن كنت قد فعلت هذا لوجهك، ففرج عنا ما نحن فيه. فتدحرجت الصخرة، فخرج الثلاث يمشون. عندما كانت الأعمال الصالحة محفوفة بالإخلاص. ولهذا عباد الله، فنحن في رمضان مدرسة نربي أنفسنا، من خلال الأحاديث التي علق نبينا الثواب على الإخلاص: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا». زيادة على ذلك أن الله أحب الصيام، وأضافه إلى نفسه لوجود الإخلاص، فهي عبادة السر. كان هذا داعيًا لنا أن نكون في كل أعمالنا، وفي كل طاعاتنا، أن تكون سرًا بيننا وبين الله، ما في داعي يا عبد الله أن تتحدث بأعمالك، لا أن تتبين ما بينك وبين الله. اعمل يا عبد الله، ما كان من عبادات لازمة متعلقة بشخصك، أو ما كان من عبادات متعدية لغيرك، حاول أن تجعل ذلك بينك وبين الله، فإن الله يحب المخلصين. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.