المقامات الحسان من دروس رمضان  2

المقامات الحسان من دروس رمضان 2

الدرس في المقامات الحسان من دروس رمضان 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الصيام وأحكام تارك الصوم وعقوبته

يتناول هذا الفصل أهمية عبادة الصيام وفضائلها وأحكام تارك الصوم، حيث يبين أن الصيام من العبادات المحبوبة عند الله، ويفرق بين من ترك الصوم جحودا وتكاسلا. كما يشرح خطورة تفويت صيام أيام من رمضان بدون عذر وعقوبة من لا يصوم رمضان.

أحكام الصيام وأحوال الأكل والشرب في نهار رمضان

يتحدث هذا الفصل عن أحكام الصيام وأحوال الأكل والشرب في نهار رمضان، مثل الأكل والشرب متعمدا أو ناسيا أو مخطئا أو مكرها، مستندا إلى قصة صحابي جليل نزلت بسببها آية ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾.

فوائد الصيام الصحية والتربوية

يبرز هذا الفصل فوائد الصيام الصحية والتربوية، حيث يربي المسلمين على الصبر والخشونة واعتياد الجوع، ويساعد على التخلص من السموم والدهون المتراكمة في الجسم، مستندا إلى الحديث 'صوموا تصحوا' وإن كان ضعيف الإسناد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قد مر معنا إخواني في الله أننا بإذن الله في مثل هذه الأوقات حول ذكر هذه الدروس والمسماة بالمقامات الحسان المستفادة من شهر رمضان، ونعني بهذه المقامات المقامات التعبدية، إذ أن الكثير من المسلمين لربما يستصعب عليهم ولا يتسنى لهم أن يتعبدوا الله سبحانه وتعالى بالعبادات العديدة حتى يهل علينا شهر رمضان، فتأتي هذه العبادات متاحة للجميع، فكان هذا المقام إخواني في الإشارة إلى أهم العبادات التي يستفيدها المسلم من خلال رمضان. وأمر معنا في الدرس الأول ما يتعلق بعبادة الفرح والاستبشار بمقدم الشهر، وهذا من الفرح بطاعة الله سبحانه وتعالى، وهو من الفرح المشروع. وأيضا كذلك إخواني في الله مما يذكر من العبادات التي يستفاد من شهر رمضان عبادة الصيام، عبادة الصيام، الصيام إخواني في الله تعتبر من العبادات الحميدة التي تضافرت وتكاثرت في حقها الفضائل والمآثر الحميدة والعديدة. وحسبك قوله صلوات ربي وسلامه عليه حين قال: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له»، «عليك بالصوم فإنه لا مثل له». هذا المقطع أو هذه المقالة من نبينا صلى الله عليه وسلم عبارة عن حديث رواه الإمام بن خزيمة والحاكم والنسائي، وفيه أن أبا أمامة رضي الله تعالى عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عدة أسئلة، فكان من سؤاله إياه قال: يا رسول الله، يا رسول الله مرني بعمل ينفعني الله جل وعلا به، فقال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له»، وفي لفظه: «فإنه لا عدل له». وجاء عند أمامه برواية قريبة من هذه الروايات أن أبا أمامة قال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الله به الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «عليك بالصوم فإنه لا مثل له». فهذه الأحاديث إخواني في الله إضافة إلى ذلك تلكم الأحاديث الكثيرة التي تصب في بيان فضل الصوم، كذلك الحديث الذي أخبر فيه نبينا صلى الله عليه وسلم والسلام عليه أن الصيام والقرآن يشفعان لصاحبهما، الصيام لا زال بك ولا زال معك يوم القيامة يشفع بك عند الله سبحانه وتعالى حتى يدخلك الجنة. فشفاعة الصيام شفاعة في حق من كان من أهله، وأكثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». يوم واحد يا عبد الله، ليست أيام، يوم واحد تحتسب الأجر عند الله، «من صام يوما في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا». وهكذا ما جاء في السنن من حديثه معاذ بن جبل قال رسول الله: يا معاذ ألا أدلك بعمل يدخلك الله به الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «عليك بالصوم»، ثم قال: «والصادقة فإن الصادقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار». وهكذا أيضا مما يدلك على فضيلة الصوم ما جاء في الصحيحين من أن الله سبحانه وتعالى أعد بابا، أعد بابا وهذا الباب خاص لأهل الصيام، سماه ربنا جل وعلا بباب الريان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق عليهم فلا يدخل بعده أحدا. وهذا إخواني في الله أفضال كثيرة وكثيرة جدا تدلك على فضيلة الصيام وأنها من العبادات المحبوبة عند الله سبحانه وتعالى. بعض الناس لو ربما يستصعب ويستصعب ولا يتسنى لهم أن يؤدوا هذه الشعيرة لانشغالهم أو لتعابهم أو خوف المشقة التي ستصحبهم إذا صاموا، لكن يأتي رمضان، يأتي رمضان كمدرسة فيها ثلاثين يوما على الغالب تصوم يا عبد الله اليوم بعد اليوم واليوم بعد اليوم حتى تتمرن على أمر الصيام فتنطلق من هذه المدرسة وأنت بإمكانك عندك قدرة لأنك قد تعودت على الصوم تعودت على الصوم. فرمضان إخواني في الله من المواسم التي تربي المسلم على الاعتياد على مسألة الصيام، الاعتياد على مسألة الصيام. اللهم إلا أن الصيام في رمضان من الفرائض، ليست بمزاجك وليس باختيارك وليس الأمر راجع لاجتهادك، بل أنت ملزم بالصيام، قال ربنا جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كُتِب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. قوله جل في علاه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام﴾، كُتِب بمعنى فُرِضَ، إذ أن كتب ومشتق منها قال العلماء كعباس المقري رحمه الله تعالى وجماع من العلماء أن كتب ومشتق منها تأتي في القرآن على عدة معان أوصلها بعضهم إلى أربعة معان، والذين يريد نريده في هذا المقام عند هذه الآية أن كلمة كتب وكُتِب وكتاب تأتي في القرآن بمعنى الفرض، «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا» أي مفروضا. فالكتاب وكُتِب بمعنى فُرِضَ وَلِزِمَ وَحُتِمَ، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام﴾ بمعنى فُرِضَ عليكم الصيام. وهنا تأتي مسألة تذكر في هذا المقام حول من ترك الصوم، ومن ترك الصيام في نهار رمضان، فأمره لا يخرج عن أمرين اثنين، إما أن يكون تارك الصوم ترك ذلك جحودا للصيام وإنكارا لفرضيته، فهذا كافر، فهذا كافر قد خرج من الدين والملة، لأنه أنكر شيئا معلوما من الدين بالضرورة، ولا خلاف بين العلماء في كفر من كان هذا معتقده. بعض الفسقة، لا أقول فسقة بل بعض الزنادقة لربما يتطاول على أمر الصيام ويقول: ما هذا الصيام؟ هذا ليس من دين الله، هذا تعذيب لعباد الله، ما أظن أن الصيام فرض علينا، أو هكذا يغمز ويطعن ويقدح، أو ذاك الآخر الذي لربما يستهين بأمر الصيام فيستهزئ به، فهؤلاء من عداد الكفرة، من عداد الكفرة. الصورة الثانية في حق تارك الصوم من أقر بفرضيته إلا أنه تركه تكاسلا وتهاونا، كحال كثير من ضعف دينه وقل ورعه، لربما يقر بأن رمضان واجب وأنه فريضة، لكن يقول: أنا ما أستطيع، وأنا كذا، ويأتي بأعذار واهية يتذرع بها في ترك الصيام، وإلا حقيقته التكاسل هو الذي أداه إلى ترك الصوم، فهذا في قول العلماء على أنه فاسق وعلى أنه عاص وعلى أنه آثم، لكن لا تستهين عبد الله أو لا تستخف بهذه الأحكام. بعض الفاسق يقول: ما حكمي إذا أنا تركت الصوم؟ يقول: أنت عاصي بس، عاصي، لا يقول الذهبي رحمه الله تعالى: قال: «ومن أفطر أياماً من رمضان من غير عذر فهو شر من الزاني ومن مدمن الخمر». تأمل في هذه العبارة واجعلها في بالك، قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: «ومن أفطر أياماً» تخيل ليس الشهر بأكمله، أيام فقط، قال: «من أفطر أياماً من رمضان من غير عذر فهو شر من الزاني»، زاني، زاني تدل على أن هذا الرجل من ديدنه الزنا والوقوع في المحارم، شر من الزاني، «ومن مدمن الخمر»، ليس شارب الخمر بل مدمن، مدمن خمر يعني. لأن الناس في هذه الأزمان لو قيل لهم: أي ناس شر طبق عندكم؟ من أفطر خمس أيام من رمضان أم الذي مدمن على الخمور؟ لا كانت الأيدي صوبت إلى مدمن الخمر أنه شر الناس طبقة، لا يا عبد الله، بل والله لمن شرب الخمر فترات عديدة ذنبه أهون عند الله من أن يترك فريضة، القاعدة عند العلماء أن التهاون وترك الفرائض أعظم عند الله من فعل المحارم، هذا ليس ذكر هذه القاعدة، لكن اعلم ذلك، وهذا من هذا الباب. فمن تناوى أفطر أياما من رمضان من غير عذر فذنبه ووزره عند الله شر من الزاني ومن مدمن الخمر. وقد جاءت الأحاديث الكثيرة المبينة للعقوبة الصارمة التي أعدها الله في حق من كان هذا حاله، من ذلك ما رواه الإمام الحاكم في مستدركه، وهكذا ابن خزيمة وابن حبان من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بينما أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فقال لي: انطلق»، قال: «فانطلقت فأتيابي إلى جبل وعر فقال لي: اصعد»، قلت: «إني لا أطيقه»، قال: «لا عليك إنا سنسهله لك»، قال: «فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل»، أي في وسط الجبل، قال: «فإذا أنا بصراخ أو صياح أو بأصوات»، قلت: «ما هذه الأصوات؟» قيل لي: «هذا عواء أهل النار»، حالهم العياذ بالله كحال الكلاب تعوي من شدة الألم الذي يصلونه يوم القيامة، قيل لي: «هذا عواء أهل النار»، قال: «فانطلقت فإذا أنا بقوم معلقين بعراقيبهم»، معلقين بالعراقيب أي قد قلبوا رأسا على عقب، «معلقين بعراقيبهم مشققة أجداقهم تسيل أجداقهم دماء»، قلت: «من هؤلاء؟» قال: «قالوا لي: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم»، يفطرون قبل تحلة صومهم. هذا الحديث في فوائد عظيمة، لكن هم هنا ذكر فائدتين، أولاهما ذنب هؤلاء أنهم قوم صاموا، لكن ما الذي فعلوا؟ فعلوا أمرا عظيما وهم أنهم قد أفطروا قبل وقت الإفطار، أفطروا قبل وقت الإفطار، يفطرون قبل تحلة صومهم، بقي على الغروب أربع ساعة أو نصف ساعة أو ساعة أو دون ذلك، فإذا بهم يستعجلون الفطر، يستعجلون الفطر، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى. ومن هنا يتأمل المسلم ويتقي الله سبحانه وتعالى في وقت الإفطار، كما أنه لا تأخير فإن ذلك من تشبه باليهود والنصارى، كذلك لا تقديم، وإنما يا عبد الله عليك أنك تأخذ بالأذان الشرعي، والحمد لله المغرب يعرف بغروب الشمس، بغروب الشمس أي بقرص الشمس، والحمد لله غارب، الآذان هذه الأزمان تعتمد على هذه الرؤية، فهذه الرؤية التي أنت يا عبد الله ملزم بها، أما التقديم فهذه عقوبة عظيمة، وأما التأخير فهذه كذلك مغبته جريمة. والفائدة الثانية من هذا الحديث وهي التي نريدها، إذا كان هؤلاء صاموا، صلى الفجر قبل ذلك، تسحر وصلى الفجر على الصوم والظهر على الصوم والعصر على الصوم، لربما قبل قبيل المغرب أفطر، ومع ذلك عذب، فما ظنك يا عبد الله بالذي ما صام؟ بالذي ما صام كيف ذنبه؟ كيف عقوبته؟ كيف سيكون التنكيل به؟ أعظم وأشد، إذا كان هؤلاء صاموا لكنهم استعجلوا في سويعات قلبوا وعقبوا ماذا؟ وعلقوا على عراقيبهم ومقطعت أجداقهم حتى سال الدم، ولا زال العذاب واقع بهم منذ أن يلدوا إلى لحودهم حتى تقوم الساعة، إلا أن يتغمدهم الله برحمته، هذا حالهم. في حال من أفطر قبل السويعات من ساعة الإفطار، فما ظنك بالذي ما صام؟ يذهب هذه الأيام، إن كان في بحره أخذ الفطور معه، ليس فطور الشمس، لا، فطور الإفطار في الساعة التاسعة في عرض البحر يفطر، أو ذاك مزارع في أرض زراعية لا أحد يرى، لربما يتوارى عن الأنظار ويفطر، أو ذاك في بيته خلف الكواليس أو تحت الدهاليس ويتخبى ويستخف عن أعين الناس، ثم يأكل ما لذ وطاب، هؤلاء ماذا؟ ما حكمهم؟ ما عقوبتهم؟ إذا كان الذي أفطر قبل رمضان قبل الإفطار بساعات عوقب، فهؤلاء إخوان فلا أشد عقوبة. ولهذا يا عبد الله لا تستهين بأمر الصوم، فالأمر واجب، يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصيام كما كُتِبَ على الذين من قبلكم لعلكم تتقون. ومما يُذكر إخواني في مسألة الصيام، ونحن في هذه الدروس نتكلم عن شرعية الصيام، أن نبين أن الصيام من باب المراعاة التي راعاها الشرع للحالة النفسية وللنفوس البشرية، فإن الله راعى في الصوم أن يكون بتدرج، أن يكون بتدرج. فكانت مرحلة الصيام تقوم على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى في فرضية الصيام لم يُفرض عليهم سوى يوما واحدا، ألا وهو عاشوراء، هذا أول فرضية الصيام، كان عاشوراء، ما كانوا يعرفون رمضان، وقال علماء: كان ذلك لسنة واحدة، كما جاء ذلك في الصحيحين من حديث عائشة أن الله أمر بصيام عاشوراء. ثم جاء بعد ذلك شرعية الصيام صيام رمضان، لكن المرحلة الثانية كان الناس فيها بالخيار، معنى الخيار أي أنت مخير بين أن تصوم وبين أن تطعم، لا مشاحة لا تشديد في مسألة الصيام، الأمر متاح للجميع، إن أحببت وأن تصوموا خيرا لكم، وإن أحببت أن تطعم أطعم، هذه المرحلة الثانية كما جاء ذلك أيضا في الصحيح. المرحلة الثالثة وهي المرحلة الأخيرة أن الله عز وجل أمر الجميع بالصوم، أمر الجميع بالصوم، وأما الإطعام فإنما يترك لحالة خاصة من أهل الأعذار، لقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصم﴾، فكانت هذه الآية ناسخة لما قبلها من الآيات القاضية على أن المسلم ملزم بصيام رمضان، فهذه مراحل الصيام الذي مر بها رمضان، كهذا ما يتحصل المراحل إن ذكرت تذكر حول المراحل في فرضية الصوم. وهناك مراحل أخرى حول كيفية الصوم، الصوم لما فرض على الناس من حيث الكيفية، كانت لو كيفية مغايرة ليست على هذه الطبيعة، كيف كان الصوم في العهد الأول؟ الصوم كما جاء ذلك في السنن عند أبي داود والترمذي وقد صححه شيخ الألباني رحمه الله تعالى، كانت هيئته أن الناس إذا دخل وقت المغرب فأفطر الناس فيأكلون ويشربون ما شاء، إما أن يأتي وقت السحور وإما أن يتغشاهم النوم، فإذا نام أحدهم معناه أن فطره قد انقطع، فلا يتناول شيئا بعد نومه ولو قام بعد المغرب ساعات، يكفيك هذا كان شرع من الشرع الذي وجلت في الشريعة الإسلامية. وهذا الحد القصة صارت لصحابي جليل اسمه قيس بن صرمة أو الصرمة بن قيس على قولين في ضبط اسمه، هذا الصحابي قيس صام ثم دخل على أهله وعلى المرأة أراد طعاما حتى يفطر عليه، فذهبت امرأته لكي تجلب له طعاما، وكان هذا الصحابي في يومه قد عمل وذلك دلالة على تعبه، فبينما هو ينتظر ينتظر الطعام إذ تغشاه النوم فنام، وما أكل شيئا، فلما دخلت امرأته عليه رأته نائما فقالت: خيبة لك، خيبة لك، إذن ما تتناول شيء لأن هذه الشريعة إذا نام ما يأكل شيء بعد ذلك. فقام وأكمل، انظر في النهار صائم ودخل المغرب ما أكل شيء، إلا أنه نام إذن يلزمه الصوم، فصام إلى اليوم الثاني، فما استطاع حتى إذا انتصف النهار في ذاك اليوم وشي عليه وأغمي عليه من شدة التعب والجوع الذي أصابه، فأخبر نبينا بذلك، فحينها أنزل ربنا جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، فقال الصحابة: ففرحنا بهذه الآية فرحا شديدا، أي أن الله أعطاه مدة ومهلة من المغرب إلى وقت الفجر يأكلون ما شاء فيها، ولو كان في ذلك نومهم في وقت المغرب أو بعد المغرب. هذا إخواني في الله ما يتعلق بأمر الصيام بحيث أحوال الكيفية وأحوال الفرضية، ما يتعلق بأمر الصوم إخواني في الله من مسألة كذلك ما يتعلق بأحوال الأكل والشرب في نهار رمضان، الأكل والشرب في نهار رمضان له صور، إما أن يكون متعمدا، فمن تعمد أن يأكل وأن يشرب في نهار رمضان فصومه فسد وصومه قد بطل، وهذا بالإجماع، ولدلالات الكتاب والسنة على ذلك، لكن ينظر هل له عذر أم ليس له عذر؟ فإن كان له عذر فهو معذور، مثل رجل في نهار رمضان أراد أن يتناول دواء، فماذا يقال؟ يقال: لا، بالعكس اشرب، يقول: أنا متعمد سأشرب الدواء، نقول: نعم، وهذه رخصة اشرب الدواء وأنت متعمد، إذا كان ما يسعفك أن تأخر العلاج ولابد أن تتناوله في وقت النهار، فتناول هذا الدواء، فإذا شرب الدواء هل يكمل صومه؟ لا، صومه قد فسد بالإجماع، إذن عليه القضاء، إذن هنا صومه فسد بالإجماع، لكن هل هو آثم؟ ليس بآثم لأنه له عذر. الصورة الثانية إذا أفطر متعمدا في نهار رمضان وليس له عذر، فصومه فسد وهو آثم، وقد مر ذلك معنا. الصورة الثانية من حق من أكل أو شرب في نهار رمضان من كان ناسيا، هذا قد يقع لبعض الناس وخاصة في أوائل الصيام أن يعتريه النسيان فيشرب ماء أو يأكل لقمة وهو ناسيا فيتذكر، ما حكم ذلك؟ هذا لا حرج عليه، ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقه»، سُقي من الله وطُعم من الله. في حق الناس في حق الناس، لكن هنا ينبني على أمرين اثنين، الأمر الأول أن من رآه من الصائمين عليهم أن ينبهوه، بعض الناس أنت في بيتك تجد العجوز تجد الجد أو الأب أو الأم تقوم وتشرب وأنت تعرف في قرارة نفسك أن هؤلاء ما فعلوا ذلك إلا نسيانا تعرف ذلك، فهل تقول: أتركهم يشربوا ويتمتعوا وهذه السقية من الله؟ لا، لا تتركهم، نبههم إذا رأيتم فعلوا ذلك، ذكرهم بأن هذا صوم وأنتم قد نسيتم، لقول نبينا: «إنما أنا بشر، فإذا نسيت فذكروني». فحق الناس أن يذكروا، والأمر الثاني أن الناس إذا تذكر ينبغي أن يقلع فورا، أنت تشرب ماء، لا، ربما قارورة كاملة تشرب تشرب تشرب فذكرت، ذكرت بأمر الصوم، فهذا ما تفعل، عليك أن تقلع ولو بقي القليل ولو بقي القليل، ولا تستمر، إن استمررت بعد الذكر فأنت مفطر، فأنت مفطر، هذا التنبيه ينبغي أن ينبني عليه. الأمر الثالث كذلك من حق الأكل والشرب في نهار رمضان أنه يكون ماذا؟ أن يكون مخطئا أو مكرها، فإن كان أكله عن طريق الخطأ وعن طريق الإكراه فهذا لا شيء عليه، لقوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، يقع هذا خطأ أن يدخل إلى حلقك ما لا تريد أن يدخل، حشرات، ذباب، غبار، أكل شيء، أنت ما تريد ووقع عليك خطأ فهذا لا يضرك، أو كذلك مكره، ابتليت بمن أدخل الطعام إلى جوفك غصبا فهذا كذلك لا يضرك. قال صلوات ربي والسلام عليه: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكره عليه». وهكذا يا إخواني في الله رمضان والصيام له حكم عظيمة، وقد مر في درس أمس في درس العصر عند الأخينا أبي معاذ حفظه الله تعالى ذكر الأحكام الكثيرة التي ذكرها العلماء في العلل المستفادة من رمضان، ومما يستفاد من رمضان أنها قربة، قربة يا عبد الله تتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى، فإن العبد كلما ازداد في العبودية لله كلما ازداد قربا إلى ربه ومولاه جل في علاه. وكذلك من الحكم أن لها حكم اجتماعية، ومن أعظم حكم الصيام الاجتماعية في رمضان خاصة أنها تعطي للمسلمين قوة، قوة تظهر للقاصي والداني ولأعداء الدين مدى قوة المسلمين، وذلك باتحادهم، ولهذا تلاحظ أن الإسلام وشرائع الدين تكثر من العبادات الجماعية، تجد الصلوات الصلاة الجماعة تؤدى جماعة، الجمعة جماعة، الاستسقاء جماعة، الكسوف جماعة، تجد أن الشرع ماذا؟ يشير إلى ضرورة الاجتماع، وهكذا قسف باقي الفرائض، الحج يؤدى جماعة، رمضان يؤدى جماعة، وهذا بحكمة حتى يظهر المسلمين أمام الناس بأنهم قوة واحدة متحدة. وأيضا كذلك من الحكم أن الأغنياء يستشعرون بما عليهم الفقراء من ضعف ومن جوع، حتى قال بعض السلف عندما سئل عن الحكمة من الصوم قال: «حتى يذوق الغني طعم الجوع حتى يذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الفقير فلا ينسى الفقير». وهكذا من الحكم الاعتياد على الخشونة، الخشونة في العيش، لا يكون المسلم في كل سنوات ترف مترف يعيش على البذخ على الطعام والشراب، لا، المسلم يحتاج إلى أن يربي رجال، فإذا ما أراد هؤلاء المسلمون أن يتعودوا ويربوا أنفسهم فتأتي الشريعة تتدخل في تربية الناس على الخشونة، ومن ذلك رمضان، تصوم أربعة عشر ساعة كهذه الأيام أو ثلاث عشر ساعة، تجعل من بعد الفجر إلى الغروب. وهذا ما يمكن للكافر أن يصوم، الكافر لربما وهذا قد حدثنا الكفار في هذه الأزمان إذا رأوا المسلمين يصومون في بلاد الغرب وفي بلاد الكفر يصومون يحرصون على الصيام، الكافر ينبهر، ينبهر إلى قوة هذه الصلابة، إيش هذا؟ ما تفطر؟ يقول: أبدا ما نفطر، يذهب الطلاب إلى الكليات المبتعثين في الخارج إلى الكليات وإلى المحاضرة وهم على صوم، تمر عليهم الساعات، بل بعضهم في بعض البلدان تمر في بعض الولايات في هذه الأزمان في بعض الدول بلغ عدد ساعات الصيام ستة عشر ساعة، وبعض المسلمين ولله الحمد محافظين وصارمين في أمر الصيام، ينبهر الغرب، إيش هذا؟ الشدة، إيش هذا؟ القوة والصلابة؟ الدين يربي، الدين يربي على الخشونة على اعتياد الجوع على المخمصة على ترك الشراب على الضمأ، وهذه تربية إسلامية عظيمة عجيمة. وهكذا يا عبد الله كذلك من فضائل الصوم الصحة، تربية المسلم وتربية الأجساد على الصحة، الصحة البدنية، وهناك حديث وهو حديث «صوموا تصحوا»، وهذا الحديث وإن كان مشهور ومعنى صحيح، لكن إسناده ضعيف، فقد ذكر العراقي رحمه الله تعالى في كتاب تخريج إحياء علوم الدين أن هذا الحديث جاء عن أبي هريرة ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، وكذلك رأى ابن عدي عن ابن عباس وفي إسناده نهشل وهو متروك كذاب. فالحديث ما صح إسنادا، لكن صح معنى، وقد ذكر ذلك من القيم رحمه الله تعالى في الطب النبوي أو في زاد المعاد ذكر الفوائد الكثيرة المستفادة، فإن الجسم في طيلة السنة عنده من السموم والدهون المتراكمة ما إن يأتي رمضان حتى يصف الجسم من هذه السموم، وهذا من باب الحمية. فالشاهد إخواني في الله فرمضان إخواني في الله مما يستفاد من هذا الشهر المبارك أن نتعود على الصيام، وكما قلنا وليس بالضرورة أنك تعتاد على هذا الشهر، بل اجعل هذا الشهر مدرسة تربي نفسك على الصيام حتى إذا خرج رمضان اعتدت على أن تصوم سائر الأيام، ومن هنا جاءت النكتة في قول نبينا صلوات ربي وسلامه عليه: «من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال»، وكأن هذا الحديث هو ما دلالة وبرهان على أن المسلم قد استفاد مما استفاد من رمضان الاعتياد على الصيام، فكان التطبيق والبرهان في أول فرصة وهو في شوال أنك تصوم ستة أيام حتى ماذا؟ تبدأ يا عبد الله بمرحلة الصيام طيلة العام. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.