الخطبة بعنوان أهمية صلاح القلوب، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٦ ذو الحجة ١٤٣٦هـ ألقاها
يستهل الخطيب بالحديث النبوي عن الحلال والحرام والشبهات، مركزاً على مكانة القلب كملك للجوارح. يوضح أن صلاح الجسد بصلاح القلب، وأن أمراض القلوب المعنوية أحق بالعناية من الأمراض الحسية.
يصف القلب السليم بأنه السالم من الفتن والشهوات، المنزعج للمنكر والطمئن لذكر الله. يؤكد أن النجاة يوم القيامة بقلب سليم، وأن الله ينظر إلى القلوب لا إلى المظاهر.
يؤكد أن هداية القلوب واستقامتها بيد الله وحده، محذراً من الاعتماد على النفس. يبين خطورة أمراض القلوب كالكبر والنفاق، داعياً للتضرع الدائم لثبات القلب في زمن الفتن.
يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله. ويختم بالحمد لله رب العالمين والدعاء بالقبول.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، أخرج الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الحديث لهو من الأحاديث العظيمة التي عليها مدار هذا الدين، وقد اهتم به العلماء قديمًا وحديثًا، وحسب في هذا المقام أن أسلط الأضواء وألفت الانتباه إلى الجملة الأخيرة منه، ألا وهي قول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة»، ومعنى مضغة: أي قطعة من اللحم، وهذه القطعة على صغر حجمها إلا أن لها دورًا عظيمًا ولها أهمية بالغة، قال: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». أيها المسلمون، عباد الله، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في هذا الحديث العظيم جعل القلب بمثابة الملك، وجعل بقية الأعضاء والجوارح بمثابة الجنود المطيعين المنفذين لأوامر هذا الملك، فإن القلب يأمر والجوارح تنفذ، القلب يأمر والجوارح تستجيب، فتجد أن القلب يأمر اللسان فيتكلم، فإذا كان القلب صالحًا كانت أوامره صالحة، فيأمر هذا اللسان بذكر الله عز وجل، وهكذا بغيرها من الأعمال الصالحات التي يقوم بها اللسان، وهكذا القلب يأمر العين فتنظر، والأذن فتستمع، القلب يأمر اليد فتبطش، والرجل فتخطو، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالْأُذُنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْخُطَى، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ». أيها المسلمون، عباد الله، إن الكلام حول القلوب ودورها وأمراضها وعلاجها يُعتبر من المواضيع المهمة جدًا، إذ أن ذاك يُعتبر من أهم المهمات ومن أعظم الواجبات التي ينبغي على أهل الإسلام وأمة التوحيد والإيمان أن يولوها عناية عظيمة واهتمامًا بالغًا، إذ أنه يترتب على ذلك صلاح الجسد وفساده، إذ أنه يترتب على ذلك سعادة الدنيا وهكذا نعيم الآخرة، سعادة الدنيا وهكذا نعيم الآخرة. إذا كان جلُّ اهتمام الناس بأمراض القلوب الحسية التي هي أمراض العصر من ارتفاع ضغط الدم وانخفاضه، وهكذا تضيُّق الشرايين أو تصلُّبها أو فساد بعض صماماتها أو غير ذلك من الأمراض الحسية التي يوليها كثير من المسلمين العناية العظمى والاهتمام الأكبر، فتجد أنه يُكثر من إجراء الفحوصات، وهكذا تخطيطات القلب، وهكذا أيضًا من عيادة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، فقل لي بربك يا عبد الله: أليست أمراض القلوب المعنوية التي يترتب عليها صلاح هذا الجسد وفساده، ويترتب عليه أيضًا ما سمعت من سعادة الدنيا ونعيم الآخرة، أولى أن يُهتمَّ بذلك؟ أيها المسلمون، عباد الله، لا ينفع عند الله عز وجل إلا القلب السليم، إلا القلب السليم الذي سلم من الشرك وصوره، وسلم من التعلق بغير الله عز وجل، سلم من التعلق بالأضرحة والقبور، سلم من الذهاب إلى السحرة والمشعوذين والكهنة والعرافين، سلم من الرياء، سلم من النفاق، سلم من الأمراض الخطيرة التي تُفسد عليه دنياه ولربما كانت سببًا في فساد آخرته، القلب السليم الذي سلم من البدع والأهواء، فتجده منقادًا لأمر الله عز وجل ولأمر النبي صلى الله عليه وسلم، بعيدًا عن المحدثات، بعيدًا عن البدع والأهواء التي تُخالف ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، القلب السليم الذي سلم من الفتن المضلة وهكذا من الشهوات المحرمة، القلب السليم هو الذي إذا سمع أو رأى المنكر انزعج وتغير، ولربما صاحبه إذا رأى المنكر أو سمعه فلم يستطع أن يغيره، لربما يبول دمًا حرقة وألمًا وغيرة على دين الله عز وجل، القلب السليم الذي إذا سمع الغناء والموسيقى ينزعج فيضيق ذرعًا، القلب السليم الذي إذا سمع القرآن وسمع ذكر الرحمن اطمأن وانشرح، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾، ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. لا ينفع عند الله عز وجل إلا القلب السليم، كما قال ربنا عز وجل عن نبيه ورسوله وصفيه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾. أيها المسلم اللبيب، اجعل هذه الآيات نصب عينيك: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾، في الدنيا قد يكذب الإنسان وقد يتحايل وقد يغش وقد يخرج من بعض الورطات بريئًا في أعين الناس وإن كان مذنبًا عند الله عز وجل، لكن أيها المسلمون، عباد الله، الخزي الأعظم والفضيحة الكبرى إنما تكون يوم القيامة: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾. ولكي نحافظ على سلامة قلوبنا فلا بد أن نتفقدها دائمًا وأبدًا، القلب يا عباد الله في هذه الدنيا عرضة للأمراض، فإذا دخل المرض إلى القلب ووجد العلاج الناجح أصبح القلب سليمًا نقيًا طاهرًا، وأما إذا دخل المرض إلى القلب ولم يجد العلاج فتبعته الأمراض الأخرى، فإن القلب يوشك أن يموت، وإذا مات قلب العبد فكبر على صاحبه أربعًا، لأنه سيصبح ذا قلب ميت، قلبه لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه، قلبه لا ينتفع بالآيات ولا يستجيب للنصائح والمواعظ، لأن القلب قد أصبح ميتًا. أيها المسلمون، عباد الله، تفقد القلوب من الأمور المهمة لأنها محل نظر الرب تبارك وتعالى، أخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». انظروا يا رعاكم الله إلى محل نظر الرب تبارك وتعالى، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، الله عز وجل لا ينظر إلينا: هذا طويل وهذا قصير، وهذا سمين والآخر نحيف، هذا أبيض والآخر أسود، هذا حسن الصورة وجميل المنظر والآخر ذميم الخلق، ولربما قد يكون كريه المنظر أبدًا، أيها المسلمون، عباد الله، وإنما ربنا عز وجل ينظر إلى ما هو أعظم من ذلك، قال: ﴿ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ﴾. وإنكم اليوم جلُّ اهتمام الناس هو العناية بالمظهر والنظر إلى المظهر الخارجي، فأحدنا إذا أراد أن يخرج إلى المسجد أو إلى العمل أو إلى السوق لا يخرج إلا بعد أن يتأكد من نظافة شعره ونظافة ثوبه وحسن نعله، لكن قل لي بربك يا عبد الله: مع أن ذلك كله طيب، فإن الله جميل يحب الجمال، لكن قل لي بربك يا عبد الله: أين الذين يتفقدون قلوبهم قبل أن يخرجوا إلى الناس، فيخرجوا إلى الناس بقلوب سليمة، بقلوب صافية، بقلوب نقية قد سلمت من الغل والحسد، ومن الشحناء والبغضاء، ومن الخيلاء والكبر، إلى غير ذلك من الأمور؟ قليل وقليل ما هم، فنسأل المولى عز وجل أن يعيننا على أنفسنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح لهذه الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، ومما ينبغي أن يذكر فيما يتعلق بأمر القلوب وأهميتها وعلو مكانتها، أن قلوب العباد ليست بأيديهم، وإنما هي بيد الله عز وجل، كما قال ربنا سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ * وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾. وجاء في حديث أم سلمة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: كان يقول: «إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، يقلبها كيف يشاء، يقلبها كيف يشاء». فأمر هداية القلوب واستقامتها على شرع الله عز وجل إنما هو بيد الله تبارك وتعالى، ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾. وجاء في حديث النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه عند ابن ماجة وغيره أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن القلب، أي قلب العبد، بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه، إن قلب العبد بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه» أي أقامه على الخير وعلى الطاعة وعلى الإيمان، «وإن شاء أزاغه» أي عن الخير وعن الحق وعن الهداية. ولهذا كان عليه الصلاة والسلام كما في تمام هذا الحديث يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، يا مثبت القلوب» أو «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». أيها المسلمون، عباد الله، ولهذا ينبغي على المسلم دائمًا وأبدًا أن يسأل الله عز وجل أن يعينه على الطاعة، وأن يحبب إليه الخير والإيمان، كما قال ربنا عز وجل: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾. يخطئ بعض الناس حين أن ينصح بالاستقامة ولزوم الخير والبعد عن الحرام، يخطئ حين أن يقول: «أنا أمري بيدي، ومتى ما أريد سألتزم وأستقيم وأترك هذه المخالفة وتلك المعصية»، لا يا عبد الله، إن قلبك ليس بيدك، وإنما هو بيد الله عز وجل، فاسعَ في طلب الهداية، واسلك طريق الاستقامة، فإن الله عز وجل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، واستعن على ذلك بالتضرع بين يدي الله عز وجل أن يهدي قلبك إلى الإيمان، وأن يحبب الطاعات إلى قلبك، ويثبتك على هذا الخير، ويصرف عنك طريق الشر وطريق العصيان، وهكذا كل ما يُعتبر سببًا لغضب الرب تبارك وتعالى. فها هو ذا نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أكثر دعائه لربه عز وجل: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»، مع أنه صلوات ربي وسلامه عليه خير البرية وأزكى البشرية، مع أنه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء وإمام المرسلين، مع أنه عليه الصلاة والسلام صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، مع أنه عليه الصلاة والسلام أول من يستفتح باب الجنة، ومع هذا انظر إلى كثرة دعائه لربه أن يثبت قلبه على هذا الخير وعلى هذا الدين، فنحن أولى أن نكثر كذلك من سؤال الله عز وجل أن يثبت قلوبنا على هذا الدين، ولا سيما أيها المسلمون، عباد الله، ونحن نرى الفتن تموج كموج البحر، ويرقق بعضها بعضًا، وكلما جاءت فتنة قال المسلم: «هذه مهلكتي»، فتأتي الأخرى فترققها فيقول المسلم: «هذه هذه»، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الفتن وإقبالها. أيها المسلمون، عباد الله، إنه يجب علينا أن نتفقد قلوبنا، وأن نسعى في طهارتها وسلامتها من تلكم الأمراض التي قد تكون سببًا لحرماننا من خير عظيم في الدنيا ونعيم كبير في الآخرة، إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، فكيف بمن امتلأ قلبه كبرًا، وبمن أمثال الجبال من الكبر في قلبه؟ أيها المسلمون، عباد الله، الواجب هو تفقد القلوب من الرياء، وتحسين العبادات لغير الله عز وجل، الواجب تفقد القلوب من مرض النفاق الذي انتشر وكثر في أوساط كثير من المسلمين اليوم، تجده يتقلب بين عشية وضحاها، وبين يوم وليلة، وهكذا غيرها من الأمراض، سماع الأغاني والتلذذ بالموسيقى مرض من أمراض القلوب، وهكذا أيضًا النظر إلى الصور المحرمة، سواء كان في جوال، أو كان في تلفاز، أو كان في جريدة أو مجلة، أو غير ذلك، كل ذلك له أثر عظيم على القلوب. فنسأل المولى تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، نسأله جل في علاه باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وإذا سئل به أعطى، أن يجعل قلوبنا سليمة، أن يجعل قلوبنا سليمة وأعمالنا صالحة. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم واحفظ بلدنا هذا خاصة، وسائر بلاد المسلمين عامة، وجنبه الفتن والمصائب، ما ظهر منها وما بطن. اللهم وولِّ علينا خيارنا، واصرف عنا شرارنا، اجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، آمين.