الخطبة بعنوان تنبيه الغافلين بخلق تفقد المسلمين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 ربيع أول 1441هت ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تناول الخطبة خلق تفقد المسلمين والسؤال عن أحوالهم ومعاونتهم، مبينًا أنه من شمائل النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتعهّد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم، داعيًا المسلمين إلى التحلي بهذا الخلق الكريم.
يُبرز المقطع حرص النبي محمد صلى الله عليه وسلم على تفقد أحوال أصحابه، فيسأل عن الغائب منهم كما فعل مع ثابت بن قيس والمرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، ويبشرهم بالخير ويصلي عليهم، مظهراً رحمته وعنايته بالجميع صغيرهم وكبيرهم.
يُبرز المقطع حرص النبي محمد صلى الله عليه وسلم على السؤال عن الضعفاء والمساكين، كما فعل مع المرأة السوداء التي كانت تنظف المسجد، والرجل الذي غاب عن مجلسه لموت ابنه. ويؤكد أن تفقد أحوال المسلمين، خاصة المحتاجين، من أعظم الأخلاق النبوية التي يجب الاقتداء بها.
يتحدث المقطع عن حزن المتحدث لغياب أحد الإخوة لشهر أو شهرين، وعند سؤاله عن سبب الغياب يجيب بأنه كان مريضاً في البيت ومهموماً مغموماً، مما يعكس أثر المرض والهم على التواصل الاجتماعي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من الأخلاق الكريمة التي كادت أن تغيب أو تضعف في مجتمعات المسلمين: خلق تفقد المسلمين بعضهم بعضًا، وتفقد الشخص معناه السؤال عنه ومعرفة أسباب غيابه ومآل حاله، وهكذا معونته إن احتاج إلى ذلك. فهذا الخلق يدعو إليه الإسلام وتتحلى به النفوس الطيبة، وهذا الخلق من شمائل أخلاق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فلقد كان يتفقد أصحابه ويسأل عنهم. أخرج الإمام الحاكم في مستدركه، ويصححه العلامة الألباني، عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعهَّد الأنصار ويعودهم ويسأل عنهم. إن الناظر في هديه عليه الصلاة والسلام ليرى نماذج كثيرة: يغيب أشخاص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيسأل عنهم ويتفقد أحوالهم. أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم افتقد ثابت بن قيس، كان يحضر معه فإذا به يغيب عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه. فذهب إليه هذا الرجل، ذهب إلى ثابت بن قيس فوجده في بيته منكسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ قال: شر، قال: شر. كان يرفع صوته... يعني نفسه ثابت بن قيس، قال: كان يرفع صوته فوق صوت النبي عليه الصلاة والسلام، فقد حبط عمله وهو من أهل النار. فذهب هذا الرجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فأخبره، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام، وقد حمل معه بشارة عظيمة، وأي بشارة أعظم من البشارة بدخول الجنة: «اذهب إليه وقل له: إنك لست من أهل النار، بل أنت من أهل الجنة». شاهدون من هذا الحديث: لما افتقد النبي عليه الصلاة والسلام ثابت بن قيس سأل عنه. وهكذا أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم افتقد امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أي تجمع قمامته، فقالوا له: يا رسول الله، إنها ماتت. فقال: «ألا آذنتموني؟ ألا أخبرتموني حتى ندعو لها ونصل عليها؟» فكأنهم استصغروا أمرها، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «دلوني على قبرها». فدلوه، فصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. امرأة ضعيفة، هذه مهنتها وهذا عملها، افتقدها النبي عليه الصلاة والسلام فسأل عنها. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وفي حديث المرأة السوداء ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من تفقد أحوال ضعفاء المساكين، ضعفاء المسلمين، وما جُبِل عليه من التواضع والرحمة والرأفة عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث فيه أن تفقد المسلمين يكون آكد في حق الضعفاء، في حق المساكين، في حق المحتاجين، فهؤلاء لا يوبَه لهم ولا يهتموا بأمرهم. وهكذا جاء عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه أن رجلاً... أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يجلس مع نفر من أصحابه، وكان يجلس معهم رجل، وكان يجلس معهم رجل معه ابن صغير يأتيه من وراء ظهره فيجلسه بين يديه. فهلك هذا الصبي، أي مات هذا الغلام الصغير، الابن الصغير، فلم يحضر الحلقة، منعه ذلك من حضور مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام. فافتقده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فسأل عنه، فقالوا: يا رسول الله، إن ابنه الذي رأيت قد هلك، فامتنع من الحضور. فالتقى به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعزاه وواساه. والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب والترهيب. انظروا يا عباد الله إلى هذا الخلق الكريم من نبينا عليه الصلاة والسلام: رجل يصلي معك في المسجد، ولربما يصلي بجانبك، أو يحضر معك حلقة العلم، أو يعمل معك في وظيفة ونحو ذلك، يغيب عنك ولا تسأل عنه. أي خلق هذا أيها المسلمون؟ إنه لمن المؤسف جدًا أن يغيب أحدنا الشهر أو الشهرين، فلا نلتقي به إلا بعد هذه المدة، فنسأله: أين كنت؟ فيأتي الجواب الذي به ينكس السائل رأسه: إني كنت مريضًا في البيت، إني كنت مهمومًا مغمومًا.