الخطبة بعنوان إن ربكم يستعتبكم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٢٣ محرم ١٤٣٧ هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض الخطيب نعمة الله بتمكين الإنسان في الأرض وتذليلها له، مبينًا أن الآيات الكونية تدل على إحكام الخلق. ويوضح أن الكوارث الطبيعية كال أعاصير والفيضانات هي تخويف من الله وإنذار للعباد بسبب ذنوبهم لعلهم يرجعون.
يؤكد الخطيب أن الكوارث كالإعصار والأمطار الغزيرة هي ابتلاء من الله بسبب ذنوب الناس وبعدهم عن طاعته، مستشهدًا بآيات قرآنية تربط المصائب بأعمال العباد. يحذر من نسبة ذلك لأسباب طبيعية فقط، ويدعو للتوبة والشكر والخوف من مكر الله مع الأخذ بالأسباب الشرعية لرفع العقوبات.
يبيّن المقطع أن الإيمان والتقوى والتوبة والاستغفار وكثرة الطاعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب صرف العقوبات الإلهية، مستدلاً بآيات وأحاديث وأقوال السلف. كما يبرز الدروس المستفادة كالتضرع إلى الله والصبر وتكاتف المجتمع، داعيًا للاستمرار على هذه الخصال في السراء والضراء.
يبدأ المقطع بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه، ثم يردد التكبير ويشهد بأن لا إله إلا الله. يختم الخطبة بهذه الأذكار الجامعة للقلب على ذكر الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنكم إذا تأملتم في هذا الكون وما يجري فيه من آياتٍ وعبر، لعلمتم عظمة خالقه، وأنه لم يخلقه عبثًا ولم يترككم سدى، ولعلمتم تقصيركم في حق خالقكم، وغفلتكم عن ذكره وشكره وحسن عبادته. أيها المسلمون، عباد الله، إن من عظيم نعم الله عز وجل عليكم أن مكَّنكم من هذه الأرض التي تعيشون فيها، وجعلها لكم ذلولًا، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. مكَّنكم من هذه الأرض، وهيَّأ لكم فيها العيش لما أودع فيها من كل ما يحتاج إليه الخلق، فبارك فيها، وجعل فيها أقواتها، وجعل الأرض قرارًا، أي ثابتةً لا تتحرَّك ولا تنيدُ بأهلها، وأرسى عليها الجبال حتى يبني فيها الإنسان ويتمكَّن من هذا البناء، وخلق فيها البحار والأنهار لا يبغي بعضها على بعض، ولا يرتفع ماؤها إلى اليابس وإلى مساكن الخلق، رحمةً من الله عز وجل وتيسيرًا. وهكذا أنزل فيها من الأمطار التي هي بقدر، لا ضرر فيها ولا خطر، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾. قال الحافظ بن كثير عند قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾، أي: بحسب الحاجة، لا كثيرًا يفسد الأرض والعمران، ولا قليلًا لا يكفي للزروع والثمار، وإنما هو بقدر الحاجة. هكذا عباد الله، لطف الله عز وجل بنا وتمكينه لنا في هذه الأرض، وهكذا جعل في هذه الأرض من الآيات الباهرة والدلالات الظاهرة على تيسير الأمر لنا في هذه الأرض، فسخر لنا الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى، لا يتقدم هذا عن هذا، ولا ذاك عن هذا، تيسيرًا من الله سبحانه وتعالى. فهذا الكون محكم، وهكذا متقن خلقه، اللطيف الخبير سبحانه وتعالى. فإذا اختلف هذا النظام المحكم وهذا النسق المتقن، فإنما هو إنذار من الله وتخويف للعباد، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ظهر الفساد في البر والبحر، تغير نظام هذا الكون ونظام هذه الأرض، فكان الفساد في البر والبحر من قلة الأرزاق، ومن كثرة الكوارث والحوادث وغير ذلك، بسبب الذنوب والمعاصي والآثام. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وهكذا جاء في الصحيحين من حديث جمعٍ من الصحابة، منهم عائشة رضي الله عنها، وأبو بكرة، وابن عباس، وغيرهم، أن الشمس والقمر انخسفا، أن الشمس أو القمر انخسفا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، وإنما هما آيتان يُخَوِّفُ الله بِهِمَا عِبَادَهُ». فإذا تغيَّر نظام هذا الكون، فإنما هو تخويفٌ من الله سبحانه وتعالى لعباده، لعلهم يرجعون، لعلهم يتوبون، لعلهم يستغفرون، لعلهم يذكرون، لعلهم يعتبرون. الله عز وجل لما كذَّب المشركون نبينا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بيَّنَا لهم هلاكه عز وجل للأمم التي سبقتهم، فقال عز وجل: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أو ألقَ السمع وهو شهيد. أيها المسلمون، عباد الله، لقد كثر في هذه الأزمان المتأخِّرة الأعاصير القاصفة، وما تحمله من الرياح الشديدة، ومن الأمطار الغزيرة، ومن الفيضانات والسيول الجارفة الجرارة، كم تدمر من قرى، وكم تهدم من بيوت، وكم تهلك من بشر، وكم تعمل من حوادث وكوارث. كل ذلك، عباد الله، لا شك ولا ريب أنه بسبب ذنوبنا، بسبب ذنوبنا، بسبب بعدنا عن طاعة ربنا سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، قل هو من عند أنفسكم. كم أصاب الناس من الخوف، ومن الذعر، ومن كذلك الهروب مما قد سيقع، مما أعلن عنه عن ذلكم الإعصار، ومما ذكره أهل الفلك، وإلى غير ذلك. فهل من توبة بعدما سلَّم الله عز وجل وصرفه عن هذه البلاد، وعن غيرها من البلاد، وكانت أمطار رحمة، وكانت غيوت رحمة من الله سبحانه وتعالى؟ ألا فلنشكر الله عز وجل، وَلَا نَأْمَنْ مَكْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ، إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. وعلينا عباد الله أن نعلم أن مثل هذه الحوادث إنما هي، لا شك ولا ريب، بسبب ذنوبنا، ليست هي كوارث طبيعية كما يقول بعض المتحذلقة من الجغرافيين، ومن بعض الصحفيين والإعلاميين، بأنها كوارث طبيعية، وأنها بأسباب معلومة، وليس هناك علاقة فيها بأفعال العباد وبذنوبهم. فهذا والله إنه ضلال مبين، إنه ضلال مبين. إن وقعت هذه الحوادث بأسباب معلومة، فإنه لا يخرجها عن كونها مقدرة من الله عز وجل بسبب ذنوب العباد، فإن الله عز وجل هو مسبب الأسباب، وهو سبحانه وتعالى خالق السبب والمسبب، الله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل. إذا أراد شيئًا سبحانه وتعالى أوجد سببه، وهكذا وهكذا رتب عليه أثره ونتيجته، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾، فدمَّرناها تدميرًا. عباد الله، إنه يحدث منا ذنوبًا كثيرة، ذنوب كثيرة لا تعد ولا تحصى، منها ما هو كُفرٌ بالله عز وجل والعياذ بالله: سبُّ الذات الإلهية، أو كذلك سبُّ الدين والملَّة، أو كذلك تركُ الصلوات المفروضة، أو السحر والشعوذة، أو دعاء غير الله، أو الاستغاثة بغير الله. أليست هذه الذنوب نشاهدها ونسمعها في مجتمعاتنا؟ وهكذا منها ما هي كبائر، كبائر عظيمة: كالربا، والرشوة، والسرقة، وأخذ الأموال بغير حق، وقتل النفس التي حرَّم الله عز وجل، والتبرُّج، والسفور، والنظر إلى الأفلام الهابطة الخليعة، وإلى غير ذلك من المنكرات العظيمة. إننا نخاف إن لم تُنكر مثل هذه المعاصي أن يعمَّن الله عز وجل بعذابٍ من عنده. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾، أن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ. متى ما عبدتموه، متى ما آمنتم به، متى ما اتَّبعتم شرعه، أما إن كذَّبتموه، وأما إن عصيتموه، فلا يُبالِي بكم ولا يكترِثُ بكم، من أي جهةٍ يأتي العذاب، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ. قال الحافِظ ابن كثير عليه رحمة الله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ﴾، أي: لا يُبالِي بِكُمْ ولا يكترِثُ لكم، ولا يكترِثُ بِكُمْ، إن لم تعبُدُوه، فإن لم تعبُدُوه، فإن لم تعبُدُوه، هكذا يقول رحمه الله تعالى. أما قوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، فإن لم تعبُدُوه، فإن لم تعبُدُوه، فقد جاء عن ابن عباس: أي لولا إيمانكم، كما ذكر ذلك الحافظ بن كثير عليه رحمة الله. وهكذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوْ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، إلا القوم الخاسرون. ألا فاتقوا مكر الله عز وجل، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه سبحانه وتعالى. أسأل الله بمنه وكرمه أن يلطف بنا، وأن يرحمنا، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، لقد خاف الكثير مننا لما نقل، ولما ذاع وشاع من وجود ذلكم الإعصار الذي حذر الفلكيون من خطورته، وقد لطف الله عز وجل وصرف عن هذا البلاء، فلله الحمد والمنة. وهكذا يتناقل في هذه الأيام أن هناك أعاصير أخرى، والله عز وجل إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، والله سبحانه وتعالى لطيف بعباده. فما علينا عباد الله إلا أن نأخذ بأسباب رفع العقوبات، أسباب رفع العقوبات من مثل هذه الأعاصير، ومن مثل هذه الأمطار الغزيرة والفيضانات الجارفة الخطيرة. فمن أعظم، عباد الله، من أعظم الأمور التي تصرف عنا مثل هذه العقوبات: الإيمان بالله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، ﴿لَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، من كل فتنة، ومن كل بلية، ومن كل ضائقة، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وهكذا عباد الله، من أسباب رفع العقوبات: التوبة إلى الله عز وجل، وكثرة الاستغفار، واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. فلعل ما صرف عنا من ذلكم الإعصار المتوقع إنما هو بسبب استغفار المستغفرين، وتوبة التائبين، ورجوع الراجعين. فأكثروا، عباد الله، من التوبة والاستغفار. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وهم يستغفرون. نعم، أيها المسلمون، عباد الله، جاء عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «ما نزل بلاء، ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة». فتوبوا إلى الله أيها المسلمون، واتركوا ما كنتم عليه من الذنوب والآثام، ومن المخالفات الشرعية. وهكذا عباد الله، من أسباب رفع العقوبات: كثرة الطاعات، وترك الذنوب والمعاصي والمحرمات. يقول ابن القيم عليه رحمة الله، كما في كتابه الجواب الكافي: «فإن العبد إن غير المعصية بالطاعة، غير الله عليه العقوبة بالعافية، غير الله عليه العقوبة بالعافية، والذل بالعز. فإن أردت العافية وأردت السلامة، فأغير من حالك، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». وهكذا عباد الله، من أسباب رفع العقوبات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن نأخذ على يد الظالم، ولا تقل: ليس لي دخل، وهذا شأن غيري. فأنت مسلم مطالب بأن تقيم شرع الله، وأن تتواصى بالحق، وأن تدعو إليه. فلنأمر بالمعروف، عباد الله، ولننهى عن المنكر، فإن لم نفعل، فإن العقوبة تعم. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾. وجاء عند الترمذي من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، وحسنه العلامة الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن ينزل عليكم عقابًا من عنده، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم». وجاء عند الترمذي من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الناس إذا لم يأخذوا على يد الظالم، عمهم الله بعقاب من عنده». فنحن، عباد الله، في هذا المجتمع كسفينة، إنها سفينة الحياة، النجاة من الغرق أن نتآمر بالمعروف، وأن نتناهى عن المنكر، كما جاء في صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، أي اقترعوا على سفينة، تتكون من دورين اثنين، استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أننا نخرق في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا بأيديهم نجوا ونجوا جميعًا». فإن أردنا النجاح من مثل هذه الأعاصير، ومن مثل هذه الحوادث، ومن مثل هذه كذلك العقوبات، فعلينا عباد الله أن نتآمر بالمعروف، وأن نتناهى عن المنكر. وإن مثل هذا الحدث لا يخلو فيه فوائد وعبر كثيرة، منها، عباد الله: حتى يعتاد الناس على الصبر، وحتى يعرفوا ربهم سبحانه وتعالى بالرجوع إليه والتضرع إليه. فكم من إنسان كان في غفلة عن دعاء الله عز وجل، وعن التضرع إليه، فلما سمع ما سمع، ولما رأى ما رأى، تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا يعلمنا هذه الفوائد وهذه العبر العظيمة. وهكذا من فوائد ذلك، عباد الله: ما رأيناه من تكاتف، ومن تعاون بين أفراد هذا المجتمع، فذاك بسيارته، وذاك بجهده وعمله، وذاك بماله، الكل يعاون ويساعد الضعيف من النساء والأطفال، ومن نقل الأسر. فهذا المجتمع ينبغي أن يتربى على مثل هذه المعاني، ليس في وقت الشدائد فحسب، بل وفي غيرها من الأيام. فهذا ما دعى إليه الإسلام: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتعاونهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا، وأن يسلمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ونسأله سبحانه وتعالى أن يلطف بنا، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. اللهم اغفر لنا، وارحمنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.