الخطبة بعنوان كما تكونوا يولى عليكم، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٣ صفر ١٤٣٦هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبيّن المقطع أن الفتنة تنشأ من ترك ما أمر الله به من حق أو صبر، مستدلاً بكلام ابن تيمية وآيات قرآنية تحذر من مخالفة أمر الله. كما يربط بين عدم الحكم بكتاب الله وتسلط الحكام الظالمين كعقوبة على ذنوب الناس.
يبيّن المقطع أن ولاة الأمور يعكسون أعمال رعيتهم، فالاستقامة تجلب ولاة صالحين والظلم يجلب ولاة ظالمين مستدلاً بأقوال السلف وآيات القرآن. ويؤكد أن الخروج من الفتن لا يكون إلا بالتقوى والعمل بطاعة الله والصبر والتضرع إليه.
يؤكد المقطع أن الله أمر بالصبر وقرنه بالغلبة والنصر للمتقين، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال ابن تيمية. ويبين أن الفتن لا تُحل بالفوضى والمظاهرات بل بالصبر والتقوى والتمسك بالكتاب والسنة.
يحث المتحدث على الاعتبار بغيره وتجنب الشقاء بالاعتماد على النفس، داعياً إلى الصبر والحكمة والحلم في معالجة الأمور. ويؤكد على إسناد المسؤولية للعلماء والفطناء لا للسفهاء مع الدعاء بأن يجنب الله الفتن.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾. ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يُطِع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بِدْعَةٍ، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وكلَّ ضَلَالَةٍ في النَّار. أيها المسلمون عباد الله، إن مما أحدق بهذه الأمة من فتنٍ ومن ظهور المحن مردُّه إلى إحدى أمرين اثنين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله كما في كتابه الاستقامة: «والفتنة لا تقع إلا من ترك ما أمر الله به، فإن الله سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر، فالفتنة إما من ترك الحق وإما من ترك الصبر». انتهى كلامه رحمه الله. فأول هذه الأسباب في وقوع الفتن ترك ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الحق، ولذلك حذَّرنا من مُخالفة أمره، وبيَّن لنا أن مُخالفة أمره من أعظم أسباب الوقوع في الفتن. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فليحذر الذين يُخالفون عن أمره أن تُصيبهم فتنة أو يُصيبهم عذابٌ أليم﴾، سواء أكانت هذه المُخالفة من الحاكم أو المحكوم، من الرئيس أو المرؤوس. ولذلك جاء عند ابن ماجة من حديث ابن عمر، ويُصحِّحه العلامة الألباني، بقول النبي عليه الصلاة والسلام لما أقبل على المُهاجرين فقال: «خمسٌ إذا ابتليتم بهنَّ وأعوذ بالله أن تُدرِكوهن»، وذكر من هذه الخمس: «وما لم تحكم أئمَّتهم بكتاب الله إلا جَعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ إِلَّا جَعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ». انظروا عباد الله إلى خطورة مُخالفة شرع الله وعدم العمل بشريعة الله سبحانه وتعالى. وهكذا فإن من أعظم أسباب فتنة، من أعظم أسباب فتنة تسلُّطي الحُكَّام الظَّلمة على الناس، هو الذنوب والمعاصي والمُخالفات. وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. أخرج أبو نعيم في الحلية عن منصور بن أبي الأسود أنه سأل الأعمش عن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، مَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ فِيهَا؟ فَقَالَ الْأَعْمَشُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ فِيهَا: إِذَا فَسَدَ النَّاسُ أُمِّرَ عَلَيْهِمْ أَشْرَارُهُمْ، أُمِّرَ عَلَيْهِمْ أَشْرَارُهُمْ». وهكذا أخرج الطبراني والحاكم وابن أبي عاصم عن الحسن البصري رحمه الله تعالى أنه كان يقول في عصر الحجاج بن يوسف الثقفي: «اتقوا الله فإن الله عنده حجاجين كثيرين، فإن عند الله حجاجين كثيرين»، أي إن لم تتقوا الله عز وجل سيصلِّط عليكم من هو ظالم كالحجاج بن يوسف الثقفي، وكان ظالماً متجبِّراً. وهكذا جاء عنه كما عند الطبراني، أي عن الحسن البصري رحمه الله، أنه سمع رجلاً يدعو على الحجاج فقال له: «لا تدعو عليه، فإنكم من أنفسكم أُتيتم، وإننا نخاف لو عزل الحجاج أو مات أن يتولى علينا القردة والخنازير، وقد رويَ أن أعمالكم عُمَّالُكم، وكما تكونوا يُولَّى عليكم». وهكذا جاء عند البيهقي عن إبراهيم بن حمش رحمه الله أنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ أَبِي يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءَ: اللَّهُمَّ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِينَا سَلَّطْتَ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَعْرِفُنَا وَلَا يَرْحَمُنَا، اللَّهُمَّ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِينَا سَلَّطْتَ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَعْرِفُنَا وَلَا يَرْحَمُنَا». وهكذا يقول ابن القيم عليه رحمة الله كما في كتابه مفتاح دار السعادة: «وتأمل حكمته سبحانه وتعالى في أن جعل ملوك العباد وأمراءهم وولاتهم من جنس عملهم، من جنس عملهم، بل كأن أعمالهم ظهرت في صور أولاتهم وملوكهم، فإن استقاموا استقامت ملوكهم وأمراءهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، لتعرف أخي المسلم أن الظلم لا يقابل بالظلم، والخيانة لا تقابل بالخيانة، والمكر لا يقابل بالمكر، وإنما يتقى ذلك الظلم بالتقوى والصبر كما تقدم عن الأئمة رحمهم الله تعالى، فإن علم الله عز وجل في أهل مجتمع خيرا أمر عليهم خيرهم وأتقاهم». ولذلك أخرج الحاكم والطبراني وغيرهما عن شقيق بن سلمة أن علي بن أبي طالب قيل له: ألا تستخلف؟ ألا تعين خليفة؟ قال: «ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفأستخلف؟» ثم قال: «ولكن إن يرد الله بالناس خيرا جمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم»، يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه. والأمر كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾. فهل عقلنا أيها المسلمون هذه الحقيقة التي لا مفر منها، ألا وهي أنه لا خروج من هذه الفتن إلا بتقوى الله، بالاستقام على دين الله، بتحكيم شرع الله، بالصبر على أمر الله وعلى أقدار الله المؤلمة؟ فأي طريق غير هذا الطريق فهو فاشل وهو خائب لأنه معارض لشرع الله ولدين الله سبحانه وتعالى. فأسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لما يحب ويرضى. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنى بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، فقد أخرج أيضاً ابن أبي شيبة في مصنفه أنه قيل لطلق بن حبيب، أن طلق بن حبيب كان يقول: «اتقوا الفتنة بالتقوى، اتقوا الفتنة بالتقوى». فقيل له: أجمل لنا التقوى. قال: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». فبهذا أيها المسلمون تتقى الفتنة بالتقوى، بالاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا كان الحسن البصري يقول: «إن الحجاج عذاب الله عليكم، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن بالتضرع والاستكانة». ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ فَمَا اِسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. فبالتضرع إلى الله وبالتوبة والرجوع إليه تصلح جميع الأحوال. وهكذا الأمر الآخر الذي به تُتَّقَ الفتنة: الصبر، الصبر فهو خير معين على دفع الفتن. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾. وَإِذَا تَمَعَّنْتَ كِتَابَ اللَّهِ أَخِي الْمُسْلِمُ لَرَأَيْتَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلْ قَدْ كَرَّرَ الْأَمْرَ بِالصَّبْرِ، أَمْرَ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالصَّبْرِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَوَامِرِ مَقْرُونَةٌ مَقْرُونَةٌ بالغلبة والنصر والتمكين لأهل التقوى ولأهل الإيمان. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿تلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾، أمره بالصبر وبين له أن العاقبة للمتقين. وهكذا يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم﴾. انظر كيف قرن الله عز وجل بين الأمر بالصبر وبين الغلبة والنصر والتمكين لأهل الإيمان وأهل التقوى. ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «فإن كثيراً من الناس من الناس إذا رأى المنكر أو تغير كثير من أحوال الإسلام جزعاً وكلاً وناحاً كما ينوح أهل المصائب، وهو مأمور وهو منهي عن ذلك، ومأمور بالصبر والثبات على الإسلام والتوكل، وأن يؤمن بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأن العاقبة للمتقين، وأن الذي يصيبه إنما هو بذنوبه، فاصبر لحكم ربك، فاصبر لحكم ربك، واستغفر لذنبك، وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار». انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فبالصبر أيها المسلمون ينال الإنسان مقصده وغايته، أن يلزم نفسه بشرع الله، ألا تدفعه العواطف، وألا يدفعه الغضب إلى ارتكاب ما حرم الله سبحانه وتعالى. ولذلك أيها المسلمون عباد الله، بيّن لنا ربنا في كتابه أن بالتقوى والصبر نكيد الأعداء وننتصر عليهم. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا﴾، وبهما ترفع الفتن: التقوى والصبر. وهكذا موسى يقول لقومه، قال موسى لقومه: «استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، العاقبة للمتقين». فأخذ بعضهم بهذه الوصية، فقال الله عز وجل في شأنهم: ﴿وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. فبالصبر ينصر أهل الإسلام ويفلح أهل الإسلام ويكيد الأعداء، فبهما أي بالتقوى والصبر ينتصر أهل الإسلام ويقض على جميع الفتن والمحن بإذن الله سبحانه وتعالى. إن هذه الفتن عباد الله التي نراها في طول البلاد وعرضها لا تُحلُّ ولا تزولُ بالفوضى، لا بإغلاق الشوارع والطرقات، ولا بغلق كذلك المحلات وإحراق الإطارات، ولا بتوقيف الدراسة في المدارس والجامعات، ولا بالمُظاهرات والشغب، وإنما تُدفع هذه الفتن بالوقوف عند حدود الله، بالعمل بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبالصبر، الصبر. فقد أرشدنا النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك، فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّكُمْ سَتُلْقُونَ بَعْدِي أَثَرَهِ فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ، حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ». وَيَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من رأى من أميره شيئا فليصبر». هذه وصية علماء السنة من زمن قديم قبل هذه الثورات وقبل هذه الفتن والأمور العظيمة التي ابتليت بها هذه البلاد وغيرها من بلاد أهل الإسلام، فلما لم يستجب أهل الإسلام لتلك النداءات وصل بالأمة الحال إلى ما ترون وإلى ما تشاهدون، فهل من مستجيب؟ فهل من مستجيب؟ فإن السعيدة من اعتبر بغيره، والشقي من اعتبر بنفسه، فاعتبروا يا أولي الألباب، واصبروا وعالجوا الأمور بالحكمة والصبر والحلم، وأن يُسند الأمر إلى العقلاء، إلى العلماء، إلى الفطناء، لا إلى السفهاء، إلى الأحداث. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يُجنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارِك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمين، أمين، أمين، وعلى آله وصلَّم، ويغرقوا، أمين، وشكرا، ونشاهدنا، ومسكرا، وعلى آله، وشكرا، وشكرا، وشكرا، أمين.