الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 18، ألقاها
القاعدة الفقهية 'الأمور بمقاصدها' تعني أن أفعال الإنسان تُقيم بناءً على نيته وقصده، وتدخل هذه القاعدة في العبادات والمعاملات. النية تميز بين العبادات بعضها البعض وبين العبادة والعادة.
النية تلعب دورًا حاسمًا في تحديد صحة العبادات والمعاملات المالية، وتحدد حكم الألفاظ غير الصريحة في المعاملات مثل الطلاق والوقف. كما تحدد حكم الأفعال مثل الإمساك عن الطعام.
النية تلعب دورًا في تحويل المعاملات المالية من حلال إلى حرام أو العكس، كما هو الحال في التحايل على الربا وتأثير النية في جعل الأفعال المباحة عبادة أو إثمًا.
تطبيق قاعدة الأمور بمقاصدها على مختلف الأعمال والأمور التي يقوم بها الإنسان، حيث يُحكم عليها بناءً على النية والقصد، وتشكل أساسًا لتقييم الأفعال.
الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله: ومنها الأمور بمقاصدها، فيدخل في ذلك العبادات والمعاملات، وتحريم الحيل للمحرمة مأخوذ من هذا الأصل، وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات للصرائح من هذا الأصل، وصورها كثيرة جدًا. أي من القواعد والأصول الأمور بمقاصدها، وهذه من القواعد الكبرى. معنى هذه القاعدة أن فعل الإنسان للأمر يكون على حسب نيته وقصده، والأصل في هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات»، حديث عمر رضي الله عنه المتفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث سعد: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في إمرأتك». فدلت هذه الأدلة على أن أعمال الإنسان تكون على حسب نيته وعلى حسب قصده. قال: يدخل ذلك في العبادات والمعاملات وتحريم الحيل إلى آخر ما ذكر رحمه الله. ففي باب العبادات تدخل فيه النية، وتميز النية بين العبادات بعضها عن بعض، تميز العبادات بعضها عن بعض، العبادة يعني الواجب عن المستحب، النافلة عن الأخرى تميز بالنية. وهكذا أيضًا تميز العبادة عن العادة بالنية. فمثلًا صلاة ركعتين قد تكون واجبة وقد تكون مستحبة، كركعتين الفجر مع ركعتين السنة، فالنية تميز هل هاتان الركعتان هي صلاة الفجر أو هي ركعتا الفجر. فالنية تميز هذه العبادات من الواجب عن المستحب. كذلك أيضًا الغسل مثلًا قد يكون واجبًا وقد يكون غسلًا مستحبًا، ما الذي يميز ذلك؟ النية. النية تميز ذلك. كذلك أيضًا في باب العبادات تمييز النوافل بعضها عن بعض، ما الذي يميز أن هذه الركعتين هي صلاة مثلًا ركعتا الوضوء أو أنها تحية المسجد أو أنها يعني ركعتان مطلقة؟ النية. النية تميز ذلك. كذلك أيضًا تمييز العبادات عن العادات، فمثلًا جلوس الإنسان في المسجد إذا كان لقصد التعبد ونوى بذلك التعبد لله صار عبادة، وإن كان جلوسه مثلًا لأجل التبرد، مسجد مكيف جلس فيه لقصد أن يتبرد، صار الجلوس هذا ليس بعبادة. ما الذي يميز؟ النية. مثل أيضًا الاغتسال لقصد التعبد، وقد يغتسل الإنسان عادة من باب النظافة أو من باب التبرد، فالنية تميز هذا الغسل الواجب عن غيره. كذلك أيضًا في الصيام إذا أمسك عن الأكل والشرب قد يكون هذا الإمساك عبادة وقد يكون عادة، ما الذي يميز ذلك؟ النية. إذا أمسك عنها تقربًا إلى الله فهذا عبادة، يعني أراد بذلك الصيام والإمساك عنها تقربًا إلى الله سبحانه وتعالى. وقد يمسك عنها من باب مثلًا عدم الرغبة في الطعام، ما عنده رغبة فما أكل ولا شرب، فلا يكون هذا الإمساك عبادة لأن الأمور بمقاصدها، ما الذي قصد بذلك؟ فيترتب عليه الحكم. كذلك أيضًا في المعاملات، في المعاملات تتبين وتتميز الأمور بمقصد العامل، بمقصد العامل. مثلًا في باب الإحداد إذا تركت المرأة التطيب والزينة عن ميت غير الزوج أكثر من ثلاثة أيام، الأصل أن المرأة لا يجوز لها الإحداد أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوج مات. أحد أقاربها غير الزوج فتركت الإحداد يعني الطيب والزينة أكثر من ثلاثة أيام، فإن كان هذا الترك عبادة تركت ذلك تعبدًا وتقربًا إلى الله فهذا خطأ ولا يجوز لها ذلك، وإن تركته بقصد عدم الرغبة فيها، ما عندها رغبة لاستعمال هذه الأشياء لا لقصد التقرب إلى الله جاز ذلك. أيضًا في المعاملات في البيع والشراء إذا باع ولم يأت باللفظ الصريح، لم يأت باللفظ الصريح في البيع، ما قال: بعت، لكن قال مثلًا: أعطيتك أو ملكتك أو نحو ذلك من الألفاظ، ونوى بذلك البيع فإنه يصح. وتحمل ألفاظ الكنايات يعني الألفاظ غير الصريحة تحمل على اللفظ الصريح بالنية. تحمل على اللفظ الصريح بالنية. لو قال لامرأته: الحقي بأهلك، يقال: ما نيتك؟ هل نويت الطلاق؟ إن قال: نعم وقع الطلاق، وإن قال: لا، أنا ما نويت الطلاق، إنما أردت أن تذهب لأهلها، فهنا لا يقع الطلاق لأن هذا اللفظ ليس صريحًا في الطلاق، فلا بد فيه من النية. هذا معنى قوله: وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح من هذا الأصل، يعني تحمل على حكم اللفظ الصريح بالنية. أوقف شيئًا لكن ما قال: أوقفت، قال مثلًا: سبلت أو قال: يعني جعلت هذا شيئًا محرمًا من بيعه معروف الذي لا يجز بيعه هو الوقف، ونوى بذلك الوقف صح. صح بنيته. كذلك أيضًا قوله: وتحريم الحيل المحرم مأخوذ من هذا الأصل، الحيل على الحرام، التحايل على الحرام كالتحايل مثلًا على الربا، التحايل على الربا كبيع العين مثلًا. يأتي إنسان إلى شخص هو يريد منه مال يريد منه مال ويعرف أنه ما سيعطيه إلا إذا رده بزيادة، أراد مثلًا عشرة آلاف على أنه يرده أحد عشر ألف، هذا ربا. فيتحايل يقول: بكم هذه البضاعة؟ هذه البضاعة مثلًا بعشرة آلاف، يقول: اشتريت بالدين إلى آجل فيأخذها ويسجلها عليه، ثم يبيعها له نقدًا بأقل، يبيع مثلًا بثمانية آلاف أو بثمانية آلاف نقدًا الآن. سيعطيه تسعة آلاف والمسجل عليه كم؟ المسجل عليه عشرة، معناه أنه أعطاه تسعة وسيرد له عشرة. وهذه البضاعة التي دخلت إنما هي من باب التغطية فقط، والمقصد من هذا البيع هو في الحقيقة الحصول على المال. ومثل أيضًا ما تفعله بعض البنوك تبيع مثلًا أو ما نقول: هي في الحقيقة ما عندها بضاعة وإنما تريد أن تتعامل بالربا بصورة غير مباشرة. يأتي إنسان محتاج للمال لكن ما يعطوه مالًا يقول: أنا أريد البضاعة الفلانية، أريد ثلاجة مثلًا، يقولون: تعال حتى نشترك، الثلاجة نتعاون معك، ثم يذهبون فيشترون الثلاجة، الثلاجة مثلًا بأربعين ألف، يقولون: هذه الثلاجة يشترونها ثم يبيعونها له بخمسة وأربعين أو بخمسين ألف وهو يسدد بالتقسيط، هذا أيضًا من الربا لأنهم اشتروها أصلا لأنفسهم وإنما اشتروها له، هم في الحقيقة أعطوه الأربعين وهو يردها خمسين، هذا من التحايل على الربا. والأمور بمقاصدها لو أنه ما طلبها ما اشتروها، لو أنه ما طلبها ما اشتروها، فهنا هم لا يشترونها إلا له لقصد ماذا؟ أتأل الربح من هذا المال. وكذلك أيضًا تدخل هذه القاعدة في باب المباحات، في باب المباحات النية لها أثر في جعل هذا المباح، وكذلك أيضًا في جعله أمرًا محرمًا. مثلًا الأكل والشرب والنوم هذه أمور مباحة، فإذا نوى بها التقوي على الطاعة، نوى أن يتقوى بهذا الأكل وهذا الشرب وهذا النوم، يعني نوى أن ينام باكرًا حتى يقوم لصلاة الليل أو صلاة الفجر، صار نومه عبادة. نوى بهذا الأكل أن يتقوى على طاعة الله، صار أكله عبادة يؤجر عليه. كذلك أيضًا شراء مثلًا سيارة أمر مباح، فنوى بشراء هذه السيارة أن يستخدمها في الدعوة إلى الله وأن يسخرها في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، صار شراؤه عبادة يعني يؤجر عليه بهذه النية. وهكذا قل في العكس، إذا اشترى الشيء ونوى به الإثم صار شراؤه محرمًا. اشترى مثلًا عنبًا اشترى عنبًا لأجل أن يصنعه خمرًا، أصل شراء العنب مباح لكن بهذه النية صار شراؤه حرامًا ويأثم على ذلك. اشترى مثلًا سلاحًا وقصد به أن يقتل فلان، فإن شراءه يكون حرامًا لأن الأمور بمقاصدها. وهكذا قل في سائر الأعمال والأمور التي يعملها الإنسان، فإن الحكم عليها يكون على حسب نيته وعلى حسب قصده، هذا معنى هذه القاعدة الأمور بمقاصدها. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.