المحاضرة بعنوان أسباب صلاح النفس والمجتمع، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ١٤ ربيع الاول ١٤٣٧هـ ألقاها
يتحدث المقطع الأول عن أهمية إصلاح النفس والمجتمع لتحقيق الخير والسلامة في الدنيا والآخرة. يشير إلى أهمية الإيمان بالله وتحقيق توحيده.
القرآن والعلم النافع وطاعة الله والابتعاد عن الذنوب من أسباب صلاح القلوب. الإيمان بالله يهدي القلب بينما الذنوب تسبب مرض القلوب.
الابتعاد عن الذنوب ومحاسبة النفس والمواظبة على النوافل من أسباب صلاح القلوب، بينما يحصل صلاح المجتمع بإصلاح الأسر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يتضمن المقطع الأخير دعاء للتوفيق لطاعة الله وطلب الصلاة والسلام على النبي محمد. يعبر عن الرجاء من الله لتحقيق الخير والتوفيق في الأعمال الصالحة.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الآباء الكرام والإخوة الأفاضل، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيِّب في بيتٍ من بيوت الله جل وعلا، نتذاكر شيئًا من كتاب الله جل وعلا ومن سُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، في مجلس ذكرٍ وعلمٍ وخيرٍ. إن المسلم بحاجةٍ عظيمة أن يسعى إلى إصلاح نفسه وإصلاح مجتمعه حتى يحصل الخير ويقل الشر، وكذلك أيضاً تحصل السلامة للإنسان في الدنيا وفي الآخرة. «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». هذا الحديث يبين أن نبي عليه الصلاة والسلام ذكر الأمر العظيم الذي ينبغي أن يُعتنى في صلاحه، وهو صلاح القلب. وإن من أعظم أسباب صلاح القلوب هو الإيمان بالله جل وعلا وتحقيق توحيد الله سبحانه وتعالى. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، تحصل له الهداية ويحصل له الصلاح والخير والخير، بخلاف قلب الكافر وقلب المشرك الذي يلتفت إلى غير الله. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. قلوب أهل الإيمان قلوب مريضة وسقيمة، كما وصفها الله جل وعلا في القرآن. وإن من أسباب صلاح القلوب هو العلم النافع، علم الكتاب والسنة، علم الشريعة الذي هو حياة للقلوب. ﴿أَوَمَنْ جَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الْأَرْضِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾. ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، لأن الإنسان كلما ازداد علمًا في دين الله وفي شريعة الله، كلما ازداد معرفة بالله، وإذا ازداد معرفة بالله زادت خشيته وخوفه من الله سبحانه وتعالى. العلم يحيي القلوب كما تحيى الأرض إذا ما مسها المطر، والعلم يجل العمى عن قلب صاحبه كما يجل سواد الظلمة القمر. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. القرآن سبب عظيم لصلاح القلوب، الاعتناء به حفظًا وتلاوة وتدبرًا وتفسيرًا. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. ينبغي أن ترى كيف أنت مع كلام الله جل وعلا، وهنا تعرف مدى محبتك لله. اجعل لك وردًا تقرأه من كتاب الله، ولا تكن هاجرًا لكتاب الله. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. طاعة الله جل وعلا والابتعاد عن الذنوب والمعاصي من أسباب صلاح القلوب. «إذا أذنب العبد ذنبًا نُكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب ورجع سُقل قلبه، فإذا عاد ازدادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». «تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نُكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض كالصفا لا تضره فتنة، وأسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه». لابد أن تكون على حذر عظيم من الذنوب والمعاصي. «رأيت الذنوب تميت القلوب، وقد يورث الذل إدمانها، وترك الذنوب حياة القلوب، وخير لنفسك عصيانها». محاسبة النفس من أسباب صلاح القلوب، تحاسب نفسك على أقوالك وأفعالك. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. المواظبة على النوافل بعد الفرائض لها أثر عظيم في صلاح القلوب. «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعذنه». إصلاح المجتمع يحصل بصلاح الأسر، وصلاح الأسر يحصل بصلاح الفرد. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتُمْ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب صلاح المجتمع. «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا الماء صعدوا إلى من فوقهم، فقالوا: لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، لو تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، ولو أخذوا على أيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. الاجتماع على الخير والهدى سبب للسلامة، والفرقة سبب للعذاب. ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. قصة أصحاب السبت ذكرها الله جل وعلا في القرآن، وكيف أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صلاح المجتمع. ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. الله جل وعلا يرسل الآيات يخوف بها العباد لعلهم يرجعون. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ما وقع في جزيرة سقطرة من رياح وعواصف آية من آيات الله جل وعلا. «الريح من روح الله، تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب». أسأل الله سبحانه وتعالى بمنه وكرمه وفضله وإحسانه أن يوفقنا وإياكم لطاعته، ويجعلنا سبحانه من الساعين في أبواب الخير، ويوفقنا لذلك، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.