الخطبة بعنوان الخشوع في الصلاة، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٣ جمادى الأولى ١٤٣٧هـوكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٣ جمادى الأولى ١٤٣٧هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تناول الخطيب أهمية الخشوع كروح الصلاة ولبها مستدلاً بالقرآن والسنة، وقارن بين حال السلف الصالح وما يقع فيه المصلون اليوم من عبث. عرّف الخشوع لغوياً وشرعياً بخضوع القلب وسكون الجوارح، مبيناً أن استقامة الجوارح على طاعة الله خارج الصلاة من أعظم أسباب نيل الخشوع فيها.
بين الخطيب أن الخشوع يتحقق بتعظيم الصلاة في القلب واستشعار مقابلة الله، مع تدبر حوار الفاتحة والقرب في السجود. أكد وجوب الحضور المبكر بالطمأنينة قبل الإقامة وإزالة المشاغل الدنيوية مستدلاً بآيات وأحاديث صحيحة.
استعرض المقطع آداباً تعين على الخشوع كعدم الصلاة بحضرة الطعام أو مدافعة الأخبثين، والابتعاد عن الملهيات كالأصوات والتصاوير والرنات. كما أكد على سد فراغ الأطفال في المساجد، واتخاذ السترة، وخفض البصر إلى موضع السجود لجمع القلب والفكر.
اختتم الخطيب بدعاء يطلب فيه توفيق من يريد الخير للإسلام والمسلمين، وإشغال من يريد السوء في نفسه وجعل تدبيره وبالاً عليه. كما طلب المغفرة والرحمة والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى فرض الصلاة، وجعلها قرة عين المؤمنين، وملاذ المتقين، وحلية الأولياء المصطفين، تطمئن فيها نفوسهم، وتسكن إليها قلوبهم، ويزداد فيها خشوعهم وخضوعهم لربهم سبحانه وتعالى. أخرج الإمام النسائي في سننه من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». وأخرج الإمام الترمذي من حديث رجلٍ من خُزاعة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول لبلال: «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا». أيها المؤمنون، عباد الله، إن روح الصلاة ولبها الخشوع فيها، ولذلك امتدح الله عز وجل عباده الخاشعين فيها. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وقال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾. وهكذا ذكر ربنا عز وجل أول صفة من صفات فلاح المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن الناظر في صلاة كثيرٍ منا ليرى المظاهر الكثيرة التي تدل على عدم الخشوع في الصلاة، إذ أن القلب إذا خشعت معه الجوارح فهي تابعة له، فإن كثيرًا منا، عباد الله، إذا دخل في الصلاة فإذا به يعبث بلحيته، أو يسوي عمامته، أو يفرقع أصابعه، أو يلتفت ذات اليمين وذات الشمال، أو يرفع بصره إلى السماء، أو ينظر في جواله إذا اتصل به متصل ليعرف من هو هذا المتصل، أهذا من الخشوع عباد الله؟ إن هذه الأعمال لتدل على عدم الخشوع في الصلاة، ولذلك جاء عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى من قوله -ولم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن سعيد بن المسيب رحمه الله رأى رجلًا يصلي ويعبث بلحيته، فقال رحمه الله: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ». قال العلامة الألباني عن هذا الأثر كما في «الضعيفة»: «إسناده جيد، إسناده جيد». وإذا نظرت يا عبد الله إلى حال سلفنا الصالح عندما يدخلون إلى الصلاة، حتى وكأنهم جدار لا يتحرك لكثرة خشوعهم، رحمهم الله تعالى، كما ورد ذلك عن الزبير رحمه الله ورضي الله عنه أنه إذا دخل في الصلاة كأنه جدار، تأتي الطير فتقع عليه، وهكذا جاء عن غيره من السلف رحمهم الله تعالى. أيها المسلمون، عباد الله، إن الخشوع معناه كما في اللغة، وله ارتباط بالشرع، هو الخضوع والسكون، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، خشعت أي سكنت. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، ومعنى خاشعة أي ساكنة. وأما في الاصطلاح فمعنى الخشوع هو القيام بين يدي الرب سبحانه وتعالى بذل وخضوع. قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: «أصل الخشوع رقة القلب ولينه وخضوعه وانكساره بين يدي الله سبحانه وتعالى»، هذه هي حقيقة الخشوع عباد الله. أيها المسلمون، إن للخشوع في الصلاة أسبابًا جاء ذكرها في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن أعظم هذه الأسباب التي تعينك يا عبد الله على الخشوع في الصلاة أن تعلم أن الخشوع إنما هو ثمرة من ثمار سلامة القلب واستقامة الجوارح، فمتى ما استقامت جوارحك على أوامر الله عز وجل خارج الصلاة وفقك الله سبحانه وتعالى للخشوع في الصلاة، فإن أردت أن تتمتع بهذه اللذة العظيمة، لذة الخشوع في الصلاة، فلتكن مستقيماً على شرع الله، بعيداً من مصاخطه ومعاصيه، فإن القلب يجلو، وإن القلب ينقَّى من كل ما يحول بينه وبين الانتفاع بما يقال في الصلاة. أيها المسلمون، عباد الله، وإن كذلك من الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة أن تعظم أمر الصلاة، أن يكون لها قدر في قلبك، أن لا تعطيها فضول وقتك، أن تعظم فيها ربك الذي جعلها صلة بينك وبينه، فالصلاة صلة بين العبد وربه، فاستشعر يا عبد الله أنك إذا قلت: الله أكبر، معناه أن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء، أكبر من دنياك، أكبر من أولادك، أكبر من زوجتك، أكبر من وجاهتك ورئاستك، أكبر من أولادك، أكبر من أولادك، أكبر من كل شيء، أكبر من كل شيء، فأقبل عليه في هذه الصلاة، وعظم أمر الصلاة، واستشعر أن الله سبحانه وتعالى ينصب وجهه لوجهك إذا لم تلتفت في صلاتك، كما جاء عند أبي داود وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ إِذَا صَلَّى مَا لَمْ يَنْصَرِفْ، مَا لَمْ يَنْصَرِفْ، أَوْ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، مَا لَمْ يَلْتَفِتْ». فلا تلتفت إلى غير الصلاة، لا الالتفات الحسي ولا الالتفات المعنوي، لا تفكر إلا فيما تخاطب به ربك، فإن هذه الصلاة قسمها الله عز وجل بينه وبينك، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «قَسَمَ اللَّهُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، قَسَمَ اللَّهُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، إِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ اللَّهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قَالَ اللَّهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». هل تستشعر هذا يا عبد الله؟ أن الله يخاطبك بهذا الخطاب، ويقول لك عندما تقرأ في كل ركعة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، يخاطبك ربك بقوله عز وجل: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»، أو «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قَالَ: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». هذه الصلاة، استشعر عندما تدخل فيها أنك تقرب من الله سبحانه وتعالى، فهو قريب من عباده في الصلاة وفي غيرها، ولكنه أقرب ما يكون سبحانه وتعالى وأنت ساجد في الصلاة، كما في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ، أَكْثِرُوا الدُّعَاءَ». فهذا أكبر معين لك أخي المسلم في أن تشتغل بأمر الصلاة وبأمر الخشوع فيها. وهكذا، عبد الله، من الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة أن تستعد للصلاة قبل إقامتها، أن تستعد للصلاة قبل إقامتها، لا يعجلك إليها شيء، فإن بعض الناس إذا أقيمت الصلاة بدأ يتوضأ وبدأ يتجهز، فإذا أتى المسجد فإذا الإمام أوشك على السلام أو بقيت ركعة أو ركعتان، فيأتي إلى الصلاة وهو مسرع وهو يلهث والعياذ بالله، فأي خشوع سيجده في هذه الصلاة؟ ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: «إِذَا أَتَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا تَسْعَوْا، يَعْنِي لَا تُسْرِعُوا، وَإِنَّمَا تَأْتُونَهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». فلا تأتي إلى الصلاة وقد أقيمت الصلاة، فإنك تضيع عليك بعض هذه الصلاة، وتكون في سرعة حتى تدرك هذه الصلاة، فاحرِص يا عبد الله على أن تكون في المسجد قبل إقامة الصلاة، تتهيأ لها قبل أن تقام هذه الصلاة، فشأنها في الإسلام عباد الله شأنٌ عظيم، إنه لا بركة في رزق يضيِّع المرء فيه صلاته، ولا بركة في أهلٍ ومال بسببهم يضيِّع المرء فيه صلاته. وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. لتكن الصلاة يا عبد الله معظَّمَ في نفسك، تحضُر إليها قبل إقامتها، تتنفَّل قبلها وتستعدُّ لها، فتكون في طُمأنينة وفي ذكرٍ وفي عبادة، فإنك في صلاةٍ ما انتظرتَ الصلاة، وإنك في رباطٍ ما انتظرتَ الصلاة، ألا فلنُعظِّم أمر الصلاة عباد الله، إن أردنا أن ننتفع بهذه الصلاة، وإن أردنا أن نخشع فيها وأن نذوق حلاوتها. أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يوفِّقنا جميعًا لما يحب ويرضى. الحمدُ لله وحده، والصلاةُ والسلامُ على من لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وإن من الأسباب المُعينة على الخُشوع في الصلاة أن تبتعد عن كل ما يشغلك أثناء أدائها، فلا تأتي إليها إلا وقد قضيت جميعًا ما يشغلك عنها. ولذلك إن كانت نفسك تتوق إلى أكلٍ، فإن من السنة ألا تأتي إلى الصلاة وأن تقضي حاجتك من هذا الطعام، بشرط حضوره وتوقان النفس إليه، لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ». والأخْبَثَانِ هما البول والغائط، يعني لا يأتي إلى الصلاة وهو ينازع البول والغائط، أن يريد أن يقضي حاجته من البول أو الغائط، فهو في صراعٍ ونزاع مع إحداهما أو مع كليهما، ففي هذه الحال لا يدخل إلى الصلاة، بل يقضي حاجته سواء كان من الطعام أو من مدافعة الأخبثين. وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ»، وهذا على وجه الندرة، ليس على وجه الاستمرار، يعني ليس معنى ذلك أنك يقدم لك الطعام وقت الصلاة دائمًا وأبدًا، وإنما أحيانًا قد يقدم لك الطعام وأنت تشتهيه، ويشغلك الجوع والتوقان إلى الطعام عن الخشوع في الصلاة، فلك أن تقضي حاجتك من هذا الطعام وإن فاتتك صلاة الجماعة، كما قرر ذلك جماعة من أهل العلم، ومنهم اللجنة الدائمة، ومنهم العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله. وهكذا من أسباب الخشوع في الصلاة أن تبتعد كذلك عن كل ما يشغلك أثنى هذه الصلاة، من الأصوات أو من التصاوير أو من الألوان الملهية أو من الرنات الملفتة أو إلى غير ذلك. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى في خميصة ذات أعلام، يعني فيها خطوط ملوَّنة، ذات أعلام، فنظر فيها عليه الصلاة والسلام، فلما انتهى من صلاته قال عليه الصلاة والسلام: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبَجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي عَنْ صَلَاتِي آنِفًا»، أي أشغلته عن الصلاة لأن فيها تلك الأعلام. فابتعد عن كل ما يشغلك عن الخشوع في هذه الصلاة. وهكذا جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي جهة ثوب فيه تصاوير ممدود على سهوة، ويحمل أن هذه التصاوير ليست من ذات الأرواح، كانت عائشة تستر بها سهوة أي نافذة، فكان يصلي إليها عليه الصلاة والسلام، فلما فرغ من صلاته قال عليه الصلاة والسلام: «لَا يَا عَائِشَةُ، خُذِي عَنِّي هَذِهِ، فَإِنَّ تَصَاوِيرَهَا لَا تَزَالُ تَعْرِضُ عَلَيَّ فِي صَلَاتِي، تَعْرِضُ عَلَيَّ فِي صَلَاتِي». وهكذا لا تصلي أمام قوم يتحدثون. وهكذا ينبغي عليك أخي المسلم أن تغلق جوالك عند الدخول إلى الصلاة، لأنك قد اتصلت بالله سبحانه وتعالى، فكم هذه الرنات تشغل المصلين في الصلاة وتذهب عنهم خشوعهم، فتسمع رنة من اليمين ورنة من الشمال، وهذا مما لا ينبغي أن يفعله المصلون، فينبغي عليك أن تتعاهد جوالك عند دخولك إلى الصلاة. وهكذا مما ينبه عليه كذلك مما يشغله، ومما كذلك يذهب بخشوع المصلين، ما يفعله الأطفال في المساجد من اللعب ومن الجري أثناء الصلاة، وهؤلاء الأطفال ربما لا يعظمون تلك الصلاة وهذه المساجد، ولكن المسؤولية على أولياء أمورهم، على أولياء أمورهم، فلتعلم أخي الأب أن تعلم أنك آثم بإزعاج ولدك المصلين في صلاتهم، لأنك لم تتفقده ولم تتعاهده ولم تربه على تعظيم واحترام المساجد. وهكذا عباد الله، مما يعين على الخشوع في الصلاة أن تجعل بينك وبين القبلة سُترة، أن تجعل السُترة أمامك، أن تجعل مثل مؤخرة الرحل أمامك، فإن في ذلك فوائد كثيرة، منها عباد الله أن لا يشغلك شيء، ومنها أن لا يمر بين يديك مار من شياطين الإنس أو الجن، فإن الشيطان إن لم يتخذ العبد سُترة يعبث بصلاته ويوسوس له، كما قال عليه الصلاة والسلام عند أبي داود وغيره: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَصِلْ إِلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ». فتتخذ هذه السُترة تكون بينك وبينها قدرًا ثلاثة أذرع، وأن يكون ارتفاعها لا يقلُّ على ثلُثي ذراع، وما زاد فهو لا بأس به. فهكذا أيها المؤمنون، هذه السُترة فيها فوائد عظيمة، تمنع من يريد المرور بين يديك. وهكذا عباد الله، من الأسباب المُعينة على الخُشوع في الصلاة أن تُطأطِئ رأسك إلى جهة سُجودك، كما قال عليه الصلاة، أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وذكر ذلك العلامة الألباني في «صفة الصلاة»، أنه إذا صلَّى أطأطأ برأسه إلى الأرض، ورمى ببصره إلى موضع سُجوده، فإن ذلك أدعى لأن تجمع فكرك، فلا تلتفت ولا تنظر أمامك مما ربما يُشغِلك أو إلى غير ذلك. فاحرِص على مثلي هذه السُّنَّة النبوية التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من عباده الصالحين الخاشعين القانتين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفِّقنا لما فيه الخير. اللهم عزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الكفرة والمشركين أعداءك أعداء الدين. اللهم من أرادنا وأراد الإسلام بخير فوفِّقه إلى كل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام بسوء فأشغِله في نفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.