الدرس في التعليق على الجواب الكافي 130، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد النص على أهمية حفظ اللسان ومراقبة الكلام، ويحث على التحدث بخير أو الصمت لتجنب الكلام الزائد الذي قد يكون مضرا. يشير إلى أن الأحاديث النبوية تحذر من التكلم فيما لا يعني أو التسرع في الحكم على الآخرين.
يُنبه الشيخ على خطورة اللسان ويحث على محاسبة النفس على الكلام، مستشهدًا بأقوال السلف الصالح وآيات القرآن الكريم التي تُبين أن كل كلمة تُلفظ تُحاسب عليها العبد يوم القيامة. يُشدد على أن حفظ اللسان من علامات حسن الإسلام.
ذكر أن اللسان له آفتان عظيمتان هما آفة الكلام وآفة السكوت، وأشار إلى أنه سيتناول هذا الموضوع في درس لاحق. يُعتبر هذا الإشارة بمثابة تمهيد للحديث عن كيفية التعامل مع هاتين الآفتين.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الخيرم رحمه الله في كلامه على اللفظات، وأن الواجب على المسلم أن يحفظ لفظاته ولا يتكلم إلا بخير: «إن العبد لا يتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات». وأيضا يراقب كلامه. لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». قالوا: في جامع الترمذي أيضا من حديث أنس، قال: توفي رجل من الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وتدري لعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه». فهذا الحديث قلنا: إنه لا يصح. قال: في لفظ أن غلاما استشهد يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه، وقالت: تهنئا لك الجنة يا بني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره». وأيضا هذا الحديث لا يصح. من طريق لعمش عن نس، قال: لعمش لم يسمع من نس، وإنما رآه رؤية. وكذلك يحيى بن يحيى بن يعلى أيضا في ضعف يحيى بن يعلى الأسدي، فالحديث لا يصح بكل اللفظين. لكن صح أن النبي عليه الصلاة والسلام في البخاري، لما قالت بعض النساء لما مات الصغير، قالت: هنيئا له الجنة. قال: «وما يدريك». وكذلك في حديث أم العلاء، أنه قالت: طار لنا عثمان بن مضعون، ثم توفي. طار لنا فرط، من قسمتنا لما أخر نبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، فكان من قسمتهم عثمان بن مضعون، ثم توفي رضي الله عنه. فقالت هذه المرأة: هنيئا له الجنة، لما تعلم من ما كان عليه من عبادة وطاعة لله عز وجل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وما يدريك». لما قالت: هنيئا لك الجنة، فقال: «وما يدريك». فقال: «فلا أدري، لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم». فعن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا أدري، لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم». وهذا الحديث في البخاري، حديث أم العلاء. لكن هذا الحديث كما قال العلماء هو قبل نزول سورة الفتح، فأعلم الله عز وجل نبيه أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. وهذا الحديث قبل ذلك، لأنه قال: «لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم». فمن ناحية هذا له شاهد. لكن المؤلف هنا أراد أن يستدل به في قوله: «لعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه». فوجهه تشاهد لا يصح. لكنه قد صح في أحاديث كثيرة كما سيأتي. قالوا: في الصحيحين من الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وفي لفظ لمسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت». وهذا كما قال في مسلم الرواية الأولى في الصحيحين. قالوا: ذكر الترمذي: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». وهذا الحديث حصل فيه خلاف بين العلماء في ثبوته. والصحيح أنه من حديث الزهري عن علي بن الحسين، وعلي بن الحسين تابعي وليس بصحابي. علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب هو الذي لقب بزين العابدين، فلهذا رواه الزهري. الصحيح أنه رواه الزهري عن الحسن بن علي أو علي بن الحسين، فهو مرسل. فهو حديث مرسل. وهذا الذي رجحه الإمام ابن رجب في جامع العلوم والحكم. لكن الحديث معناه صحيح: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». قالوا: عن سفيان بن عبد الله الثقفي، قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم». قال: قلت يا رسول الله ما أخاف ما تخاف علي. قال: فأخذ بلسانه نفسه ثم قال هذا. وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم. قالوا: عن أم حبيبة زوج النبي عليه الصلاة والسلام عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر وذكر الله عز وجل». قال الترمذي: حديث حسن. وهذا لا يصح. خرجه الترمذي وابن ماجه، لكنه في إسناده ضعف. قد ضعفه الشيخ الألباني رحمة الله عليه. قال: في حديث آخر: «إذا أصبح العبد فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فإنما نحن بك، لعل معنى تكفر اللسان عندكم معقد». تكفر أو تذكر. اللسان قال: «اتق الله فإنما نحن بك، فإذا استقمت استقمنا وإذا عوجت عوجنا». وهذا الحديث لا بأس به. صححه الشيخ. قال: وقد كان بعض السلف يحاسب نفسه في قوله يوم حار ويوم بارد. ولقد رؤي بعض الأكابر أنه يقول: ما لي في يوم حار أو في يوم بارد. كأنه يشتكي. أن يقول: ما هذا اليوم يوم حار، فكأنه شكوى على الله. وهذا ما ينبغي للمتقي والورع والذي أيضا يخاف الله عز وجل أن يقول مثل هذه الكلمات. لهذا كان السلف يحاسبون أنفسهم حتى على مثل هذه الكلمات. قالوا: لقد رؤي بعض الأكابر من أهل العلم في النوم بعد موته، فسئل عن حاله، فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها. قلت: ما حوج الناس إلى غيث. فقيل له: وما يدريك. أنا أعلم بمصلحة عبادي. أنه قال هذه الكلمة: ما حوج الناس إلى غيث. فقيل له: وما يدريك أن الناس أحوج لهذا. فالله عز وجل أعلم بمصلحة عباده جل وعلا. قال: وقال بعض الصحابة لخادمي يوما: هاتي للسفرة نعبث بها. ثم قال: استغفر الله، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا أختمها وأزمها إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام. وهذا كله من المحاسبة. قال: جاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. قالوا: كما قال: وشر حركات الجوارح حركة اللسان، وهي أضرها على العبد. أن تضره من ناحية إخراج الكلمات التي تسخط الله. وتضره كذلك أيضا إذا استخدمها في التكبر. الكلام الذي يكون فيه تكبر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم جاء عنه في حديث أنه مثل بعض الناس مثل البقر تخرج لسانها. وهذا يخرج لسانه ويتبطر الناس ويتكبر. لهذا جاء في حديث عبد الله بن مسعود: «لعن الله المتشدقون والمتفيهقون والمتكبرون». فقالوا: قد عرفنا ما المتشدقون، فما المتفيهقون. فالنبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن هؤلاء المتفيهقون الذين يتكلمون بالباطل على أهل التكبر. قال: وقال بعض السلف: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا». واختلف السلف والخلف هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط على قولين. ظهرهما الأول. لهذا جاء عن ابن عباس يقول: «حتى الضحكة». لما جاء في قول الله عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾. فقال ابن عباس: «حتى الضحكة». حتى عندما يضحك الإنسان، فليس فقط في اللفظ، فالضحكة تعتبر أيضا داخل في الكلام. وقال بعض السلف: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من ذكر الله وما والاه». وكان الصديق رضي الله عنه يحبس بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد. والكلام أسيره، فإذا خرج من فيك سرت أنت أسيره. على الكلمة تملكها، لكن إذا خرجت هي التي تملكه. فإذا كانت أسيرتك، ثم إذا خرجت صرت أنت أسيرها. قال: قال الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قالوا: في اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى. آفة الكلام وآفة السكوت. لعل هذا إن شاء الله نتركه في درس الأحد. والله تعالى أعلم. شكرا.