الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 23، ألقاها
يناقش قسوة قلوب أهل الكتاب وتحذير المسلمين من التشبه بهم، موضحا أن قسوة قلوبهم أدت إلى تحريف الكلم ونسيان حظا مما ذكروا به. كما يشير إلى وجود هذه الصفات في بعض علماء المسلمين الذين فسدوا.
يتناول مخاطر تحريف الكلم عن مواضعه ونسيان حظ النفس من العلم النافع، وينتقد أهل البدع الذين يحرفون نصوص الكتاب والسنة. كما يشير إلى أصل إطلاق لفظ 'الحشوية' على أهل السنة من قبل المعتزلة.
ينتقد القصاص وأهل الرأي ويحذر من اتباعهم ومن الحيل على الربا مثل بيع العينة، ويشير إلى أن هدف العلم الشرعي يجب أن يكون العمل بما علم والانتفاع به.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام رجب رحمه الله في رسالته «فضل علم السلف على علم الخلف»: فصلٌ في بيان حال أهل الكتاب. قال لي: تدبر ما ذم الله به أهل الكتاب من قسوة القلوب بعد إتيانهم الكتاب ومشاهدتهم الآيات، كإحياء القتيل المضروب ببعض البقرة، في قول الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآيات في قصة البقرة، وكيف أن الله عز وجل أحياها لهم، أحيا لهم الميت الذي ضرب ببعضها ونطق وتكلم بمن قتله، ثم مات. الله رأوا ذلك بأعينهم، ومع ذلك قسَت قلوبهم. قال: ثم نهينا عن التشبه بهم في ذلك، فقيل لنا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ وهذه الآيات كان نزولها قريبا من إسلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: لم يكن بين نزول أو بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله إلا سنتين أو أربع سنين، إلا أربع سنين كما في صحيح الإمام مسلم. قال: وبينا في مواضع أخر سبب قسوة قلوبهم، فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ فأخبر أن قسوة قلوبهم كانت عقوبة لهم على نقضهم ميثاق الله، وهو مخالفتهم لأمره وارتكابهم نهيه بعد أن أخذت عليهم مواثيق الله وعهوده ألا يفعلوا ذلك. قال ابن كثير رحمه الله: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ أي أبعدناهم عن الحق وطردناهم عن الهدى. قال: ثم قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قال: فذكر أن قسوة قلوبهم أوجبت لهم خصلتين مذمومتين، إحداهما تحريف الكلم عن مواضعه، والثاني نسيانهم حظا مما ذكروا به. فأورث لهم قسوة القلوب تحريف الكلم عن مواضعه، سواء كان تحريفا لفظيا أو معنويا، فالتحريف اللفظي كتحريفهم أمر الله جل وعلا لهم بقول «حطة» فقالوا «حنطة». والتحريف المعنوي تحريف ما أمر الله سبحانه وتعالى به وما أوجبه جل وعلا عليهم بتأويله بغير مراده وغير المقصود منه. قال ابن كثير رحمه الله: فسدت فهومهم، وساءت تصرفاتهم في آيات الله جل وعلا، وتأولوا كتاب الله على غير ما أنزله وحملوه على غير مراده. قال: والثاني نسيانهم حظا مما ذكروا به، أي تركوا العمل بما أمرهم الله سبحانه وتعالى وأهملوا ذلك رغبة عنه. قال: والمراد تركهم وإهمالهم نصيبا مما ذكروا به من الحكمة والموعظة الحسنة، فنسوا ذلك وتركوا العمل به وأهملوه. وهذان الأمران موجودان في الذين فسدوا من علمائنا لمشابهتهم أهل الكتاب، أي تحريف الكلم ونسيان حظا مما ذكروا به، كما وجد في أهل الكتاب كذلك وجد في بعض هذه الأمة. قال: أحدهما تحريف الكلم، فإن من تفقها لغير العمل يقسى قلبه، فلا يشتغل بالعمل بل بتحريف الكلم عن مواضعه، وصرف ألفاظ الكتاب والسنة عن مواضعها، والتلطف في ذلك بأنواع الحيل اللطيفة من حملها على مجازات اللغة المستبعدة ونحو ذلك، يعني حمل دلالات الألفاظ الدالة على المعاني الصحيحة على غير مرادها، زعما أن هذا من مجاز اللغة، فيؤولون مثلا صفة اليد بأن مراد بها القدرة والرحمة إرادة العطف، وهكذا ماذا غير ذلك من الآيات التي حرفوها وبدلوها. قال: والطعن في ألفاظ السنن حيث لا يمكنهم الطعن في ألفاظ الكتاب، بربما حرفوا اللفظ كما فعل الجهمية في تحريفهم الاستواء إلى الاستيلاء، فزادوا اللام كما زاد اليهود النون في قولهم «حنطة». قال: حيث لا يمكنهم الطعن في ألفاظ الكتاب، ويذمون من تمثل بالنصوص، يعني من تمسك بها وأجراها على ظاهرها واستدل بها. قال: وأجراها على ما يفهم منها ويسمونه جاهلا أو حشويا، وهذه من الألفاظ الذي أطلقها أهل البدع من المعتزلة ومن كان على شاكلتهم على أهل السنة. وأول من أطلق هذا اللفظ أول من أطلق هذا اللفظ على أهل السنة بل على الصحابي الجليل عبد الله بن عمر، ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عمر بن عبيد المعتزلي أطلق هذه اللفظة عليه لتمسكه بالسنة كما ذكر ابن القيم رحمه الله في النونية. والحشو هو الشيء الذي لا فائد فيه ولا منفعة منه، فهم يصفون أهل السنة بذلك بمعنى أنهم لا فائدة فيهم ولا كذلك منفع فيهم وأتباعهم من المعتزلة يطلقون هذا اللفظ ويريدون به أن أهل السنة يثبتون صفة العلول الله جل وعلا وأنه جل وعلا في السماء، فيقولون جعلوا الله جل وعلا في ظرف، لأن في ظرفية، فقالوا هم حشوية لأنهم جعلوا الله جل وعلا ماذا حشوا أو داخل الكون، وهذا لا شك أنه قول باطل، ولا يقول به أهل السنة، ولا كذلك أيضا غيرهم ممن له عقل أن يصف الله عز وجل بهذا الوصف، يجعل المخلوقات تحيط به، بل هو جل وعلا أعلى المخلوقات سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يقول: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وهو جل وعلا ماذا السماوات والأرض كحلقة ماذا في يد أحدنا، والله عز وجل أعظم من ذلك. قالوا: هذا يوجد في المتكلمين في أصول الديانات وفقهاء أهل الرأي، وفي صوفية الفلاسفة والمتكلمين، يعني في أهل الكلام من المشاعر والمعتزلة والجهمية ومن كان على شاكلتهم، ومن الفلاسفة الذين جروا على هذا المنوال من تحريف نصوص الآيات وصرفها عن ظاهرها وتأويلها، ثم الطعن في أهل السنة بأنهم حشوية أو بأنهم مجسمة أو بأنهم كذا وكذا إلى آخر ذلك من الألقاب التي يريدون بها تشويههم بسبب تمسكهم بالكتاب والسنة. قال: والثاني نسيان حظ مما ذكروا به من العلم النافع، فلا تتعظ قلوبهم، بل يذمون من تعلم ما يبكيه ويرق به قلبه، ويسمونه قاصا. والقاص إذا كان المراد من يعظ الناس ويذكرهم بما صح من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهذا أمرٌ محمود، هذا أمرٌ محمود. وأما من يريد أن يغرر بالناس، يغرر بالناس، وكذلك أيضا يريد منهم أن يلتفوا حوله وأن يتأثروا به ويتعلقوا به، فياتي بالقصص الضعيفة أو الموضوعة والأحاديث كذلك الضعيفة، فياتي فيقص على الناس ويعظهم، فهؤلاء القصاص الذين ذمهم أهل العلم وذموا طريقتهم، فصارت هذه الطريقة من الطرق المحدثة التي لم يكن عليها السلف رحمهم الله. ولهذا قال الحسن رحمه الله: القص بدعة. وقال الإمام أحمد رحمه الله: أكذب الناس القصاص، أكذب الناس القصاص، لأنهم ماذا لا يهتمون باتباع ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، بل يذكر الحاديث الضعيفة والمكذوبة والقصص ربما الموضوعة لأجل ترغيب الناس، لأجل ترغيب الناس، وقذلك أيضا وعظهم، فهذا ذمه السلف رضوان الله تعالى عليهم. قال: وينقل أهل الرأي في كتبهم عن بعض شيوخهم أن ثمرات العلوم تدل على شرفها، فمن اشتغل بالتفسير فغايته أن يقص على الناس ويذكرهم، ومن اشتغل برأيهم وعلمهم فإنه يُفتِي ويقضي ويحكم ويدرِّس. وهؤلاء لهم الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون. ويريد بذلك أن من جعل غاية همه في العلم هو مجرد أن يحدِّث الناس وأن يقص على الناس وأن يذكر الناس، ثم هو لا ينتفع بذلك ولا يكون همه إحياء قلبه، وكذلك أن يكون في قلبه الخوف والخشية من الله جل وعلا والعمل بما علم من العلم، بل مجرد التحديث بما علم، وهذا لا شك أنه ليس هو المقصود من العلم، بل المقصود هو أن تنتفع به أنت أولا، فتعمل بما علمت وتحيي قلبك وتصلح جوارحك وتحسن أعمالك، ثم بعد ذلك ماذا تنصح الناس وتحثهم وترغبهم على الإقبال على هذا الخير. قال: والحامل لهم على هذا شدة محبتهم للدنيا وعلوها، ولو أنهم زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ونصحوا أنفسهم وعباد الله ليتمسكوا بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، وألزموا الناس بذلك، فكان الناس حينئذ أكثرهم يخرجون عن التقوى، فكان يكفيهم ما في نصوص الكتاب والسنة، ومن خرج منهم عنهما كان قليلا. فكان الله يقيض من يفهم من معاني النصوص ما يرد به الخارج عنهما إلى الرجوع إليهما، ويستغني بذلك عما ولدوه من الفروع الباطلة والحيل المحرمة التي بسببها فتحت أبواب الربا وغيره من المحرمات، وستحلت به محارم الله بأدنى الحيل، كما فعل أهل الكتاب. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحل ما حرم الله بأدنى الحيل» باستخدام الحيل الباطلة والحيل المحرمة التي توصل الإنسان للوقوع فيما حرم الله جل وعلا، كحيلة التحليل، حيلة التحليل إذا طلقت المرأة ثلاثا وصارت بائنة وحرمت على زوجها، يستخدم طريقة التحليل بتزويدها بالتيس المستعار، شخص لا يريد الزواج لكن يتفق مع زوجها الأول على أن يتزوجها فيدخل عليها ليلة ثم يطلقها بعد ذلك حتى تحل لزوجها الأول، هذا من الحيل المحرمة التي وقع فيها من وقع من هذه الأمة. وأكد الحيل على تحليل الربا كحيلة بيع العينة التي يشتري فيها الإنسان السلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها نقدا بثمن أقل، يبيعها للبائع بثمن أقل نقدا، فيبقى عليه الدين مسجل بالثمن المؤجل، يشتريها مثلا بعشرة آلاف ثم يبيعها نقدا بتسعة آلاف، فيأخذ الثمن وهو تسعة آلاف، يبقى عليه مسجل كم؟ عشرة آلاف، كأنه أعطاه تسعة ورد له عشرة، هذا تحايل على الربا، وغير ذلك من أنواع الحيل التي ماذا يقع فيها من يقع من الناس في استحلال ما حرم الله جل وعلا. قال: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وبهذا نكون انتهينا من هذه الرسالة المباركة النافعة، نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بها. إلى هنا صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.