الدرس في شرح رسالة فضل علم السلف على علم الخلف 8، ألقاها
نبه الإمام رجب على أهمية الاقتصار في العلوم على ما ينفع وتحذيره من التوسع في العلوم الدنيوية المحدثة. هذه العلوم المحدثة التي توسع فيها الناس بعد الصحابة هي بدعة ومن محدثات الأمور المنهي عنها.
يُنذر من الخوض في علوم الكلام والقدر، حيث ينتهي الأمر بأهلها إلى الندم والتحسر. المعتزلة خاضوا في الكلام في القدر وضللوا عن منهج السلف.
المقطع يشرح حديث "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا" ويبين معناه ودلالته على الامتناع عن الخوض في أحاديث قد تثير الفتنة. يذكر ثلاثة أمور يجب الامتناع عن الخوض فيها.
يتم ختام الدرس بالإشارة إلى أن هناك مزيدًا من التفاصيل حول المسألة المطروحة سيأتي في درس لاحق. يتم الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام رجب رحمه الله: قال علم الحساب، وكذلك علم الحساب يحتاج منه إلى ما يعرف به حساب ما ينفع من قسم الفرائض والوصايا والأمور التي تقسم بين المستحقين لها، والزائد على ذلك ما لا ينتفع به إلا مجرد رياضة الأذهان وصقالها، لا حاجة إليه، ويشغل عما هو أهم منه. فنبه رحمه الله كذلك أن من العلوم التي ربما إذا توسع فيها الإنسان خرج عن مقصد النفع علم الحساب، فهو يحتاج إليه بقدر ما يتعلم منه قسم الفرائض والوصايا. لأن علم الفرائض منه ما هو فقه مواريث، عبارة عن أحكام ومعرفة من يرث ومن لا يرث وشروط إرثه إلى آخر ذلك، ومنها ما هو علم حساب في قسمة المواريث، كالمناسخة والتداخل والتماثل والتوافق، هذه عمليات حسابية. فيحتاج طالب العلم إلى معرفة هذه الأمور من علم الحساب حتى يستطيع فهم الفرائض وقسمة المواريث. فهذا القدر يعني ينتفع به ويهتم به طالب العلم معرفة الضرب والقسمة والكسور الاعتيادية والعشرية ونحوها من مثل هذه الأمور يهتم بها طالب العلم. والزيادة على ذلك يعني التوغل في علم الحساب هذا من الأمور التي لا ينتفع بها وتشغل عما هو أهم. فلذلك نبه رحمه الله على هذا الأمر أن يأخذ طالب العلم من علم الحساب ما يستعين به على فهم مسائل الفرائض وكيفية قسمتها والتعامل معها، ولا يتوسع فيما عدا ذلك، لأنه يذهب بالأوقات ويشغل عما هو أهم منه. وربما يعني اشتغل في علم الحساب ورياضة الأذهان فينشغل بشيء مما يضر، كحال أهل الفلسفة الذين توغلوا في هذه الأمور واشتغلوا بهذه الرياضات الذهنية، فوقعوا في الفلسفة والضلال والخوض في باب الكلام، مما كان سببا في بعدهم عن الأحكام الشرعية وعن السنن والوقوع في هذه الأمور المحدثة. قال العلوم المستحدثة، قال: وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالما بها فهو جاهل أو ظالم، فكلها بدعة، وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. هناك علوم أحدثت بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يتكلم فيها الصحابة ولم يعلموها، فجاء أولئك القوم فتكلموا بها وخاضوا فيها وتوسعوا فيها، وجعلوها من العلوم التي ينبغي الاهتمام بها، وهي أمور محدثة كعلم الكلام وعلم الفلسفة، ومنه علم المنطق والطبيعة والهيئة وغير ذلك من العلوم المحدثة التي ما عرفها الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فمثل هذه العلوم يحذر منها وأهلها أنفسهم الذين خاضوا فيها قد ندموا في آخر أمرهم، وذكروا ما حصل لهم من التحير وما حصل لهم من الشكوك والريب. كما يقول قائلهم: لعمري لقد تفلت المعاهد كلها، وصيرت طرفي بين تلك المعالم، فلم أر إلا واقعا واضعا كف حائر على ذقن، أو قارعا سن نادم. هذا حال أهل الكلام، حالهم أن آخر أمرهم ونهايتهم هو الندم والتحسر. وبعد ذلك من وفق منهم رجع إلى مذهب السلف، رجع إلى مذهب السلف، كما يقول الرازي رحمه الله بعد أن خاض في علم الكلام، قال في آخر أمره: وها أنا ذا أموت على عقيدة عجائز نيسابور، يعني على الفطرة التي هم عليها. فكان آخر أمرهم الرجوع إلى مذهب السلف ممن وفق منهم لذلك، وبينوا خطورة ما خاضوا فيه وضلال من خرطوا فيه من علم الكلام. قال الكلام في القدر، قال: فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة في الكلام في القدر وضرب الأمثال لله. يعني من العلوم المحدثة ما فعله المعتزلة من الخوض في الكلام في القدر. والمعتزلة فرقة من فرق الإسلام الضالة التي خالفت منهج السلف في كثير من مسائل الاعتقاد، وهي تنسب إلى مؤسسها واصل بن عطاء الذي كان يحضر مجلس الحسن البصري. ثم سئل الحسن البصري رحمه الله عن صاحب الكبيرة، فقال: واصل بن عطاء هو في منزلة بين المنزلتين، يعني ليس بمؤمن ولا كافر. ثم اعتزل مجلس الحسن، وسمي بعد ذلك بالمعتزلة، كون له جماعة وأتباع، فسموا بالمعتزلة. ومن أصول المعتزلة خمسة أصول عندهم، أصول خالفوا بها أصول أهل السنة التي ذلت عليها الكتاب والسنة، فعندهم أصول محدثة. وهذه الأصول هي التوحيد والعدل وإنفاذ الوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه خمسة أصول للمعتزلة. التوحيد وأرادوا به نفي الصفات، أرادوا به نفي الصفات، فإن من عقيدة المعتزلة أنهم يثبتون الأسماء وينفون الصفات. والعدل وأرادوا به نفي القدر، وهذه المسألة التي يشير إليها المؤلف رحمه الله. قال: وقد ورد النهي عن الخوض في القدر، وفي صحيح ابن حبان والحاكم عن ابن عباس مرفوعا: «لا يزال أمر هذه الأمة موافقا أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر». وقد روي موقوفا، ورجح بعضهم وقفه. هذا الحديث صاحب الشيخ الألباني رحمه الله في الصحيحة، وهكذا أيضا في صحيح الجامع. وفيه نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن الخوض في القدر، وأن أمر هذه الأمة لا يزال موافقا أو مقاربا، يعني مجتمعا وظاهرا وقويا، ما لم يتكلموا في الولدان والقدر. أما المراد بالولدان، فقال المناوي رحمه الله في فيض القدير: قال: وَأَمَّا وِلْدَانٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ، هل هم في النار أو مع آبائهم، يعني هل يلحقون بآبائهم فيكونوا من أهل النار أو لهم حكم آخر. قال: ومثل هذا قال به أبو حاتم رحمه الله، أن المراد بقوله ما لم يتكلموا في الولدان، أي في أولاد المشركين والخوض في مسألتهم. قال: أو في الجنة، ويحتمل أن المراد البحث عن كيفية حال ولدان الجنان، يعني كما جاء في الحديث الصحيح في ذكر أولاد الجنة أن أولادا في الجنة، يعني الخوض في صفتهم وفي كيفياتهم إلى آخر ذلك. فيقول: على المراد بهذا. قال: ويحتمل أنه كناية عن اللواط، ولم أر في ذلك شيئا. فذكر رحمه الله هذه الثلاث الاحتمالات في المراد بالولدان في هذا الحديث. قال: وخرج البيهقي من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر أصحاب النجوم فأمسكوا». وقد روي من وجوه متعددة، وفي أسانيدها مقال، يعني فيها ضعف. وفي بعض الروايات بعد قولي: وإذا ذكر أصحاب النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا. وأظن أن هذا هو الشاهد من ذكر الحديث في هذا الباب، ذكر هذه الرواية واللفظة الأخيرة من الحديث: وإذا ذكر القدر فأمسكوا. لكن في النسخة التي عندنا ما فيها هذه اللفظة، الله أعلم هل سقطت من النسخة ومن الطباعة؟ فالمهم أن هذا الحديث روي عن عدة من الصحابة كابن مسعود وثوبان وابن عمر، وكذلك أيضا روي عن طاوس مرسلا، كلها بأسانيده ضعيفة. وصحح شيخ الألباني رحمه الله بمجموع طرقها، صححها بمجموع الطرق، كما في الصحيحة في رقم 35. فيكون هذا الحديث فيه الأمر بالسكوت عن الخوض في الصحابة رضي الله عنهم إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، يعني عن الكلام فيهم وعن ذكر مساوئهم. فالواجب على المسلم أنه يمسك ويذكر الصحابة بالفضل والإحسان والثناء عليهم والترضي عنهم. وإذا ذكر أصحاب النجوم فأمسكوا، كذلك عدم الخوض في باب النجوم، علم النجوم كما مر معنا في السابق في الأبواب التي قد مضت. وإذا ذكر القدر فأمسكوا، إذا ذكر القدر فأمسكوا عن الخوض فيه، لأنه كما سيأتي باب القدر باب غيبي وأمر اختص الله سبحانه وتعالى بعلمه. فينبغي للمسلم أن لا يخوض في باب القدر ولا يدخل فيه عقله ولا يدخل فيه رأيه، بل ينبغي أن يسلم، وأن كذلك يؤمن بقضاء الله جل وعلا وقدره. وسيأتي زيادة كلام إن شاء الله على هذه المسألة فيما بعد ذلك، ويكون إن شاء الله في درس سابق. نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.