شرح كتاب لم الدر المنثور 15

الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 15، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

فضل العلم والعلماء وضرورة التفقه في الدين

يؤكد المقطع أن العبادة بلا علم تؤدي إلى الضلال وسفك الدماء، بينما العلم النافع يحجز عن الخروج على الأمة. العلماء حكام على الملوك وأرحم بالناس من الآباء، لأنهم يهتدون بهم إلى نجاة الآخرة، وهم كنجوم السماء يهتدى بهم في ظلمات البر والبحر.

فضل العلم والعلماء ووجوب طلب العلم

يشبه المتحدث النجوم التي يهتدي بها البحارة بالعلماء الذين يرشدون الناس في ظلمات الفتن، ويؤكد أن العلم يرفع صاحبه درجات في الدنيا والآخرة. كما ينقل فتوى الإمام أحمد بتقديم طلب العلم على الجهاد للجاهل، ويبين أن طلب العلم فريضة على كل مسلم لتصحيح عباداته، وأن التفقه يحتاج إلى أستاذ مرشد.

أهمية التلقي عن العلماء والتواضع في طلب العلم ودور العلماء في دفع الفتن

يؤكد المقطع ضرورة طلب العلم من العلماء مع التواضع، مستشهدًا بأقوال السلف في الأخذ عمن فوقهم ومثلهم ودونهم، ويبين أن العلماء هم أطباء القلوب الذين يعالجون أمراضها بالوحي، محذرًا من العمل بغير علم الذي يؤدي إلى الفتنة، وخاتمًا بقول الحسن البصري أن العلماء يعرفون الفتنة عند إقبالها بينما لا يعرفها الجهلاء إلا عند إدبارها.

فضل لزوم غرز أهل العلم وثبات أهل السنة

يشيد المقطع بأهل السنة الذين تمسكوا بمنهج العلماء ولزموا غرزهم، فبقيوا ثابتين على الكتاب والسنة رغم الفتن. ويعد ذلك من فضل الله عليهم ومنزلة العلماء في الأمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المؤلف حفظه الله تعالى في "لمع الدر المنثور من القول المأثور" في باب العلم وفضله وأهله: قال مالك بن أنس رحمه الله: "إن أقوامًا ابتغوا العبادة وأضاعوا العلم، فخرجوا على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأسيافهم، ولو ابتغوا العلم لحجزهم عن ذلك". وهذا كلام سديد رصيل من الإمام مالك رحمه الله في مثل أولئك الذين ابتغوا العبادة عن غير علم، ضيعوا العلم النافع، فمنهم قارئ، ومنهم مصلي، ومنهم صائم، إلى غير ذلك، كما في صفات الخوارج التي تقدم ذكرها معنا في الأبواب السابقة، كيف وصفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالاجتهاد في العبادة، ومع ذلك لم تمنعهم هذه العبادة عن ماذا؟ عن ارتكاب سفك الدماء والخروج وشق عصا الطاعة. فهذا مما يؤسف له، ولهذا الإمام مالك رحمه الله تعالى يقول: إن هؤلاء الذين ابتغوا العبادة عن غير علم، وتركوا العلم النافع، كانت نتيجة ذلك ومآلهم أنهم خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو أنهم جلسوا وتفقهوا في دين الله جل وعلا، وأخذوا العلم عن العلماء، لمنعهم هذا العلم من الخروج، ومن كذلك سفك دماء المسلمين. ثم قال: قال أبو الأسود الدؤلي رحمه الله: "ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك". أي أن الملوك يرجعون إلى أهل العلم، يستفتون أهل العلم، والناس جميعًا يحتاجون إلى العلم، كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "يحتاجون إليه بعدد أنفاسهم". وحاجة الناس إلى الطعام والشراب وغيرها من متاع الدنيا قليلة، ربما تكون مرة أو مرتين، أو على حسب الحاجة، لكن العلم النافع يحتاج إليه كل الناس، فالعلماء هم السادة، وهم الذين أيضًا يكونون قادة على الملوك أيضًا، لأن الملوك يحتاجون إلى أهل العلم ليقوموا أمورهم التي يحكمون بها بين الناس. قال يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله: "العلماء أرحم بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من آبائهم وأمهاتهم". قيل له: كيف ذلك؟ قال: "لأن آباءهم وأمهاتهم يحفظونهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة". هذا كلام صحيح، العلماء أشفق، العلماء أرحم وأرحم الناس على الإطلاق هو نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن الله عز وجل زكاه وقال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾، فتعامله عليه الصلاة والسلام بالآداب والأخلاق، وتعامل بالشريعة مع الناس، هذا يدل على رحمته عليه الصلاة والسلام وشفقته بأمته، والعلماء يكونون أرحم كذلك بالأمة إذا اكتسبوا ذلك من فعل النبي عليه الصلاة والسلام وأقواله، يعني إذا استنوا به وأخذوا العلم النافع، فإنهم يتشفقون ويرحمون هذه الأمة. فالناس محتاجة إلى العلماء، فهم أكثر رحمة من الآباء، وكما قال: الآباء والأمهات إنما يمنعون أبناءهم من نار الدنيا، من نار الدنيا، ومن أمور الدنيا يحفظونهم منها، إلا من كان متأسيا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فإن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾، فالآباء والأمهات مسؤولون على أبنائهم، مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى أن يقوهم تلك النار، لأن الأبناء يحتاجون إلى رعاية، ويحتاجون إلى توجيه، يحتاجون إلى نصح، فلا يتركونهم هملا يرعون هكذا في الشوارع بدون إرشاد وبدون نصائح وتوجيهات، فالأبناء يحتاجون من آبائهم ذلك، فعلى الآباء والأمهات أن يتسلحوا بسلاح العلم، تزودوا من العلم النافع، حتى يكون النصح الذي يوجهونه نصحًا سديدًا، نصحًا في محله، وتوجيهًا في محله، فيوجهونهم على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والعلماء يقومون بهذا الواجب العظيم للأمة جمعاء، للأمة جمعاء، ليس فقط لأبنائهم وذويهم، وإنما ينصحون ويوجهون الناس بالبعد عن الشرك، وبالبد عن البدع، وبالبد عن الفتن والمعاصي، وهذا كله حفظ لهذه الأمة من الوقوع في نار الآخرة، عياذا بالله. قال الحسن البصري رحمه الله: "لولا العلماء لصار الناس مثل البهائم". يعني البهائم هكذا ترعى بدون قائد في أي مكان، فإذا كان لها قائد توجهت في السير وفي الرعي، والناس أشد حاجة لمثل هذا، يعني إلى تنظيم أمورهم، وتنظيم الأمور هذه الدنيوية تكون لولاة أمرهم ينظمون حياتهم المعيشية، لكن أمور الآخرة هذه يحتاجون إلى العلماء فيها، يوجهونهم وينصحونهم بالسير الطيب في حياتهم الدنيا حتى يلقوا ربهم سبحانه وتعالى. ثم قال: قال أبو مسلم الخولاني رحمه الله: "العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا بدت للناس اهتدوا بها، وإذا خفيت عليهم تحيروا". وتشبيههم بالنجوم قد جاء به الأثر، أنهم مثل النجوم، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «أنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد». فالعلماء بمثابة الأمنة، وبمثابة النجوم في السماء للاهتداء، والله عز وجل جعل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وهذا أمر مشاهد وواقع، الذين يذهبون مثلًا في البحار في الليل يضلون الطريق إلا إذا كان هناك نجوم، فيعرفون به البر بالنجم الفلاني، يسيرون عليه، وعندهم خبرة في ذلك. قد أخبرنا بعض إخواننا الذين يركبون البحر أنهم ربما بقوا إلى الليل، ومع ذلك يخرجون إلى البلاد، كيف يخرجون إلى البلاد وليس هناك أي شيء، لا دليل؟ يقولون: إلا النجوم، فيقولون: ننظر في السماء فنرى النجوم، فنعرف مكان البلاد بالنجم الفلاني، ينظرون إليه ويجعلون اتجاه المركب الذي يركبونه باتجاه النجم الفلاني، فيسيرون عليه ساعات طويلة، يسيرون عليه ساعات طويلة، وبعد ذلك يصلون إلى المكان الذي أرادوا، ويعرفون أن هذا النجم يؤدي إلى المكان الفلاني، وهذا النجم يؤدي إلى البلاد الأخرى. فهذا ما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه الكريم، أنه قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾. والعلماء الناس يهتدي بهم من ظلمات الفتن، ومضلات الفتن، ونزغات الشياطين، وغير ذلك من الأمور التي تحصل بين الناس، فهم الذين يوجهونهم ويرشدونهم إلى الصراط المستقيم. فحاجة الناس إلى العلماء شديدة، لأن المسلم إذا لم يكن لديه علماء ضل، والعياذ بالله، ترى التخبطات تحصل في العالم الإسلامي بسبب عدم أخذهم بنصائح وتوجيهات العلماء الراسخين في العلم. ثم قال: قال وهب بن منبه رحمه الله: "يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنيًا، والعز وإن كان مهينًا، والقرب وإن كان قصيًّا، والغنى وإن كان فقيرًا، والمهابة وإن كان وضيعًا". النبي عليه الصلاة والسلام أخبر كما في صحيح مسلم، حديث عمر: «إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين». يعني فيه ناس ربما ليسوا بسادة في أقوامهم، أو كما يقال ليسوا بذوي حسب في أقوامهم، لكنهم يسودون الناس، ولو لم تكن كذلك عندهم، ماذا عندهم من المال؟ أي فقراء، أو كذلك لم يكن عندهم جمال، حتى ربما يكون عبدًا، يكون عبدًا أسود، لكنه يكون سيدًا، والناس والملوك تنصت إليه وتخضع له لكلامه، كما في حال عطاء بن أبي رباح، أبو محمد المكي، كان يجلس للفتيا، وربما جاء خليفة أو أمير تلك البلاد، وجاء بأولاده، وجلس بين يديه في مواسم الحج، يفتي في الحلال والحرام. عطاء بن أبي رباح كان مولى، وكان كذلك أسود، وكان كذلك أسود، لكنه كان في العلم شيخًا كبيرًا، وكان الناس يجلسون إليه، وكانت له الفتيا في مواسم الحج في مكة، فرفعه الله عز وجل بالعلم النافع. فالعلم يرفع أصحابه، العلم يرفع أصحابه، وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾، فيرفعهم الله في الدنيا، كما يرفعهم أيضًا على غيرهم من الناس في الجنة درجات، فأهل العلم منازلهم ومنازلهم عالية عند الله سبحانه وتعالى، لأنهم أخلصوا لله عز وجل، وقاموا بواجب عظيم، قاموا بواجب عظيم لم يقم به غيرهم، جلسوا للناس وعلموهم ودرسوهم، وصبروا في ذات الله عز وجل، وتحملوا الأذى من الناس، فكم من عالم يتحمل الأذى من أقرانه، ومن كذلك أعدائه، لأنه ليس هناك عالم ليس له أعداء، سيكون هناك أهل أهواء وأهل بدع، فالعالم يحارب الشركيات، وهكذا يحارب البدع والخرافات، ويحارب أهل المعاصي والفجور، فهؤلاء لن يجدوا سبيلًا إلا أن يطعنوا ويتكلموا ويزهدوا في ذلك العالم. وهكذا نواب العلماء وهم طلبة العلم في كل بلاد موجودون، ولله الحمد، الذين أخذوا على أيدي العلماء وتفقهوا في دين الله، لا بد أن يكون لهم أيضًا منغصات، لا بد ما لن يسلموا في سيرهم في حياتهم إلى الله سبحانه وتعالى، وتعليمهم وتدريسهم ودعوتهم، إلا أن يجدوا كذلك من المنغصات في الليل والنهار، في الشهر، في السنة، في السنتين، المهم أن يجدوا لهم من يتكلم فيهم، ومن يطعن فيهم، وغير ذلك، لكن عليهم بالصبر لله سبحانه وتعالى. قال سفيان الثوري ومحمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: "ليس بعد الفرائض أفضل من العلم". وقال المروذي رحمه الله: قيل لأبي عبد الله: "رجل له خمسمائة درهم، ترى أن يصرفه في الغزو والجهاد، أو يطلب العلم؟" قال: "إذا كان جاهلًا يطلب العلم أحب إلي". إذن فتوى الإمام أحمد رحمه الله تقديم العلم على الغزو والجهاد، متى ما كان المرء جاهلًا ويحتاج إلى العلم، وهناك من العلم ما لا يسع الإنسان تركه، يعني أمور لا تصح العبادة إلا بالعلم بها، كأمور الصلاة، أمور كذلك إذا كان عنده زكاة، وأمور كذلك الحج، إذا أراد أن يحج، حتى لا يقع في الخطأ ويفسد تلك العبادة. فمن العلم ما هو فريضة واجب تعلمه على كل مسلم، ومن العلم ما يكون واجبًا كفائيًا، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»، هذا جاء في السنن، وعن أنس رضي الله عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». يعني هناك أمور فرض عين ينبغي للمسلم أن يتعلمها حتى تصح تلك العبادة منه. قال الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة". وهذا قد تقدم معناه عن جماعة من العلماء، أنه أفضل من نوافل العبادات. قال وكيع لأصحاب الحديث: "لو أنكم تفقهتم بالحديث وتعلمتموه، ما غلبكم أصحاب الرأي". ما قال أبو حنيفة في شيء يحتاج إليه إلا ونحن نروي فيه بابًا. ولا بد للمتفقه من أستاذ يدرس عليه، ويرجع في تفسير ما أشكل إليه، ويتعرف منه طرق الاجتهاد، وما يعرف به الصحة والفساد. لا بد للمتعلم المتفقه لا بد له من معلم يرشده إلى الصواب، المعلم له دور، فلذلك لا يصير الإنسان عالمًا كما قال العلماء حتى يأخذ عن ثلاثة: يأخذ عن من فوقه، ويأخذ عن من هو مثله، ويأخذ عن من هو دونه. فإن كان من هو فوقه، فذلك لأنه محتاج إلى علم ذلك الذي هو فوقه وأكثر منه علمًا، وإن كان مع من مثله، فهذا للمذاكرة، وإن كان مع من هو دونه، فهذا تواضع منه، والعلم يحتاج إلى تواضع، حتى لو كان الذي يحدث أصغر منك، أو أقل منك علمًا. فيقول عطاء: "إني والله لأسمع الرجل يتكلم بالحديث، وقد سمعته أو حفظته قبل أن يولد". يعني يكلمني واحد ربما صغير، أو ما عنده ذاك العلم، يحدثني بالحديث، وهذا الحديث عندي قبل أن يولد هذا الشخص، لكنه أدب الاستماع والتواضع لحديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلذلك لا ينبل الرجل، ولا يصير من العلماء، حتى يأخذ عن الثلاثة. فإذا رأيت شيئًا فيه العلم، حتى لو قد سمعته، فإنه يكون ذلك من العلم، يكون ذلك ماذا؟ من التواضع. الزهري رحمه الله، وهو محمد بن مسلم، حدث علي بن الحسين مرة بحديث، فماذا أجابه الحسين بعد ما انتهى؟ قال: "نعم". يعني أيده على هذا، وقال: "هكذا بلغنا وحدثناه". يعني أن هذا الحديث الذي حدثني به قد بلغني هكذا، نعم، هكذا حدثناه. قاله تأييدًا له، قاله تأييدًا له: "نعم، هكذا بلغنا وحدثناه". فقال له الزهري: "قال لعلي: حدثتك بحديث أنت أعلم به مني؟" فقال: "لا تقول ذلك، فليس من العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف". ليس من العلم ما لا يعرف، ولكن العلم هو الذي عرف، وتواطأت عليه الألسن. يعني أنا أقول حديث، يأتي أخي بعد فترة، ويقول نفس الحديث، وأنا قد قلته، وقد قاله قبلي كذا كذا شخص، فالعلم ما تواطأت عليه الألسن، وعرفه الناس، وعرفه الناس. فلما يتكرر الحديث، فهذا أحلى شيء، لأنه إذا تواطأت الناس على هذا الحديث بين العلماء وبين طلاب العلم، فذلك يدل على قوته، وعلى صحته. وهكذا ينبغي علينا أن لا نمل من تكرار العلم، ومن تكرار الأحاديث، فذلك يزيدنا حفظًا، ويزيدنا ثباتًا في معلوماتنا. قال سفيان الثوري رحمه الله: "ويحكم، اطلبوا العلم، فإني أخاف أن يخرج من عندكم، فيصير إلى غيركم، فتذلون. اطلبوا العلم، فإنه شرف عز في الدنيا، وشرف في الآخرة". ثم قال رحمه الله: "الثوري: الأعمال سيئات، والعلماء دواء، فإذا فسد العلماء فمن يشفي الداء؟" الأعمال كلها السيئة تعتبر داء، يعني مرض، فمن يشفي هذه؟ ومن يبين العلاج من الأمراض؟ أمراض القلوب التي تأتي، أمراض الشهوات التي تأتي، والفتن التي تأتي، كل هذه تحتاج إلى علاج، فمن يبين هذا العلاج؟ من يعطينا العلاج من الكتاب والسنة حتى نرتاح، وحتى نشفى من هذه الأمراض؟ الحسد، الغض، الحقد، وغيرها من الأمراض القلبية، القولية، الفعلية، ليس هناك إلا أهل العلم الذين يستشفى بهم بكلامهم، بحديثهم، بنصائحهم، بتوجيهاتهم، يذهب عنك ما في قلبك من مرض. وقال رحمه الله: "مثل العالم مثل الطبيب، لا يضع الدواء إلا على موضع الداء". وقال الحسن: "العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح". فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا. وهذا تأييد أيضًا، فقد جاءت هذه العبارة كما تقدم عن الإمام مالك وغيره، والإمام مالك لعله أخذها من الحسن البصري، مما أثر عن العلماء السابقين. قال المؤلف وهو جمال: "وهذا حال ثوار زماننا، تركوا العلم، فخرجوا على الولاة هنا وهناك، تارة بالتفجيرات، وتارة بالاغتيالات، وتارة بالتهييج بالكلام، حتى يحرشوا العام، ويوغروا صدورهم على الحكام، فتقع الفتنة، وذلك كله بأسباب الجهل بالسنة، أو عدم التطبيق الصحيح، أو عدم فهم مراد الشارع الحكيم". وهذا واقع الآن، كم من تفجيرات، وكم من اغتيالات، اغتيالات للعلماء والمشايخ والدعاة والأئمة، هذا الآن حاصل من أولئك الذين لم يتفقهوا في دين الله عز وجل. ثم قال: زريك بن أبي زريك، سمعت الحسن بن أبي الحسن البصري يقول: "إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل". هذه من الآثار العظيمة عن الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، يقول لك: إن الفتن حال إقبالها لا يعرفها إلا أهل العلم، لهذا أنت تكون على تأنٍ حتى يتكلم العلماء، ولا تسارع بالكلام، وتخوض في الفتنة، فإن ليس لديك من العلم ما يؤهلك للتحليل، وكذلك ما يؤهلك للنظر في الأدلة الشرعية، وما يحصل بين الناس، فأنت تنتظر كلام العلماء، فإذا أدبرت هذه الفتنة عرفها كل جاهل أنها فتنة، وفتن فيها فلان وفلان وفلان وفلان، عياذا بالله. وهذا الآن واقع مشاهد في ماذا؟ في واقعنا المعاصر، كم من فتنة مرت على أهل السنة، والحمد لله، الذين لزموا غرز أهل العلم، كانوا على خير عظيم، وبقوا على ثباتهم، وبقوا على التمسك بالكتاب والسنة، والحمد لله، فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى على أهل السنة، الذين يعرفون قدرًا وشرفًا وفضلًا ومنزلة العلماء في أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا، والحمد لله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم. شكرًا، شكرًا