الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 78، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يحذر الشيخ من الانخداع بأصحاب الأهواء والبدع حتى لو حدثوا بالحديث وأجادوا الخطابة، لأن الباطل قد يزين بحسن العبارة. ويسوق قصة الإمام أحمد مع الحارث المحاسبي دليلاً على تحذير السلف من أشخاص بأعيانهم وكتبهم الضالة.
حضر الإمام أحمد مجلس الحارث المحاسبي فبكى حتى غشي عليه، لكنه في الصباح حذر من صحبتهم لأن كلامهم مزخرف وغير مستند للكتاب والسنة. وهذا يبين عدم الاغترار بأحوالهم الظاهرة مع مخالفتهم لمنهج أهل السنة.
يؤكد المقطع على عدم الجلوس لأهل الأهواء والبدع حتى لو كثر حضورهم أو ظهرت عليهم الخشوع، فالمعيار موافقة الكتاب والسنة. ويضرب مثال الخوارج الذين يقرؤون القرآن ويقومون الليل لكنهم ليسوا على هدى.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء لله أن يفقههم في الدين ويسددهم ويرشدهم. ثم يختم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم قال المؤلف في لمعة الدر المنثور من القول المأثور في الباب الثالث والثلاثين: عدم الاغترار بأهل الأهواء والبدع وإن حدثوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أجادوا الخطابة وشقشقة الكلام، ولا أيضا يغتر ببريق الأسماء. وهذا باب مهم من أبواب العلم، وهو أن المسلم لا يغتر بمن كان حاله من أهل الأهواء والبدع الذين أحدثوا في دين الله عز وجل، واتخذوا الأهواء لهم قائدا وإماما، وإن كانوا يستدلون ويحدثون بحديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان أيضا عندهم فصاحة ويجيدون الخطابة. وأيضا لا يغتر بالأسماء، يعني بأن يقول: فلان هذا مشهور بين الناس، فلا يغتر بذلك ما لم يكن على اتباع، وما لم يكن على سنة. لأن كثيرا من الناس ربما اغتروا بالأسماء، واغتروا أيضا بمن يجيد الخطابة، ويظن أنه على هدى وأنه على سنة، وهو يزين الكلام ويحرف الكلام. وربما تجد عند بعض أهل السنة ليس كذلك، لكنه على خير وعلى سنة، أي لا يجيد مثلا الخطابة ويهز المنابر، وينقي العبارات وسجع القول ونحو ذلك. قد لا تجد عند كثير من أهل السنة ذلك في زخرف القول، فالقول تزين لباطله، والحق قد يعتريه سوء تعبير. الحق قد يعتريه سوء تعبير. فنحذر من أصحاب الشقشقة، وأيضا الذين ينمقون القول ويزينون الباطل، وإن حدثوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم. وكما ذكرنا لكم سابقا قول شيخنا مقبل رحمه الله تعالى في تعريف الحزب: هو الذي يدعوك إلى فكرته، وقد يستدل بالكتاب والسنة، ولكن يستدلوا بهما ماذا يستدلوا بهما؟ لأجل فكرته، لأجل الفكرة التي هو عليها. لهذا نحذر من هؤلاء الحزبيين. قال المؤلف حفظه الله: قال إسماعيل بن إسحاق السراج رحمه الله: قال لي أحمد بن حنبل: اليوم يبلغني أن الحارثة يعني المحاسب يكثر الكون عندك. الكون يعني المكث، يأتي دائما إلى الإمام أحمد فيأتي ويكثر المكث عند الإمام أحمد. قال: فلو أحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأسمع كلامه. فقلت: السمع والطاعة لك يا أبا عبد الله. وسرني هذا الابتداء من أبي عبد الله. إذن الإمام أحمد قال للسراج: قال سمعت أن الحارثة المحاسب، وكان هذا الحارث المحاسبي عنده كتب فيها شيء من الضلالات، وقد حذر منه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فيما سبق معنا من الأبواب في تحذير السلف من أشخاص بأعيانهم، وحذر من الحارث وكتب الحارث أيضا. جاء هذا عن أبي زرعة لما سئل عن كتب الحارث المحاسبي قال: هذه كتب بدع وضلالات، بدع وضلالات. وهذا صيانة للدين أن يحذر من الكتب التي فيها ضلالات لأهل الأهواء والبدع. فالشاهد من هذا أن الإمام أحمد طلب من السراج، وعلم أن السراج علم أنه يأتي إلى السراج الحارث المحاسبي، فقال: أدخلني عندك بحيث لا يراني، أريد أن أسمع كلامك. قال: فقصدت الحارث وسألته أن يحضرنا تلك الليلة، فقلت: وتسأل أصحابك أن يحضروا معك؟ فقال: يا إسماعيل فيهم كثرة، فلا تزدهم على الكسب والتمر، يعني أنهم كثير الأصحاب، ولا تكلف نفسك بالضيافة، لكن اجعل لهم شيئا من التمر وما عندك من قليل الزاد، قال: وأكثر منهما ما استطعت. ففعلت ما أمرني به وانصرفت إلى أبي عبد الله فأخبرته، فحضر بعد المغرب وصعد غرفة في الدار، فاجتهد في ورده إلى أن فرغ، وحضر الحارث وأصحابه. جاء الحارث المحاسبي وأصحابه إلى بيت السراج، معه جمع أتباع. تجد هؤلاء قد يكون معهم أتباع. قال: فأكلوا ثم قاموا لصلاة العتمة، لأنهم جاءوا بعد المغرب فصلوا العشاء، قال: ولم يصلوا بعدها شيئا، وقعدوا بين يدي الحارث، وجلس هؤلاء الأتباع في بيت السراج حول الحارث لكي يحدثهم. قال: وهم سكوت لا ينطق واحد منهم إلى قريب من نصف الليل، يعني جلسوا ساكتين لا أحد منهم يتكلم إلى قرب نصف الليل. قال: فابتدأ واحد منهم وسأل الحارث عن مسألة، فأخذ في الكلام، انطلق في الكلام، وأصحابه يستمعون وكأن على رؤوسهم الطير. الذي على رأسه الطير كيف يكون حاله؟ يكون حاله التزام الصمت وعدم الحركة لأنه يخشى فرار الطير. إذا كان على رأسك الطير فإنك لا تتحرك من أجل أن لا يطير الطير. فإذا هؤلاء جلسوا جلسة خشوع لما يسمعون من كلام الحارث المحاسبي. قال: فمنهم من يبكي، ومنهم من يزعف وهو في كلامه، وهو في كلامه، يعني استمر في الكلام. الآن جاء دور ماذا؟ جاء دور التهييج، جاء دور التهييج مثل ما يفعل هؤلاء. فهؤلاء بعضهم كان يبكي من كلام الحارث لما كان يتكلم، وبعضهم كان يصيح بصوت، يزعق أي يصيح بصوت مرتفع. قال: فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله. صاحبنا هذا صاحب البيت، قال: كيف سيكون حال الإمام أحمد؟ الإمام أحمد طبعا متخبي في البيت فوق في غرفة أخرى يستمع الكلام، يريد أن يعرف حال الحارث المحاسبي ماذا يفعل مع أصحابه. قال: فوجدته قد بكى، حتى الإمام أحمد مثل الجماعة خشع من كلام الحارث المحاسبي وبكى حتى غشي عليه من شدة البكاء. قال: فانصرفت إليهم، ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا. فانظروا هذا الرجل ماذا يأتي من العبارات. يعني يذكرون حتى عن الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى أن مجالسه كانت بالآلاف، وكان الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى يعني فصيحا في العبارة، فكان يعظ الناس، له مجالس في الوعظ حتى يبكي من في المجلس، يبكي من في المجلس. وهذا لما أوتوا من البلاغة والفصاحة ونحو ذلك من العبارات التي يستطيعون بها الدخول إلى القلوب. فإذا كان الإمام أحمد استمع إلى الحارث المحاسبي وبكى عن التأثر من الكلام الذي يأتي به في المجلس. قال: فقاموا وتفرقوا إلى الصباح وهو يعظهم. فصعدت إلى عبد الله وهو متغير الحال، وقلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. يعني يتكلم في أمور عظيمة، هذا الرجل ربما يتكلم في أمور الجنة والنار والآخرة والترغيب والترهيب، ويأتي بكلام عجيب. يعني ما رأيت مثل هذا، وعلى ما وصفت من أحوالهم. فإني يقول الإمام الآن بعد ما عرف من هذا الرجل هذا الحال، يقول السراج: فإني لا أرى لك صحبتهم. ثم قام وخرج. لا أرى لك صحبتهم. عرف الإمام أحمد من أين يؤتى هؤلاء. هؤلاء قد يغترون بمثل هؤلاء، يعني أصحاب زخرف في القول، وهم ليسوا على ماذا؟ على كتاب وسنة. فقد يغتر بهم التابع، قد يغتر بهم التابع من المجالسة. هذا زاهد خاشع، كلامه طيب، ويجلس ويحكي لهم ويصف لهم، وهؤلاء كأن على رؤوسهم الطير في ذلك المجلس، وأنت ترى العجب العجاب. أيضا في مجالس أهل الأهواء والبدع أكثر من مجالس أهل السنة، أكثر من مجالس أهل السنة. يعني من يحضرون لهم أكثر. أهل السنة طلب الحديث شاق، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: حدثنا وأخبرنا، لا يجلس إليهم إلا للعصفياء والأنقياء، وممن وفقهم الله عز وجل لهذا لحمل هذا الدين. هذا شرف الحديث، حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ليس القصص. لكن تحضر مجالس القصص الذين هم قصاص ووعاظ، ربما تجد المئات والآلاف، مجالسهم كثيرة. يعني يحضرون لهم كثر، وأهل السنة الذي يحضر لهم قليل. فأهل السنة لا يغترون بالكثرة، أن هؤلاء عندهم كثرة، معنى أن هؤلاء على حق، أي مشائخهم على حق. ينبغي أن ينظر في كلام القائل، ينظر في كلام القائل واستدلاله وسيرته ومشيته وهديه ونحو ذلك. هل هو على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هل هو على منهج السلف الصالح رحمهم الله تعالى؟ إمام أحمد هذا رجل، له المحاسبي له أتباع أصحاب يسيرون خلفه، يبكون من كلامه، حتى تأثر الإمام أحمد من مجلس واحد، فما بالك بعدة مجالس عندما يحضر هذا التابع المريد لمجالس هؤلاء، وليس عندهم شيء من العلم، وإنما يسمع هذه القصص التي أو الوعظ الذي يرقق القلوب، الذي يرقق القلوب، وهؤلاء عندهم ما عندهم. فالقول: لا أرى لك صحبتهم، ولو كانوا ما كانوا عليه لهذه ماذا؟ من هذه الحال. ثم قال: وقال أيضا الإمام أحمد رحمه الله: لا يغرك خشوعه ولينه، ويقصد بذلك الحارث المحاسبي. لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سوء. يعني الحارث المحاسبي، لا تكلمه، لا كرامة له. كل من حدث بأحاديث رسول الله صلى الله وكان مبتدعا تجلس إليه؟ يعني يعظ وينصح رحمه الله تعالى. قال: وكان مبتدعا يحدث بحديث النبي صلى الله، وقد يكون عندهم ذلك. لكن فرق بين المحدثين الذين على سنة ويبينون الحديث ويشرحون الحديث على طريقة أهل السنة والجماعة، وبين من يشرح الحديث على هواه وعلى طريقة أهل الأهواء والبدع. فهؤلاء لكي يجذبوا الناس قد يكون عندهم استدلال بماذا؟ بالقرآن، واستدلال كذلك بالأحاديث، لأنه حتى يلبسون على الناس دينهم، ولكي يقبل منهم الناس. كما قال شيخنا الفوزان رحمه الله تعالى: تجد عند أهل الباطل هذا، تجد عند أهل الباطل استدلال، لكن طريقة الاستدلال ومأخذ الاستدلال، هل هو على طريقة أهل السنة؟ هل هو على ما أخذ أهل السنة؟ هل الاستدلال هذا في مكانه ومحله أم لا؟ فننظر في ذلك عندما يتكلم ماذا؟ المتكلمون. قال: كل من حدث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مبتدعا تجلس إليه؟ لا، ولا كرامة، ولا نعمى عين. لا كرامة ولا نعمى عين. لا كرامة، لا تجلس لهؤلاء، وإن حدثوا بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فشاهدوا هذا الباب من أبواب العلم، أن طالب العلم والسني والمسلم عامة لا يجلس إلى أهل الأهواء والبدع، لأنهم أهل أهواء وبدع، وإن حدثوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أجادوا الخطابة، وإن كانوا فصحاء بلغاء، وإن كانوا زهادا وعبادا ونحوهم. النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في ذكر من صفات الخوارج أنهم يقرؤون القرآن، يقرؤون القرآن. قد يكون إجادة قارئ للقرآن، إجادة عنده صوت، عنده كذا، وقد يكون حفظا، عنده حفظ، يقرؤون القرآن، لكن لا يجاوز تراقيهم أو حناجرهم، لا يفقهون هذا القرآن، لا تجاوز، لا تصل إلى القلوب، لا تجاوز هذا المكان، إنما هو مجرد قرآن عندهم. وهكذا وصف الخوارج بأنهم يقومون الليل، وعندهم من العبادة، عندهم من العبادة الشيء الكثير، لكن ليسوا على هدى. فلا تغتر بهؤلاء، لا تغتر بها، واجعل الميزان في الاتباع أولا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم من مشى على منهاج النبوة، من مشى على منهج السلف الصالح، وصار على دربهم. هؤلاء الذين يقتدى بهم، أئمة السلف رحمهم الله تعالى. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يسددنا، وأن يرشدنا، وإنه ولي ذلك والقادر عليه. نكتفي بهذا إلى هنا، والحمد لله رب العالمين.