الدرس في شرح الورقات للجويني 20، ألقاها
يشترط في المستفتي أن يكون من أهل التقليد، ويعرف التقليد بقبول قول القائل بلا حجة. يُفرق بين المقلد والمجتهد، حيث لا يجوز للعالم التقليد بل عليه الاجتهاد.
يُوضح أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة بنفسه ولا يعتبر تقليدًا. يشرح مفهوم الاجتهاد وآراء العلماء حوله، ويبين أن المقلد يجب عليه سؤال أهل العلم بينما المجتهد يبذل الوسع في بلوغ الغرض ويؤجر على اجتهاده.
يتناول أحكام المجتهد في الفروع الفقهية، موضحًا أن المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. يرد على القول بأن كل مجتهد مصيب.
يتضمن دعاء لله أن ينفعنا بما ذكر، ويعبر عن الثناء عليه وحمده، ويُظهر الاعتراف بقدرة الله وولايته على كل شيء، ويُنهي بالتأكيد على حمد الله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله: شروط المستفتي. قالوا: من شرط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد. والتقليد قبول قول القائل بلا حجة. فعلى هذا، قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليدا. ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله. فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا. يقول المؤلف رحمه الله: ومن شروط المستفتي أن يكون من أهل التقليد. ذكر في الفصل الذي قبله ما يتعلق بالاجتهاد، أو ذكر ما يتعلق بالمفتي، وما الذي يكون أهلا للفتوى. هنا ذكر شروط المستفتي. والمستفتي هو السائل، السائل عن حكم شرعي. السائل عن حكم شرعي، قالوا: من شرط المستفتي -يعني هذا السائل الذي يستفتي عن حكم يريد معرفة الحكم- أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا. أي: إذا كان المستفتي ليس من أهل اجتهاد، ممن عنده قدرة واستطاعة على استنباط الأحكام الشرعية بنفسه من الأدلة، فهذا عليه السؤال أهل العلم، وأن يكون حكمه التقليد. أما إذا كان مجتهدا، فالواجب عليه أن يجتهد، بمعرفة الحكم والوصول إليه عن طريق الاستنباط والبحث في الأدلة. لكن المقلد الذي ليس هو أهلا للفتوى، فهذا يسأل أهل العلم ويقلدهم في فتواهم؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فجعل الله سبحانه وتعالى الناس على قسمين: السائل، ومسؤول. فالسائل هو الذي ليس عنده أهلية الاجتهاد، وهو المقلد. والمسؤول هو العالم الذي يسأل عن الأحكام الشرعية، ويفتي بما علمه الله سبحانه وتعالى. إذا لابد أن يكون المستفتي من أهل التقليد، يعني ممن ليس هو من أهل الاجتهاد، فيسأل المفتي ويقلده في فتواه. قال: وليس للعالم أن يقلد. العالم الذي عنده أهلية الاجتهاد، فهذا ليس له أن يقلد غيره، وإنما عليه أن يجتهد، وأن يعرف الحكم بنفسه. نعم، هذا هو الواجب عليه، إلا أن بعض العلماء يقول: إذا اضطر مثلا لضيق الوقت، طرأت عليه مسألة وضاق عليه الوقت في البحث فيها والنظر في هذه المسألة، فيأخذ مثلا بقول بعض أهل العلم، ويفتي بفتواهم. فيقول: في مثل هذه الحالة يجوز له التقليد من باب الضرورة. قال: والتقليد قبول قول القائل بلا حجة. قبول قول القائل بلا حجة، هذا تعريف للتقليد. إذا قبلت قول القائل بلا حجة، يعني قال لك: هذا حرام أو هذا حلال أو هذا واجب، من غير ذكر دليل، فأخذت قوله، هذا تقليد؛ لأنك أخذت قبله بلا حجة، أي بلا دليل. وعلى هذا، فإذا أخذت قوله بحجة، هذا ليس بتقليد. يعني إذا قال لك: هذه المسألة حكمها كذا، والدليل قول الله تعالى كذا، أو قول النبي عليه الصلاة والسلام كذا، فأنت الآن أخذت هذا القول بدليله وبحجته. قال: فعلى هذا، قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليدا. لكن هذا إذا جعلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم ليس بحجة بنفسه. لكن صحيح أن قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة، قول النبي عليه الصلاة والسلام حجة بنفسه، فلا يكون قبول قوله تقليدا، بل هو اتباعا للحجة. والله عز وجل أمر باتباع نبيه عليه الصلاة والسلام، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. نعم، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. وكذلك أيضا أخبر الله أنه لا ينطق إلا بالوحي، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾. إذا قول النبي صلى الله عليه وسلم حجة بنفسه، فلا يكون الأخذ به تقليدا. قال: ومنهم من قال: التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله. هذا تعريف آخر للتقليد. يعني أنك تقبل قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، يعني من أين أتى بهذا القول، فهذا تقليد. قال: فإن قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا. يعني هل النبي صلى الله عليه وسلم له أن يجتهد في المسائل؟ والجواب: نعم، له ذلك، وله كذلك أن يقيس في بعض المسائل. فهل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام مما صدر منه عن اجتهاد، هل الأخذ به يعتبر تقليدا أو لا يعتبر تقليدا؟ الصحيح أنه لا يعتبر تقليدا، بل هو اتباع للحجة، هو اتباع للحجة، سواء ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام مما أوحاه الله إليه، أو مما قاله على طريق الاجتهاد. ومع ذلك، فإن الله عز وجل إذا أصاب أقره على ذلك، وإذا حصل منه شيء من الخطأ صوبه. فلذلك يكون قوله حجة عليه الصلاة والسلام. الخلاصة في هذا المبحث أن المقلد الذي هو ليس أهلا للاجتهاد، فهذا الذي يجب عليه هو سؤال أهل العلم وأهل الاجتهاد، فيأخذ بقولهم ويعمل به. فإن كان يفقه الدليل، وإن كان يفقه الدليل ويفهم الدليل، وجب عليه الأخذ بالدليل. وجب عليه الأخذ بالدليل. وإن كان لا يفقه الدليل، بعض العوام يسأل يريد فقط يعرف الحكم، هل هو حرام أو ليس بحرام؟ ما يريد دليل، المهم ما يفقه ولا يفهمه، يريد عرفة يقول عرفة، هل هذا حلال أو ليس بحلال؟ هل هذا حرام أو ليس بحرام؟ هذا يكفيه، يعطى الحكم ويقلده ويقلد المفتي. قال: الاجتهاد. قالوا: أما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض. فالمجتهد وإن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجرا، وإن اجتهد فيها فأخطى فله أجر واحد. ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب. ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين. دليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيبا، قوله صلى الله عليه وسلم: «من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد». ووجه الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد تارة، وصوبه أخرى. الاجتهاد قال: هو بذل الوسع في بلوغ الغرض. بذل الوسع في بلوغ الغرض، فالاجتهاد فيه يعني بذل جهد ومشقة في الوصول إلى الغرض المطلوب. فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فيها فأخطأ فله أجر واحد. إن كان كامل الآلة في الاجتهاد، يعني عنده أهلية الاجتهاد، كما مر معنا في الدرس الماضي، ذكر شيء مما يتعلق بأهلية الاجتهاد، بأن يكون عنده معرفة بعلوم الآلة، كعلم المصطلح، وعلم أصول الفقه، كذلك أيضا معرفة شيء من الفقه، ومعرفة مواضع الخلاف والإجماع، كذلك أيضا معرفة النحو واللغة، ومعرفة أحكام أو آيات تفسير الآيات، ونحو ذلك مما يتعلق بالموضوع الذي يبحثه ويجتهد فيه. فإن كان على هذا الوصف، كامل الآلة في الاجتهاد، فإن اجتهد بذل وسعه وبذل جهده للوصول إلى معرفة الحكم، فأصاب فله أجران: أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته الحق. قال: وإن اجتهد فيها فأخطأ فله أجر واحد. إن بذل جهده وبذل وسعه في نيل الحكم الشرعي والوصول إليه، لكنه أخطأ، فله أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد. وأما خطأه فهو مغفور له، خطأه مغفور له على الصحيح. قال: ومنهم من قال: كل مجتهد في الفروع مصيب. منهم من قال: يعني من الأشاعرة وبعض المعتزلة، قالوا: كل مجتهد في الفروع مصيب. يعني الكل يجتهد، طيب والكل مصيب. في الحقيقة هذه العبارة، يعني عبارة خاطئة. ما الذي حملهم على هذا القول؟ حملهم على هذا القول أنهم قالوا: أنه ليس لله جل وعلا في كل حادثة حكم، ليس لله في كل حادثة حكم، وإنما الحكم يتبع ما يتوصل إليه المجتهد، المجتهد باجتهاده. أن حكم حكم الله في المسألة، إنما هو تابع لما يتوصل إليه المجتهد باجتهاده. وهذا القول كما نعلم قول باطل، قول مردود. بل الصواب أن الله جل وعلا له في كل مسألة حكم، قد يصيبه من يصيب، ويخطئ من يخطئ. فالقول بأن كل مجتهد في الفروع مصيب، فهو قول خاطئ ومردود. بل منهم من هو مصيب، ومنهم من هو مخطئ، بدليل حديث عمر بن العاص، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». طيب، والنبي عليه الصلاة والسلام، يعني وجه الدلالة من الحديث أنه خطأ المجتهد تارة، وصوبه أخرى، دل أن المجتهد قد يصيب وقد يخطئ. ولو كان مصيبا في سائر اجتهاداته، لما كان هناك وجه لتخطيئته. لما قال: «إن اجتهد فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر». معنى أنه سيخطئ، معنى أن من المجتهدين من يخطئ. إذا أخطأ له أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد. وأما خطأه، فقما قلنا هو مغفور له، ولا يؤاخذ به، خلافا لمن قال: بأنه يؤاخذ به، من الأشاعرة وغيرهم. إذن الخلاصة أن المجتهد أو الحاكم إذا اجتهد، فهو على حالتين: إما أن يصيب الحق فيكون له أجران، وإما أن يخطئ فيكون له أجر واحد، وهو أجر الاجتهاد. وأما الخطأ فهو مغفور له، وغير مؤاخذ به. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. وبهذا نكون تممنا من قراءة في هذه الرسالة. نسأل الله جل وعلا أن ينفعنا بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه. الحمد لله رب العالمين.