الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت آية الإنذار للأقربين، حيث نادى قريشاً وعمه عباساً وعمة صفية وابنته فاطمة محذراً إياهم أن القرابة لا تغني عنهم من الله شيئاً، وأن النجاة تكون بالإيمان والعمل الصالح لا بالنسب.
يشرح المقطع حديث النبي صلى الله عليه وسلم لعمته صفية وابنته فاطمة بأنه لا ينفعهما نسبهما دون عمل صالح، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، ويستعرض مسائل مستفادة من الباب كتفسير آيتين وقصة أحد ومشروعية قنوت النوازل وجواز الدعاء على الكفار المعتدين.
يستعرض المقطع مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء على أعدائه بعموم لا بتعيين، ونزول آية (ليس لك من الأمر شيء) وتوبة بعض المعاندين، ثم قصة إنذار العشيرة الأقربين ونزول سورة تبت، ويختم بالتأكيد على أن النبي صرح لابنته فاطمة بأنه لا يغني عنها من الله شيئاً دليلاً على أن النسب لا ينفع دون إيمان وعمل.
يحذر المقطع من اتكال بعض المنتسبين لآل البيت على نسبهم ظانين أن جدهم سيشفع لهم ويضمن لهم دخول الجنة، معتبراً ذلك ضلالاً وانحرافاً عن العقيدة الصحيحة.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم. ولا أشهد أن لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: قال، وفيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، فقال: «يا معشر قريش» أو كلمة نحوها: «اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئًا. يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئًا. يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا». ومعنى هذا الحديث: أن الله عز وجل أمر نبيه بإنذار الأقربين، وهذا فيه أن الداعي إلى الله عز وجل أول ما يبدأ يبدأ بأقاربه. فالله عز وجل أمر نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين، والإنذار بمعنى التحذير والتخويف بالموعظة والتذكير. فأنذر بمعنى: حذر وخوف عشيرتك الأقربين. فيبدأ الداعية بأقاربه، فما يصلح أن يعظ الناس ويعلم الناس ويذكر الناس وأهله بعيدون عن الاستقامة وعن العلم وعن الخير. فيبدأ أولًا بأقاربه. فعملًا بهذا الأمر الإلهي قام النبي عليه الصلاة والسلام وطبق هذه الآية، فعمم وخصص. عمم وخصص، فقال أولًا: «يا معشر قريش»، خاطب عموم قبيلته وعشيرته، عموم قبيلته وعشيرته، فهذا تعميم. فتدرج عليه الصلاة والسلام في إنذار عشيرته: «اشتروا أنفسكم»، أي: أنقذوها. متى يشتري المرء نفسه من عذاب الله؟ إذا أنقذها. «اشتروا أنفسكم» يعني: أنقذوها من عذاب الله، وذلك بالاستجابة له عليه الصلاة والسلام، واتباع هديه وسنته وطريقته، والدخول في الإسلام. وأما قوله: «لا أغني عنكم من الله شيئًا»، فهذا هو وجه الشاهد. ومعنى «لا أغني عنكم من الله شيئًا»: يعني لا أدفع، أو لا أنفع، أي أحد. لا أنفعكم بدفع شيء عنكم دون الله، هذا معنى «لا أغني عنكم من الله شيئًا». يعني: لا أنفعكم بدفع شيء عنكم دون الله، ولا أمنعكم من شيء أراده الله لكم، لأن الأمر بيد الله. فهذا معنى «لا أغني عنكم من الله شيئًا». يعني: لا أدفع عنكم شيئًا دون الله، ولا أمنعكم من شيء أراده الله لكم، لأن الأمر كله لله. فإذا أتى الناس بالحسنات والمنجيات، ولم تأتوا بذلك، ما أستطيع أن أدفع عنكم عذاب الله، أو أن... كذلك أوصل إليكم الخير والنفع. فالذي ينفع المرء هو عمله، كما قال عليه الصلاة والسلام: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، فإني لا أغني عنك من الله شيئًا»، كما في آخر الحديث في رواية: «لا يأتين الناس بأعمالهم وتأتون بأنسابكم، من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه». فالمسألة ليست بالنسب، وليست بالقرابة، إنما هي بالعمل. فهذا معنى «لا أغني عنكم من الله شيئًا». ثم خصص، فنادى عمه: «يا عباس بن عبد المطلب»، لأن عباس أخو أبيه عبد الله، عبد الله بن عبد المطلب، والعباس بن عبد المطلب عمه. فنادى عمه: «يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا». إنما معنى «لا أغني»: لا أدفع ولا أنفع، يعني: لا أنفعكم بدفع شيء عنكم دون الله، ولا أمنعكم من شيء أراده الله لكم، فالأمر كله لله. ثم نادى عمته فقال: «يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم». صفية أيضًا عمة من عمات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فناداها بقوله: «لا أغني عنك من الله شيئًا». ثم خص فنادى ابنته فاطمة، قال: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا». تريدين المال، تريدين شيئًا من الدنيا، سأعطيك، لكن لا أنفعك بدفع شيء عنك دون الله، ولا أمنعك من شيء أراده الله لك، فالأمر كله لله. وهذا من التخصيص. ووجه الشاهد من هذا الحديث في ذكر أدلة التوحيد وبراهين البراهين التي تدل على إفراد الله عز وجل بالعبادة: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا أغني عنكم من الله»، وبمعنى قول الله عز وجل: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول هذا، فغيره من باب أولى. فبعض، مثلا، ممن يتصل بالنسب النبوي يتكل على هذا النسب. فإذا أنكرت عليه في ترك صلاة، أو في ارتكاب معصية، أو إلى غير ذلك، قال لك: نحن جدنا النبي، سيدخلنا معه الجنة. فيتكل، فيتكل على هذا. فيقال له: قد قال النبي عليه الصلاة والسلام لابنته: أيهما أقرب نسبًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، أنت أو فاطمة بنت الرسول؟ فاطمة بنت الرسول. ومع هذا، ماذا يقول لها؟ «لا أغني عنك من الله شيئًا». إذا لم تأتي بعمل يدخل الجنة ويدفع عنك العذاب، فلا يغني عنك رسول الله شيئًا. واضح هذا الآن؟ فهذا معنى «لا أغني عنك من الله شيئًا». ففيه أن الأمر كله لله. واضح. قال: فيه مسائل. يعني في هذا الباب: الأولى: تفسير الآيتين، لأنه ذكر في هذا الباب آيتين: ﴿ أَيَشْرُكُونَ مَا لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾، وقد تقدم معنا. والآية الثانية: ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾. الثانية: قصة أحد، يعني أن النبي عليه الصلاة والسلام تلي بهذه الغزوة، وذلك بسبب مخالفة واحدة وقع فيها الصحابة، وهم الرماة الذين قال لهم عليه الصلاة والسلام: «لا تبرحوا من أماكنكم»، يعني: ابقوا في أماكنكم، ولو رأيتمونا نخطف الطير، يعني: قد غنمنا، لا تتحركوا من أماكنكم، ظهروا ظهورًا لنا. فلما رأى هؤلاء الرماة أن الصحابة غنموا في هذه الغزوة، خرجوا مع المسلمين وتركوا الحراسة، فجاء العدو من الخلف فهجم على المسلمين، فكان ما كان من هذا الابتلاء الذي وقع للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه. ففيه شيء من ذكر قصة ماذا؟ قصة أحد. أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة شجّ رأسه وكسرت رباعيته. ففيه قصة أحد. الثالثة: قنوط سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة، يعني: مشروعية ذلك القنوط، والذي هو يسمى قنوط ماذا؟ قنوط النوازل. وذلك في حديث ابن عمر: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللهم العن فلانًا وفلانًا». لكن يكون القنوط بما لم يكن فيه تعيين، كما في الحديث: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾. الرابعة: أن المدعو عليهم كفار، يجوز الدعاء على الكفار في قنوط النوازل. إذا مثلا آذوا المسلمين وهجموا عليهم أو غير ذلك، يجوز الدعاء عليهم. قال: الخامسة: أنهم فعلوا شيئًا ما فعلها غالب الكفار. يعني هؤلاء المشركون، كفار قريش، نعم يجوز الدعاء عليهم. نعم، نهى الله عن الرسول التعيين، نهى عن التعيين، لكن على سبيل العموم لا، بل تقول مثلا: «اللهم عليك باليهود، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم عليك بالروافض، اللهم...» يعني: أخزهم، وفادة تدعو عليهم دعاء عام، لا بخصوص التعيين. قال: الخامسة: أنهم فعلوا شيئًا ما فعلها غالب الكفار. يعني أن أذاهم وصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، منها: شجوا نبيهم، وحرصهم على قتله، ومنها: التمثيل بالقتل، مع أنهم بنو عمهم، فقد مثلوا في هذه الغزوة بمن؟ في حمزة. نعم. السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾، يعني: التعيين. السابعة: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾، فتاب عليهم، فآمنوا، كما تقدم أن هؤلاء الثلاثة كلهم أسلموا. فالأمر لله، وهي دليل على أن الأمر لله. فكان الأمر كما ذكر الله، لا كما ظن النبي عليه الصلاة والسلام. الثامنة: القنوط في النوازل، يعني: مشروعية ذلك. التاسعة: تسمي يتنبذوا عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم. وهذا قلنا في أول الأمر، ثم عُتب النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. العاشرة: لعن المعين في القنوط، وهذا في أول الأمر. طيب، لكن بعد ذلك لا يجوز ذلك. الحادية عشرة: قصة صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾، أنه أنذر قومه. الثانية عشرة: جده صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، في حيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن. يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم جمعهم، كما جاء في الحديث الآخر، أن أبا لهب كان معهم. طيب، فلما تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهذا: «جمعتنا؟ تبا لك سائر اليوم، لهذا جمعتنا؟» فأنزل الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان جادًا في هذه، في العمل بهذه الآية. فهذا معنى قوله: «بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون»، أنه جمع قومه ودعاهم، بل وقال لهم: «أرأيتم لو أن خيلًا دهمًا غارت عليكم، أكنتم مصدقي؟» قالوا: «ما جربنا عليك كذبًا». فعل هذا بمفرده، جمع قومه ودعاهم إلى ذلك. وكذلك لو يفعله مسلم الآن، لو مسلم الآن قال لقبيلته: «أريدكم في مكان كذا، في وادي كذا»، يقولون: «هذا يشبه هذا، عند جنون». أو ذهب إلى السوق وقال: «يا أيها الناس»، وبدأ يوعظ، يقولون: «هذا عنده شيء»، فربما يصفونه بالجنون. قال: الثلاثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: «لا أغني عنك من الله شيئًا». الأبعد يعني: التعميم: «يا معشر قريش»، والأقرب: فاطمة. فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئًا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان أنه صلى الله عليه وسلم... وآمن الإنسان أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق. ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم، تبين التوحيد وغربة الدين. ومعنى «وقع في قلوب خواص الناس»: يعني اتكلوا على النسب، اتكلوا على النسب، مع أن النبي صلى الله عليه وعلى الله وسلم قال ذلك لأقرب الناس إليه، وهي فاطمة ابنته، بضعة منه. ومع هذا قال: «لا أغني عنك من الله شيئًا». ففعل هذا وصرح مع سيدة نساء العالمين، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق. فلو نظر الآن في قلوب بعض من ينتسب إلى آل البيت، لرأى أنهم قد اتكلوا على هذا النسب، ويفتخرون أن جدهم سيشفع لهم، وأنهم لا يدخلون النار. بل وبعضهم ربما ضمن دخول الجنة لأنه يتصل بالنسب النبوي. وهذا من الضلال. فلنكتفي بهذا، وإلهنا وإلهنا.