التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 155

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 155

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 155، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم التعبد عند القبور والتشبه بالكعبة

ينقل الشيخ كلام ابن تيمية في تحريم العقوف والمجاورة وسدنة القبور وتعليق الستور عليها لتشبهها بالكعبة، مبيناً أن بناء المساجد على القبور منهي عنه باتفاق الأمة. كما يحذر من تعظيم القبور عند بعض الصوفية والشيعة الذي بلغ حد تفضيل زيارتها على حج البيت الحرام، مؤكداً أن زيارة القبور شرعاً إنما هي للدعاء للميت لا به.

تحذير من بدع القبور والغلو في الصالحين

يحذر النص من الانحرافات العقدية والبدعية عند القبور كدعاء الموتى والنذر لهم وخداع الشياطين للناس، مؤكداً أن إكرام الأنبياء والصالحين يكون باتباع سنتهم لا بتعظيم قبورهم. ويبين أن التبرك بالآثار والمقامات مختص بالأنبياء بدليل شرعي، ولا يقاس عليهم غيرهم، وأن الاجتهاد في العبادات المشروعة يغني عن كل بدعة.

حكم التبرك بآثار الصالحين والفرق بين الاتباع والبدعة

يوضح المقطع أن السلف لم يتبركوا بالصحابة رضي الله عنهم، وأن الإمام أحمد أنكر بشدة التمسح بثيابه، مبيناً أن التبرك بغير النبي صلى الله عليه وسلم بدعة لم يفعلها الصحابة. ويستثني المقطع اتباع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع صلاته وسيره كما فعل ابن عمر، محذراً من الغلو في زيارة المشاهد والأضرحة واتخاذها أعياداً.

حكم زيارة الآثار والمساجد النبوية وموقف السلف

يناقش المقطع خلاف العلماء في زيارة المساجد والآثار التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً لا تعبداً، مستدلين بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع شجرة الرضوان ونهيه عن اتخاذ مصلى النبي عيداً. ويذكر موقف مالك وسفيان الثوري بالكراهة، مقابل ترخيص أحمد فيما ثبت بالأثر بشرط عدم اتخاذه عيداً، مع التأكيد أن المتابعة تكون بطاعة أمره لا بتتبع مواضع نزوله اتفاقاً.

حكم بناء المساجد في مواضع صلاة النبي والتحرّي

يبيّن المقطع جواز بناء المسجد في موضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بقصد التعبد إذا دعت الحاجة، ويمنع ذلك لمجرد التبرك دون حاجة. كما يفرّق بين البقع التي تحرّى النبي الصلاة فيها فهي سنة الاقتداء بها، وبين ما صلى فيه اتفاقاً فلا يُقصد، وينهى عن الإيطان ويناقش تقليد أفعال النبي المعتادة عند انتفاء سببها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل: ومن المحرمات: العقوف عند القبر، والمجاور عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة. قال: هذه عدة أمور محرمة عند القبور: أولاً: العقوف عند القبر. والمراد بالعقوف: أي اللبث، أن يلبث عند القبر تعبداً، معناه: كأنه يعتكف في المسجد. والمجاور عنده: وهو بمعنى العقوف. وسدانته: سدانته بمعنى حراسته وحجابته، وأيضاً القيام بأموره. وتعليق الستور عليه: أن يعلقوا الستور عليه، سواء كانت الستور خضراء أو غير ذلك، كأنه بيت الله الكعبة، أن يفعلوا به كما يفعلون بالكعبة. وهذا من باب التشبه، يظنون أن هذا تعظيم لهذا القبر كتعظيم الأمة الإسلامية للكعبة. قال: فقد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، لا يجوز أن يبنى المسجد على القبر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا. قال: فقد بينا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعقوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ أي يعتكف في ذلك المسجد لأن فيه ذلك القبر. بل عند بعضهم أن العقوف فيه أحب إليه من العقوف في المسجد الحرام، ولهذا تجده دائماً عند القبر، بل بعضهم يرحل المسافات البعيدة لأجل أن يجلس عند القبر ويجاوره. وأيضاً يجعله كالمسكن له. وهؤلاء بعض أهل التصوف الغلاة، فتجده جالساً عند القبر، محلته عند القبر، لا يذهب هنا ولا هنا، وأيضاً ينام عنده. فهذا من العقوف والمجاورة. قال: {إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله}. بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من حرمة بيوت الله. وهذا قوله: «عند المقابريين»، هذا جمع صحيح، معنى جمع «المقابرية»، جمع أن تجمع «مقابرية»، وهذا يقولون أنه أصح من «قبورية»، معنى أن تجمع «مقابرية» أصح من جمعها «قبورية». قال: أعظم عند المقابريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان. وهذا بائن في حالهم، أو بين في حالهم. فهم يعظمون هذه القبور تعظيماً شديداً، فيعتنون بها أكثر مما يعتنون بالمسجد. فقد تجد الرجل في المسجد لا يبالِ بوَسَخَة المسجد أو بغير ذلك، لكن عند القبر ينظف ذلك المكان. عن بعض القبور التي تشيد، عندما تراها كأنها شيء معظَّم، وعنوا يفرشون لها الفرش التي قد تكون بأثمان باهظة، وأيضاً الجُدُر التي فيها البلاط وغير ذلك، معنى كأنك تدخل مسجداً مزخرفاً، بل قد لا تجد حتى المسجد مثله، بل ما تجد حتى بيوتهم مثل هذا القبر. أنا أحياناً يأتون ببعض الصور، مثلاً في قبر السيدة نفيسة، قبر مشيد، وفيه غرف، وفيه كذا وكذا، معنى أشياء كثيرة فيه، كلها من باب التعظيم لهذا القبر. فلهذا تجدهم يعظمون القبر أكثر من تعظيمهم للمسجد. وإذا كان المسجد عنده قبر أو فيه قبر، فيعظمون ذلك المسجد أكثر من تعظيمهم لغيره من المساجد. لماذا؟ لأن فيه مقبور فلان. قالوا: قد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس. مشاهد التي على القبور، إما قبر للنبي، أو شيخ، أو بعض أهل البيت، أفضل من حج البيت الحرام، ويسمي زيارتها الحج الأكبر. وهذا خاصة عند الشيعة، الشيعة عندهم زيارة قبر الحسين أفضل من سبع حجات، وكذلك زيارة قبر السيد البدوي، وكذا عند الصوفية أيضاً لها أثر، يفضلونها على الحج. وأحياناً ما يفضلون، لكن يقولون: من ذهب لزيارة القبر الفلاني كأنه حجة، حجة الإسلام، مثل ما يقولون في هود. وأحياناً بعضهم يقول: لأنه ليس عن شيء، مثلا منقول، وإنما كل واحد يخرج من كيسه هذه المقالات. فترى بعض هؤلاء العلويين يقولون: أن من زار الحول، الحول هذا زيارة قبر علي بن محمد الحبش، يسمونه الحول، زيارة الحول، يقولون: من زار هذا السيد كما يقولون، ومحمد بن علي الحبش، فكأنما حجة ثلاث، أو فزيارته ثلاث مرات كحجة. أنا عندما أزوره ثلاث مرات كأنه كحججت. أنا ما في داعي تذهب، أو أنه أجره كأجر الحج. وإلا فكثيراً ما يفضلونه على الحج، أو يجعلونه كحج بيت الله الحرام. وهذا مضاهاة للشرع، وإلحاد، أنه إلحاد في الشرع، ليس إلحاداً أنه فيه إنكار وجود الله. قالوا: من هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من حج البيت. ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء همه أنه يزور القبر، ليس همه أن يحج، إنما همه أن يزور القبر. قالوا: بعضهم إذا وصل المدينة رجع، وظن أنه حصل له المقصود. وهذا جهل، أن يأتي إلى المدينة ويزور القبر ثم يرجع، يقول: خلاص هذا يكفي. لو خير بين أن يحج البيت الحرام أو يزور القبر، لاختار زيارة القبر. وليس هذا أنهم يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صار غلف قلوبهم للقبور، أن صارت عبادتهم هي تعظيم القبور. قالوا: هذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. قالوا: معلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من الكعبة. معنى: النبي عليه الصلاة والسلام أفضل من الكعبة. لكن قولهم: أن البقعة التي دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الكعبة، هذا لا دليل عليه. قال: ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له، وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت، لزال هذا عن قلوبهم. أن هذا الذي لا يريد هؤلاء أن يفهموا: زيارة القبر إنما للدعاء له، لا أنك تدعوه من دون الله. إنما زيارة القبر تدعو له، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، يدعو لأهل هذه القبور. وأيضاً كذلك يسلم عليهم، إذا مر أحدكم بمقابر فليسلم عليهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «السلام عليكم أهل ديار قوم المؤمنين، أنتم السابقون ونحن بالأثر، نسأل الله لنا ولكم العافية». قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم السابقون ونحن بالأثر، أنتم سبقتمونا بالموت، ونحن أيضاً على آثاركم، نسأل الله لنا ولكم العافية». وكما جاء عن نبي عليه الصلاة والسلام قال: ولهذا كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب كما يسأل ربه، فيقول: اغفر لي، وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك. وهذا حاصل، أنا يأتي للقبر ويقول: يا فلان اغفر لي زلتي وحوبتي، وأنا تائب إليك، وغيرها من هذه الكلمات الباطلة التي لا تقال إلا لله. قالوا: كثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستعاذ به، ويكون ذلك شيطاناً قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبد القاسم. أحياناً مثلاً يكون هناك قبر له سنوات كثيرة، وغالباً لا يعرف صورة، لا تعرف صورته، أنا لا يعرف ها أحد لأن القبر هذا قديم. فيأتي هؤلاء المعظمون والمعتقدون في القبر، فيأتيهم شيطان على صورة إنسان، وأيضاً يوهمهم أنه صاحب القبر، يوهمهم أنه صاحب القبر، فيكلمهم ويكلمونه. وهذا يحصل عند هؤلاء أهل الاعتقاد، تلعب بهم الشياطين. قال: وأعظم من ذلك: قصد الدعاء عنده، والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له تقضى الحاجة أو يكشف البلاء. فإن قد بينا بقول الصادق المصدوق: «إن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير». أن بعض السدنة تجد أنه يأخذ الرماد، أو يأخذ ما يحرق به الطين، ثم يمسح به الناش، ويتمسح به. تعرف رجلاً كان يسكن في القبر، فتجد جسمه دائماً مليئاً بالتراب، وأيضاً فيه شيء من السواد، عن خاصة الصباح. والظاهر إذا نام أخذ من التربة ووضعها في جسده. وتجد أنه دائماً عارٍ، ليس فيه إلا إزار، ويصلي على هذه الهيئة. ومعنى: إذا انتصف النهار أو ساعة العاشرة يذهب إلى البحر ويغتسل. أنه هذا تعب وجلوسه عند هذا القبر، ويأتي الناس له بالطعام، وتجد أنه سنوات، حتى أننا كنا نظن أن البيت بيته، وهو ليس بيته، وليس من أهل تلك المكان، وإنما جاء من مكان بعيد مجاوراً لهذا القبر، ظناً منه أن هذا شيء يكون له أجر فيه. ونصحناه، لكنه لم ينتصح. كلمناه على أن هذا لا يجوز، ولكنه لم ينتصح، لأنه يعتقد في هذا القبر. قال: وأن الله لم يجعله طيباً. قال: فقد بينا بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، إن كان مشروعاً، وأن الله لم يجعله سبباً لإدراك الحاجة، كما جعل الدعاء سبباً لذلك. فكيف نذر المعصية الذي لا يجوز الوفاء به؟ ثم قال: واعلم أن أرباب القبور من الأنبياء والصالحين والمدفونين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما يفعل النصارى به، وجعلوه المصلوب، وعظموا الصليب، ظناً منهم أنهم يعظمون الرب جل وعلا، أو أنهم يعظمون المسيح، وهذا لجهلهم. قالوا: وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعل الأتباع. فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور عيداً وأوثاناً فيه غض من أصحابها، بل هو من باب إكرامهم. وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن. فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه. هذا واقع، تجد أنه ما يسألون عن عقيدة هذا الشخص، ما يسألون عن كيف كان يقول، لكن تجد يعظمونه فقط بمثل هذه الأمور، فيدعون عنده، أو يدعونه من دون الله، ويستغيثون به، وينذرون له النذور والذبائح. قالوا: من كرامة الأنبياء والصالحين أن يتبع ما دعوا إليه للعمل الصالح، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً». معنى: يريد الشيخ يبين أنك إذا كنت تحب هذا الشخص، فاسأل عن عمله وما كان يعمله، فاقتدِ به في الخير، حتى يكون له الأجر، وهذا يفرحه أكثر من أنك تدعوه من دون الله، أو تدعو عنده، وتعتقد أن الدعاء عنده فيه بركة وغير ذلك. قال: وإنما اشتغلت قلوب طوائف من الناس بأنواع من العبادات المبتدعة، إما من الأدعية، وإما من الأشعار، وإما من السماعات ونحو ذلك. سماعات: معناه تلحين الشعر الذي يبتلى به أكثر الصوفية. الصوفية عندهم السماع يعتبر مثل القرآن، بل يخشعون ويخضعون في السماع أكثر من خضوعهم في القرآن. قال: لإعراضهم عن المشروع، وبعضه عن إعراض قلوبهم، وإن قاموا بصورة المشروع. وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه، عاقلاً مجتهداً عليه من الكلمة الطيب والعمل الصالح، مهتماً بها كل الاهتمام، أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها. أنا لو أنه اهتم بالصلوات الخمس المشروعة بوجهه وقلبه، شغل بها، وعبد الله عز وجل، لكان خيراً عظيماً، أفضل من أنه يجلس عند القبر أو غير ذلك من هذه الأمور. فيصلي دائماً، كما كان بعض السلف والعباد، تجد أكثر وقته صلاة، فهذا ينفعه، لأن كل صلاة يصليها فيها أجر عظيم. قالوا: من أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله بعقله، وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، لا منظومه ولا منثوره. فمن أصغى إلى كلام الله، واستمع وتأمله وتدبره، فإنه لا يشبع من كلام الله عز وجل، ويجد اللذة فيه، كما قال عثمان: «لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله». قالوا: من اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته، كالأسحار وإدبار الصلوات والسجود ونحو ذلك، أغناه عن كل دعاء مبتدع في ذاته أو في بعض صفاته. فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء من ذلك، ويعتصب عن كل من يظن من البدع أنه خير بنوع من السنة. فإنه من يتحرى الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه. أن إذا كان الإنسان مخلصاً لله عز وجل، وفقه الله سبحانه وتعالى إلى الخير، وفقه الله سبحانه وتعالى إلى الخير، ولن يخذله الله سبحانه وتعالى أبداً. لن يخذله الله ما دام أنه يحب الخير ويحب السنة ويريد أن يعمل بها، فيوفقه الله سبحانه وتعالى. وهذا بالأدلة، وكذلك بالتجربة، بالأدلة والتجربة. إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. فربنا جل وعلا يوفقك على نيتك. قال: فصل: فأما مقامات الأنبياء والصالحين، وهي الأمكنة التي قاموا فيها أو أقاموا أو عبدوا الله سبحانه، لكنهم لم يتخذوها مساجد. فالذي بلغني في ذلك قولان عن العلماء المشهورين: أحدهما: النهي عن ذلك وكراهته. معنى مقامات الأنبياء: معنى أماكن، مثلاً صلوا فيها، أو أماكن جلسوا فيها. هل يجوز للمرء أن يتتبع هذه الأماكن ويأخذ بركة منها؟ فقال: في المسألة قولان، أحدهما النهي عن ذلك وكراهته، وأنه لا يستحب قصد بقعة للعبادة مهما كانت هذه البقعة، إذا لم يأتِ في الشرع استحباب قصدها، إلا أن يكون قصدها للعبادة ما جاء به شرع، مثل أن يكون نبي صلى الله عليه وسلم قصدها للعبادة، مثل مثلاً صلاته عليه الصلاة والسلام في مسجد قباء، قصده للعبادة، كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. وهو من الآثار عن بعض الناس الآن الذين يقولون بالتبرك بآثار الصالحين، يقولون: الله عز وجل قال لنبيه: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}. وهذا تتبع للآثار، وهذا جهل، لأن هذا شرعه الله، وأيضاً الأنبياء جعل لهم آثار يتبرك بها، وأما غير الأنبياء فلم يأتِ شيء من ذلك. ولهذا الصحابة رضي الله عنهم لم يتبركوا بأبي بكر، ولم يتبركوا بعمر، وإنما حصل ذلك بعد غلو الناس في الصالحين. حتى أن الإمام أحمد دخل عليه بعض الناس، فقام ومسح على ثوب الإمام أحمد، فغضب الإمام أحمد، وقال: «أف، من أين تأتون بمثل هذا؟ أنا ما في شرع مثل هذا، من أين تأتون أنكم تتمسحون بالناس أو تتبركون بالصالحين وغير ذلك؟» فأنكره إنكاراً شديداً، فقال: «أف، من أين لكم هذا؟ من أين تأتون بمثل هذه الأشياء؟ هذه ليست أشياء شرعية». فكيف لو رأى الآن أهل التصوف، يأتي أحدهم يمد يده، ويسجد من يريد شمها ويقبلها، وهكذا ينزل الشخص إلى رجليه ويقبل رجليه، أو يأخذون وضوءه، أو يأخذون كذا؟ فهذا لم يكن يفعله السلف رحمهم الله بأحد إلا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الله عز وجل جعل فيه البركة. أما غيره فلا يشرع أن يتبرك بشيء منه. ولهذا قال العلماء: إنه بدعة. لماذا؟ لأنه لم يفعله الصحابة، ولو كان هذا سنة لفعله الصحابة مع كبارهم، كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الصديق وغير ذلك. وليس معنى أنه ما كانوا يعظمونه، بل كانوا يعظمونه. فهذا فضالة بن عبيد كان عند أبي بكر، فجاء رجل وأغلظ على أبي بكر وسبه، فقال فضالة، بعد أن غضب، فقال: «يا...» فقال: «يا أمير المؤمنين»، أو قال: «يا أبا بكر، دعني أضرب عنقه، سأضرب عنقه وأقتله». فقال: «وتفعل؟» قال: «بلى». قال: «لا». فنهاه عن ذلك. فهذا يدل على أنهم كانوا يعظمون هؤلاء الكبار، لكنهم ما كانوا يأخذون آثارهم، ولا يتمسحون بهم، ولا أيضاً يفعلون مثل هذه الأفعال التي يفعلها أهل التصوف. وأما أهل التشيع فحدث ولا حرج، يعني هؤلاء خرجوا عن الطور الصحيح، بل هؤلاء يعبدون، يعبدون أئمتهم، ويعبدون مقدمتهم، لأنهم تركوا الدين، تركوا دين الله عز وجل، وجعلوا الدين عندهم تعظيم هؤلاء. قال رحمه الله: إلا أن يكون قصدها للعبادة بما جاء به الشرع، مثل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قصدها للعبادة، كما قصد الصلاة في مقام إبراهيم، وكما كان يتحرى الصلاة عند الاستوانة. وهذا جاء في حديث سلمة بن الأكوع، أنه كان يتحرى الصلاة عند الاستوانة، قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عندها». والاستوانة: معناه مثل السارية. وكما يقصد المساجد للصلاة، ويقصد الصف الأول ونحو ذلك. معناه: هذه أمور شرعية. والقول الثاني: أنه لا بأس باليسير من ذلك. معناه: لا يتوسع في هذا، لكن لو كان شيء يسير لا بأس، كما نقل عن ابن عمر أنه كان يتحرى قصد المواضع التي سلكها النبي عليه الصلاة والسلام، أو التي جلس فيها اتفاقاً لا قصداً. وهذا لم يأتِ إلا عن عبد الله بن عمر، وإلا فقد جاء النبي أنه نهى عن ذلك. قال: قد سلك اتفاقاً لا قصداً. قال: سندي الخواتيم: سألنا أبا عبد الله عن الرجل يأتي هذه المشاهد ويذهب إليها، ترى ذلك؟ قال: أما على حديث ابن مكتوم أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي في بيته حتى يتخذ ذلك مصلى، وعلى ما كان يفعله ابن عمر يتتبع مواضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأثره، فليس بذلك بأس. وحديث ابن مكتوم: الظهر أنه ليس حديث ابن مكتوم، إنما هو حديث، حديث عتبان بن مالك. عتبان بن مالك، والله أعلم، هل ابن مكتوم أيضاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته؟ الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته هو عتبان بن مالك. يقول مثلاً: أن إذا كان مثل هذا ما في شيء، معنى اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا إنما فيه أثر النبي عليه الصلاة والسلام، وليس أثر غيره. قال رحمه الله: فليس بذلك بأس أن يأتي الرجل مشاهد، معنى الأماكن التي جاءها النبي عليه الصلاة والسلام. إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا جداً، وأكثروا فيه. قال: وكذلك نقل عنه أحمد بن القاسم، أنه سئل عن الرجل يأتي هذه المشاهد التي بالمدينة وغيرها، يذهب إليها. معنى: مثل مسجد القبلتين، أو مثلاً المكان الذي كان يجلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ويحبس الماء في بيرحاء وغير ذلك. فقال: أما على حديث ابن مكتوم أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيه فيصلي في بيته حتى يتخذه مسجداً، وعلى ما كان يفعل ابن عمر، كان يتتبع مواضع سير النبي، حتى رُوِيَ أنه يصب في موضع ماء يصب، معنى: يبول، فيسأل عن ذلك، فقال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصب هنا ماء». قال: أما على هذا فلا بأس. قال: ورخص فيه. ثم قال: ولكن قد أفرط الناس جداً، وأكثر في هذا المعنى. فذكر قبر الحسين وما يفعل الناس عنده، وهذا في زمن الإمام أحمد رحمة الله عليه. قال: رواهما الخلال في كتاب الأدب. قال: فقد فصل أبو عبد الله رحمه الله في المشاهد، وهي الأمكنة التي فيها آثار الأنبياء والصالحين، من غير أن تكون مساجد لهم، كمواضع بالمدينة، بين القليل الذي يتخذونه عيداً، والكثير الذي يتخذونه عيداً، كما تقدم. وهذا التفصيل جمع فيه بين الآثار وأقوال الصحابة. فقد روى البخاري في صفة عن موسى بن عقبة قال: رأيت سالم، عبد الله، يتحرى أماكن من الطريق ويصلي فيها. سالم: عبد الله بن عمر. ويحدث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يصلي في تلك الأمكنة. قال موسى: وحدثني نافع أن ابن عمر كان يصلي في تلك الأمكنة. فهذا كما رخص فيه أحمد رضي الله عنه. قال: وأما ما كرهه، فروى سعيد منصور في سننه، قال: حدثنا أبو معاوية، وهو محمد بن خازم، بالطريق، قال: حدثنا الأعمش، عن معرور بن سويد، عن عمر رضي الله عنه. ومعرور بن سويد هذا من المخضرم، من حضر الجاهلية وحضر الإسلام، لكنه أسلم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام. قال معرور بن سويد: خرجنا مع عمر في حجة حجها، فقرأ بنا في الفجر بـ {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}، و{إيلاف قريش} في الثانية. وهذا سنة، أن المسافر يقلل في القراءة. ولهذا رجح الحافظ ابن كثير أن قول الله جل وعلا: {ولا جناح عليكم إن خفتم أن تقصروا من الصلاة}، إن خفتم من يفتنكم الذين كفروا، قال: أنها نزلت في قصر الصلاة، قصر الصفة والعدد. قصر الصفة والعدد، والمراد بقصر الصفة: أي تقليل القراءة. وهذا أيضاً سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقرأ عمر: {ألم تر كيف فعل ربك}، و{إيلاف قريش} في ركعتي الفجر. قال: فلما رجع من حجة، رأى الناس ابتدروا مسجداً، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعاً، عن المكان الذي فيه أثر يجعلون بيعاً يصلون فيها. قال: من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له الصلاة فليمض. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما قصدها، وإنما نزل اتفاقاً. قال: فقد كره عمر رضي الله عنه اتخاذ مصلى النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، وبَيّن أن أهل الكتاب إنما هلكوا بمثل هذا. وهذا الأثر صحيح، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، إلا أن فيه تدليس الأعمش، إن شاء الله أعلم، لكن الظاهر أنه قد جاء التحديث من طرق التصريح عنه في طرق أخرى. قال: قال في رواية عنه: أنه رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد، مسجد صلى فيه النبي عليه الصلاة والسلام، فهم يصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، يتخذونها كنائس وبيعاً. فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض، ولا يتعمدها. وروى محمد بن وضاح، محمد بن وضاح له كتاب سماه كتاب البدع، وهو قرطبي، وحافظ من حفاظ الحديث، ويسمى محدث الأندلس. قال محمد بن وضاح في كتاب البدع: أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن الناس كانوا يذهبون تحتها، فخاف عمر الفتنة عليهم. وهذا جاء من عدة الطرق عن عمر، أنه قطع هذه الشجرة، شجرة الرضوان، أي التي عندها بيعة الرضوان. قال: وقد اختلف العلماء رضي الله عنهم في إتيان المشاهد. فقال محمد بن وضاح: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة، ما عدا قباء وأحد. أن قباء: مسجد قباء، يذهب يصلي فيه ركعتين، مثل ما فعل النبي عليه الصلاة والسلام. ويذهب إلى أحد لأجل زيارة قبور الصحابة، ويذهب أيضاً إلى البقيع. هذه كلها أمور جائزة. وأما الذهاب إلى مسجد القبلتين كما يسمونه، ومسجد الجمعة، ومسجد كذا، فهذا لا يصح، ولا أيضاً دل عليه الأدلة. وما يسمونه بالمزارات السبع، أنا الآن لما تذهب إلى المدينة يقولون زيارة، زيارة بعض أصحاب السيارات يذهبون إلى سبعة أماكن، يسمونها سبعة أماكن المزارات السبع، وهذه غالبها لم يأتِ فيها دليل على زيارتها. قال: ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه. إذا كان الإنسان مثلاً يريد أن يذهب لأجل الفرجة، ولأجل مثلاً تذكر مثل هذه الآثار، لا بأس. أما أنه عبادة فهذا لا يجوز. معنى: يذهب بهم إلى جبل النور الذي فيه غار حراء، ويذهب بهم إلى أيضاً الغار، غار في جبل ثور، وهكذا يذهب بهم إلى مثل هذه الآثار. إذا كان لأجل فقط رؤية هذه الآثار وتذكر سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، فلا بأس. وأما إن كان لأجل التعبد، فهذا لا يجوز، بل هذه بدعة. قال: ودخل سفيان الثوري بيت المقدس وصلى فيه، ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها. فهؤلاء كرهوا مطلقاً، لحديث عمر رضي الله عنه هذا، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند القبور، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها عيداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب. ولأن ما فعله ابن عمر لم يوافق عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار، أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا هو الأسلم، لأن تتبع الآثار يأتي بعده غلو، يأتي بعد غلو لهذا. قال عمر: إنما أهلك من كان قبلكم تتبعهم لآثار أنبيائهم. قال: والصواب مع جمهور الصحابة، لأن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله، بأن يفعل مثل ما فعل، على الوجه الذي فعله. فإذا قصد العبادة في مكان، كان قصد العبادة فيه متابعة له في قصد المشاعر والمساجد. وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق، لكونه صادف وقت النزول، أو غير ذلك مما يعلم أنه لم يتحرَ ذلك المكان، فإذا حرصنا على ذلك المكان لم نكن متبعين له، فإن الأعمال بالنيات، لأنه حصل منه اتفاقاً. قال: واستحب آخرون من العلماء المتأخرين إتيانها، وذكر طائفة من المصنفين من أصحابنا وغيرهم في المناسب استحباب زيارة هذه المساجد، وعدوا منها مواضع وسموها. وأما أحمد فَرَخَّصَ منها فيما جاء به الأثر من ذلك، إلا إذا اتخذت عيداً. أنا إذا اتخذت عيداً، حتى الآثار المشروعة لا يجوز أن تتخذ عيداً، أنا يكرر عندها الإتيان، مثل أن يُتَّبَع لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم، مثل ما يفعل الآن بعضها التي صوف عند غار حراء، أو عند غيره. قال: كما يرخص في صلاة النساء في المساجد جماعات، وإن كانت بيوتهن خيراً لهم، إلا إذا تبرجن. أنا يقول: إيش أنه يرخص منها لما جاء به الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا، وإن كان الأفضل أن لا يتتبع هذه الآثار، حتى ولو كانت مشروعة، أو جاءها النبي عليه الصلاة والسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحث على ذلك المكان، وإنما حصل له اتفاقاً. قال: مثل ما أخرجاه في الصحيحين عن عتبان بن مالك، قال: كنت أصلي لقوم بني سالم بن سالم بن عوف. هؤلاء الذين عندهم مسجد الجمعة. قال: فأتيت النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت: إني أنكرت بصري، وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي. ومن يرى مسجد الجمعة، ومن يرى مسجد الجمعة، هذا الذي في بني سالم، يراه في وادي، في مثل الوادي، وكان هذا السيول يحجز عتبان بن مالك عن إتيان المسجد. قال: وإن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي، فلو وددت أنك جئت فصليت في بيتي مكاناً حتى أتخذه مسجداً. فقال: أفعل إن شاء الله. النبي صلى الله عليه وسلم قال: سأفعل إن شاء الله. فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر معه، بعدما اشتد النهار، فاستأذن النبي عليه الصلاة والسلام، فأذنت له، فلم يجلس حتى قال: أين تحب أن يصلي من بيتك؟ فأشرت له إلى المكان الذي يحب أن يصلي فيه، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكبر، وصففنا وراءه، وصلى ركعتين، ثم سلم، وسلمنا حين سلم. وهذا، مع أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يقل أحد من العلماء أنه يشرع مثل هذا، إذا كان مثل إنسان يريد بيتاً، أو يريد مكاناً يصلي فيه في البيت، أن الرجل الصالح يأتي ويصلي في ذلك المكان، ثم يتخذه مصلى. لم يقل به أحد ممن عرف بالعلم، لأن هذا إنما فعل مع النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا مما يؤيد أن التبرك لا يكون بغير النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يكون بالنبي صلى الله عليه وسلم بآثاره. قال: ففي هذا الحديث دليل على أن من قصد أن يبنى مسجده في موضع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا بأس به. يعني: يبني مسجداً يصلي الناس فيه، ليس في بيته. وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته. لكن هذا كان أصل قصده بناء مسجد، فأحب أن يكون موضعاً، فأحب أن يكون موضعاً أن يصلي له فيه النبي عليه الصلاة والسلام، ليكون النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي رسم المسجد. بخلاف مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً، فاتخذ مسجداً لا لحاجة إلى المسجد، لكن لأجل صلاته فيه. فعن إذا كان هذا الموضع يحتاجون إلى الصلاة، وعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في ذلك المكان، فاتخذ ذلك طيباً. وأما إذا كان ليس لحاجة المسجد، فيبنى مسجد ليس بحاجة فيه، وإنما لأجل المكان، فهذا خطأ. قال: فأما الأمكنة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد الصلاة أو الدعاء عندها، فقصد الصلاة فيها والدعاء سنة. مثل كما قلنا: قباء، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اتباعاً له. كما إذا تحرّى الصلاة والدعاء في وقت من الأوقات التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يتحرى فيها، أو بدعاء كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قصد الصلاة والدعاء في ذلك الوقت سنة. فسائر عباداتي، وسائر الأفعال التي فعلها على وجه التقرب، من ذلك مثلاً: يقوم نصف الليل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم ذلك الوقت. قال: مثل ما أخرجاه في الصحيحين عن زيد، أن يزيد بن أبي عبيد قال: كان سلم بن أقوى يتحرى الصلاة عند الاستوانة التي عند المصحف. فقلت له: يا أبا مسلم، أراك تتحرى الصلاة عند هذه الاستوانة؟ قال: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يتحرى الصلاة عندها. قلنا: الاستوانة مثل السارية. قال: في رواية مسلم عن سلم بن أقوى: أنه كان يتحرى الصلاة موضع المصحف، يسبح فيه، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحرى ذلك المكان، وكان بين المنبر والقبلة قدر ممر الشاة. قالوا: قد ظن بعض المصنفين أن هذا مختلف فيه، وجعله القسم الأول سواء، وليس بجيد. فإن هنا أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى البقعة، فكيف لا يكون هذا القسم مستحباً؟ أما إذا كان لم يتحرَ النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حصل منه اتفاقاً، فهذا لا يقصد للعبادة. قال: نعم، إيطان، إيطان، إيطان. معنى: استيطان، أو اتخاذها وطناً. معنى: كأنه يرى أن هذا المكان مكانه، معنى: مكان معلوم من المسجد. قال: نعم، إيطان بقعة في المسجد لا يصلي إلا فيها، منهي عنه، كما جاءت به السنة. والإيطان ليس هو التحرى من غير إيطان. فالإيطان: معنى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستوطن أحدكم المسجد». لا يستوطن: معنى يجعله وطناً، أي مكاناً له، يقول: هذا مكان، كلما رأى أحداً في ذلك المكان أخرجه، ويقول: هذا المكان مكاني، ليس هناك لأحد مكان في المسجد. قالوا: قد تنازع العلماء فيما إذا فعل فعلاً من المباحات لسبب، وفعلناه نحن تشبهاً به مع انتفاء ذلك السبب. فمنهم من يستحب ذلك، ومنهم من لا يستحبه. أنا منهم من يدرج هذا في أمور العادات، يقول: هذا لا يقتدى به بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من جعله يندرج إذا نوى الاقتداء. قالوا: على هذا يخرج فعل ابن عمر رضي الله عنهما، فأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في تلك البقعة التي في طريقه، لأنها كانت منزلة، لم يتحرَ الصلاة فيها لمعنى في البقعة. فنظير هذا: أن يصلي المسافر في منزله، وهذا سنة. أما قصد الصلاة في تلك البقعة التي صلى فيها اتفاقاً، فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة. بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين، ولم ينقل عن أحدهم منهم أنه تحرى صلاة في مصليات النبي عليه الصلاة والسلام. لم يأتِ من أحد منهم أنه قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل في هذا الموضع، نحن ننزل فيه، وكلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في موضع نزل فيه. فهذا لم يفعله أبو بكر، مع أنه كان شديد الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: معلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». فهذا التتبع الذي يكون من غير قصد، الأفضل تركه. وأما إذا ثبت أن هذا أثر من آثار النبي صلى الله عليه وسلم، واعتاده أو تكرر وتحرى، فإنه يعتاد. قالوا: التحرى هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما ابتدع. وقول الصحابة إذا خالف نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة. طيب، إن شاء الله تعالى.