التعليق على كتاب التوحيد 43

الدرس في التعليق على كتاب التوحيد 43، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مناسبة باب الشفاعة وتعريفها لغةً واصطلاحاً

يشرح الدرس سبب إيراد باب الشفاعة في كتاب التوحيد للرد على زعم المشركين بأن الأصنام والصالحين شفعاء عند الله، مبيناً أن الله لا يحتاج لواسطة لعلمه وقربه. ثم يعرّف الشفاعة لغةً بالضد والزوجية، واصطلاحاً بالتوسط لجلب نفع أو دفع ضر.

منهج أهل السنة في الجمع بين آيات النفي والإثبات في الشفاعة

يعرض المقطع آيات تنفي الشفاعة عن الظالمين وآيات تثبتها بإذن الله، موضحاً أن الخوارج والمعتزلة نفوها مطلقاً بينما أثبتتها الصوفية والمرجئة مطلقاً. ويبين أن أهل السنة جمعوا بينهما بإثبات الشفاعة بشروطها يوم القيامة فقط.

شروط الشفاعة وحصرها بأهل التوحيد

يشترط للشفاعة يوم القيامة الإذن الإلهي والرضا عن المشفوع، وهي مختصة بأهل التوحيد ولا تنال المشركين مستدلاً بآيات من سورة الأنعام والزمر. ويستثنى من ذلك شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب لتخفيف عذابه فقط، ويرد على مزاعم النسب والشفعاء الضامنة للجنة بغير حق.

الشفاعة لله وحده وختام الجلسة

يؤكد المتحدث أن الشفاعة كلها لله وحده، ثم يتحقق من فهم الحضور ويعلن انتهاء الجلسة لضيق الوقت. ويشير إلى أن الترجمة قامت بها نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العلامة المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى: "باب الشفاعة". وما مناسبة ذكر الشفاعة في كتاب التوحيد؟ في كتاب التوحيد المناسبة؛ لأن المشركين الذين يعبدون الأصنام يقولون: إنها شفعاء لهم عند الله. المشركون الذين يعبدون الأصنام، أو يعبدون الصالحين، يقولون: إن هذه الأصنام، وأولئك الصالحون، شفعاء لنا عند الله. فهم يشركون بالله سبحانه وتعالى، فيدعونهم من دون الله، ويستغيثون بهم من دون الله، ويخافونهم من دون الله، ويذبحون لهم من دون الله. فناسب هنا أن يبين أن الشفاعة لله سبحانه وتعالى وحده، لا يحتاج إلى من يشفع عنده في الدنيا، وكذلك في الآخرة يشفع بشروط. أما في الدنيا فلا أحد يشفع. عرفنا الآن وجه المناسبة: المشركون يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، يعني أنهم شفعاء لنا عند الله، وسطاء بيننا وبين الله. فأدى هذا الاعتقاد الفاسد... هذا اعتقاد فاسد، من يعتقد أن بينه وبين الله واسطة، هذا اعتقاد فاسد؛ لأنه شبه الخالق بالمخلوق. المخلوق نعم يحتاج إلى واسطة؛ لأن علمه قاصر، ولأن ملكه قاصر، ولأن قدرته قاصرة. إنسان رئيس أو وزير ما يعرف كل الناس، صح؟ وما يطلع على أحوال جميع الناس، فهو يحتاج إلى من يوصل له من لا يعلم. لكن الله عز وجل، هل يخفى عليه شيء من أعمال خلقه؟ لا يخفى عليه شيء. وهل يحتاج إلى أن يكون بينه وبين خلقه وسائط؟ لا. فهو القائل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. فهو ما يحتاج إلى واسطة. فهؤلاء اتخذوا الشفعاء، فعبدوهم من دون الله، وتقربوا إليهم بحجة أنهم واسطة بينهم وبين الله. فناسب هنا أن يبين هذه المسألة، وأن ينقض هذا الاعتقاد الفاسد الذي يعتقده كثير من المشركين في الزمان الأول، وفي هذا الزمان. فذكر هنا باب الشفاعة. والشفاعة لغة: هي اسم من شفع يشفع، إذا جعل الشيء اثنين. والشفاعة ضد ماذا؟ ضد الوتر. الشفاعة ضد الوتر. قال الله عز وجل: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3]، والشفع والوتر. فمعنى الشفاعة: يعني ضم واحد مع آخر. فهم يعنون الشافع والمشفوع، يعنون الله عز وجل مع أصنامهم ومعبوداتهم. واضح؟ فهذا معنى الشفاعة لغة. وأما الشفاعة اصطلاحًا، فعرفها العلماء بالتوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. الشفاعة في الشرع، في الاصطلاح، هو التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. مثال جلب منفعة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة يوم القيامة أن يدخلوها، هذه شفاعة في جلب منفعة، صح؟ ودفع مضرة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن استحق النار أن لا يدخلها، أو لمن دخل النار أن يخرج منها، هذه دفع مضرة. فهذا هو تعريف الشفاعة: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. ثم ذكر المؤلف هنا عدة آيات تدل على نفي الشفاعة عن الكافرين المشركين، وإثباتها للمؤمنين بشروطها. باختصار، قبل أن نبدأ في شرح هذه الآيات: أن القرآن ذكر آيات كثيرة في الشفاعة، منها آيات تنفي الشفاعة، ومنها آيات تثبت الشفاعة. مثال الآيات التي تنفي الشفاعة: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18]. ومثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: 28]. وقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [السجدة: 4]، فنفى عنهم الشفيع. هذه آيات فيها نفي الشفاعة. وفي آيات فيها إثبات الشفاعة، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]، وقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]، وغيرها من الآيات. فجمع أهل السنة؛ لأنهم ينظرون بعينين مبصرتين، بخلاف أهل البدع والضلال، فإنهم ينظرون بعين عوراء. هكذا ينظرون إلى بعض النصوص ويغمضون عن النصوص الأخرى. فمثلًا: الخوارج والجهمية والمعتزلة، كل هؤلاء نفوا الشفاعة، قالوا: ما في شفاعة، ما يخرج أهل النار من النار. واضح؟ ولا توجد شفاعة. استدلوا بآيات ماذا؟ بآيات النفي: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، وغير ذلك من الآيات، ولم ينظروا إلى آيات ماذا؟ الإثبات، إثبات الشفاعة. فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وغيرها من الآيات. وفي المقابل، في المقابل عباد القبور، الصوفية، نظروا إلى آيات الإثبات، نظروا إلى آيات الإثبات، ومنهم المرجئة، فقالوا بإثبات الشفاعة مطلقًا. استدلوا بآيات ماذا؟ الإثبات. قالوا: الله عز وجل ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، وغيرها من الآيات. وأهل السنة جمعوا بين القولين، فهم وسط كما وصفهم الله في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]. فقالوا: لا نثبت الشفاعة مطلقًا، ولا ننفيها مطلقًا، إنما نثبتها بشروط. نثبتها بشروط. واضح هذا الآن، وسيأتي ذكر هذه الشروط. وأما في الدنيا فلا شفاعة عند الله، وإنما الشفاعة في يوم القيامة بشروط. الشروط: أولاً، الرضا عن الشافع، الرضا عن الشافع. طيب، والإذن للشافع كذلك، والرضا عن المشفوع، والرضا عن المشفوع. فهذا له شروط، وهذا دلت عليه الآيات التي سيذكرها المؤلف. فمثلًا الآية الأولى... هذا مقدمة بها نفهم هذه الآيات التي ذكرها المؤلف. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 51]. يعني: أنذر بالقرآن الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم، ليس لهم من دونه ولي ينصرهم من دون الله، ولا شفيع ممن يتعلقون به في الدنيا. هؤلاء الشفعاء الذين يتعلقون بهم في الدنيا لا يكون شفعاء لمن طلب منهم الشفاعة في الدنيا. لماذا؟ لأن من شرط الشفاعة أن تكون للموحدين، لا للمشركين. فمن أشرك بالله عز وجل في الدنيا لا ينالها في الآخرة. أيش هو الدليل؟ قول الله عز وجل: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾. الظلم هنا بمعنى ماذا؟ الشرك. الظلم هنا بمعنى الشرك. فقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ﴾ يعني: ما للمشركين. فالشفاعة لا ينالها مشرك، إنما ينالها أهل التوحيد، ينالها أهل التوحيد. ولذلك ما نال الشفاعة مشرك إلا عم النبي عليه الصلاة والسلام، وهي خاص به عليه الصلاة والسلام. الشفاعة في من؟ في أبي طالب. لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ماذا أغنيت عن عمك؟ وقد كان يحوطك وينصرك؟ فقال: «هو في ضحضاح من نار»، يعني في عذاب يسير في النار. وجاءت في رواية أنه: «يعني تحت قدميه جمرة يغلي منها دماغه». ثم قال: «ولولا أنا... يعني لولا شفاعتي لكان في الدرك الأسفل من النار». فهذه فقط خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام. أما غير النبي عليه الصلاة والسلام، فإن الشفاعة لا ينالها مشرك، ما جاء في النصوص أبدًا؛ لأن الشفاعة تأخذ من النصوص، الكتاب والسنة، فلم يأتِ في الكتاب والسنة أن الشفاعة ينالها مشرك إلا في عمل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي خاصة به. واضح؟ فإذن قوله هنا: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، لأنهم موحدون، فليس لهم من دون الله ولي ولا شفيع إلا الله سبحانه وتعالى. واضح. وقولوا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، فلا أحد يملكها، لا أحد يتصرف فيها. فما يقوله البعض: "أنا سيشفع لي نبي"، وش عرفك؟ "أنا سيدخل لي نبي الجنة"، يجزم بهذا؟ مثل آل البيت الآن يتبجحون بهذا، يقولون: "نحن نفعل ما نشاء، جدنا سيشفع لنا". ليست الشفاعة للنبي عليه الصلاة والسلام، لا بد من الإذن والرضا، فلا يملكها أحد، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، إلا بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. واضح هذا الآن. فلله الشفاعة جميعا، لله الشفاعة جميعا. واضح هذا؟ طيب، اليوم نكتفي بهذا من انتهاء الوقت. ترجمة نانسي قنقر.