الدرس في الدرة البهية شرح القصيدة التائية 24، الدرس الرابع والعشرون:من( قال الشيخ يعد ما أجاب بهذه الأجوبة السديدة والمعارف المفيدة ... فقد رجعت إلى الحق والصواب واعترفت بأن لله الحجة البالغة على عباده ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بتناول قصيدة شيخ الإسلام في الرد على المعترضين، حيث يوضح العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله أصل القدر كأحد أصول الإيمان وتفاصيل جوابه.
يتم تناول شرح لمسألة القضاء والقدر من خلال أمثلة توضيحية مستدلاً بالقرآن الكريم، ويوضح ابن القيم أن العبد هو الفاعل لفعله حقيقة وأن الاستدلال بالقدر على المعصية كاذب.
يناقش كيفية الرد على من يستدل بالقدر على فعل المعاصي، موضحًا أن ادعاء الجبر كذب وأن التوبة والإقلاع بقدرة الله، وأن الإنسان مسؤول عن أفعاله بإرادته.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: قال الشيخ، بعدما أجلب بهذه الأجوبة السديدة والمعارف المفيدة، قال: «فدونك علما بالذي قد أجبت به معاني إذا انحلت بفهم غذريزة أشارت إلى أصل يشير إلى الهدى ولله رب الخلق أكمل مدحتي». قال: أي دونك هذه الأجوبة لما سألت عنه، سواء كان السؤال سؤال استرشاد أو سؤال اعتراض وعناد، كما هو الظاهر من ألفاظ السائل وفحوى كلامه، وهو الذي فهمه الشيخ. وقد مر معنا أن السائل افتتح هذه الأبيات بأنه سؤال ذمي، وهذه قرينة مع ما في الأبيات مما مر معنا مما يدل أنها وردت مورد الاعتراض والعناد، وليس السؤال والاسترشاد، وأنها وردت مورد المجادلة بالباطل، لم ترد مورد المطالبة بالحق والبحث عنه. ولهذا ذكر العلماء في ذكر هذه القصيدة التي ألفها شيخ الإسلام أنها كانت ردًا على اعتراض يهودي، كما أشار إليه غير واحد، ومنهم الحافظ بن كثير رحمه الله تعالى. فقد ذكر من ترجم لشيخ الإسلام هذا المعنى، وذكر أن شيخ الإسلام رد في منظومة له على يهودي معترض، وهو الذي أخبر في أول هذه المنظومة أنه ذمي، كما ذكره الصفدي فيما نقل هذا المعنى عن شيخ الإسلام. وذكر الحافظ بن كثير أنه كان أي هذا النظم لرجل شيعي معتزلي يقال له السكاكيني، وأن هذه المنظومة وردت مورد اعتراض الذم كذبًا وزورًا، والمقصود منه هو التلبيس، وكذلك الاعتراض والمعاندة، وليس طلب الحق. فالمقصود أن الشيخ رحمه الله أجاب بما تبرئ به الذمة، وبما تقوم به الحجة والهداية من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: «فهذه الأجوبة التي تشير وتبين هذا الأصل، وهو أصل القدر الذي هو أحد أصول الإيمان، فإنه أحد أركان الإيمان، كما جاء في حديث جبريل». وقد بيّن الشيخ في تفاصيل جوابه هذا الأصل بيانًا شافيًا، ووضحه توضيحًا كافيًا، لا تجد هذا التفصيل وهذا التحقيق في كلام غير هذا الإمام العظيم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين عمومًا، وأهل العلم خصوصًا، أفضل الجزاء، ورفعه في أعلى درجات الصديقين، ونفع بعلومه جميع المسلمين، آمين. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الشرح وهذه التعليقات لهذا النظم للشيخ العلامة عبد الرحمن بناصر السعدي رحمه الله تعالى، ومرت بنا فوائد شتى وتعليقات نافعة مفيدة، وهو كتاب مختصر، ولكن مع هذا الاختصار فيه هذه الفوائد التي أشار إليها الشارح بشرحه ونقله. ومع ذلك لا يعني أن مباحث هذا الباب باب القدر تنحصر فيما ذكر، فإن مباحثه واسعة ومسائله كثيرة. ولذلك فإن أهل الحق يردون شبه أهل الباطل بحسب موردها، فإن كان ردها يكفي فيه الاختصار، يقتصر عليه، وإن كان ردها يحتاج فيه إلى شيء من البسط والتطويل، طولوا فيه. وقد ألف الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى كتابه العظيم «شفاء العليل في معرفة أحكام العلل والتنزيل» الذي جعله أو نحو ذلك في القدر، في رد شبه القدرية في القدر. قال رحمه الله تعالى: «خاتمة في ذكر أمثلة منوعة تكشف لك مسألة القضاء والقدر، حيث كان المقام من أهم الأمور، وقد حارت فيه أفهام كثير من الأذكياء، ولم يهتدي للصواب المحض كثير من العلماء، وكثير منهم يأخذ مسائله على وجه التقليد، غير مقتنع بوجه يجمع فيه بين الإيمان بشمول القضاء والقدر، مع أن العبد هو الفاعل حقيقة لفعله، وهو الممدوح أو الملوم على كسبه». مع أن الشيخ رحمه الله حقق هذا المقام في هذا النظم غاية التحقيق، وبين فيه الهدى من الضلال، حتى وضح الطريق. لكن الأمثلة تزيد البصيرة بصيرة، وتزيل عن الشاك الطالب للحق الريب والحيرة. لهذا نقول في ضرب الأمثلة المتعلقة بهذه المسألة العظيمة. المثال الأول: هذه الخاتمة جعلها كما أشار رحمه الله زيادة تبصير وإيضاح، يكون فيه بيان وإزالة الإشكال بالمثال. وكما قيل: بالمثال يزول الإشكال. وأهل العلم يردون الباطل ويظهرون الحق بالجل الشرعية، وبنقولات أهل العلم، وبكذلك ضرب الأمثلة وتوضيح المقامات، وكل هذا من العلم. حتى لا يقول قائل: «هذه أمثلة كالقصص والأخبار»، فيقال: ليس المقصود القصص بقدر ما المقصود هو أخذ العظات والعبر مما يرد في هذه الأمثلة المضروبة. وفي القرآن من هذا المعنى الشيء الكثير، فالله عز وجل ضرب لنا الأمثال الكثيرة في القرآن، من الأمثال المجملة أو المفصلة، ومن الأمثال المعينة أو المبهمة، كل ذلك لأجل أن يزداد صاحب البصيرة بصيرة، وصاحب الحق حجة وبرهان. قال رحمه الله: المثال الأول رجل كان مسرفًا على نفسه، كثير الجراءة على المعاصي، فقال له صاحبه وهو يناصحه ويحاوره: «أما ترتدع عما أنت عليه؟ أما تتوب إلى ربك وتنيب إليه؟ أما علمت أن عقابه شديد على العاصين؟». فقال المسرف: «دعني أتمتع فيما أريد، فلو شاء الله لهداني، ولو أراد لي غير ذلك لما أغواني». وهذه حجة أكثر العاصين ممن يستدل بالقدر على معصيته، مع أنه يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب في هذا الادعاء، فهو يعلم أن غوايته كانت من نفسه، لم يجبره عليها أحد. قال: فقال له الناصح: «بهذا الاعتذار الكاذب ازداد جرمك وتضاعف ذنبك، فإن الله لم يغوك، بل الذي أغواك الشيطان، وانقذت له النفس الأمارة بالسوء، حيث قال الشيطان مخاطبًا لربه: ﴿فَبِعِزَتِكَ لَأُغْوِيَنَهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، فالشيطان دعاك إلى المعاصي فأجبته، والله دعاك إلى الهدى فعصيته». وبين الله لك السعادة وطرقها، وسهل أسبابها، ورغب فيها، ووضح لك طريق الشقاوة، وحذرك من سلوكها واتباع خطوات الشيطان، وأخبرك بما تأول إليه من العذاب الشديد، فرضيت واستبدلت الضلالة بالهدى والشقاوة بالسعادة، واستبدلت الضلالة بالهدى. وهكذا الأحسن، قال: «واستبدلت الضلالة بالهدى والشقاوة بالسعادة، وجعل لك قدرة وإرادة تختار بهما وتتمكن بهما من كل ما تريد، ولم يلجئك إلى فعل المعاصي، ولا منعك من الخير، فسلكت طريق الغي وتركت طريق الرشد، فلا تلم إلا نفسك». وهذه كلها نصائح عظيمة، وهي قواعد في هذا الباب في الرد على من يستدل بالمعاصي على القدر، وهي متضمنة لمعاني آيات وأحاديث كثيرة في هذا المقام. وسبقت الإشارة إلى معنى ذلك خلال شرح النظم مما أشار إليه الشارح رحمه الله، وسبق كذلك وجه التضعيف بالذنب، أنه باعتذاره بذنوبه ومعاصيه بالقدر على ذنوبه ومعاصيه ازداد جرمه وتضاعف ذنبه، لأنه كذب وهو يعلم في قرارة نفسه أنه كاذب، ولأنه صار مجادلًا بالباطل، واستحق العقاب مرتين: لفعل المعصية، ولمجادلته بالباطل. ومرت معنا أمثلة توضح هذا المقام وتقربه. قال: «ما سمعت ما يقول الداعي لأتباعه يوم القيامة، حيث يقول خطيبًا فيهم -يعني الشيطان- وقال الشيطان لما قضي الأمر: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ الآية». فقال المسرف: «كيف أستطيع أن أترك ما أنا فيه والله هو الذي قدره علي؟ وهل يمكنني الخروج عن قضائه وقدره؟» فقال له الناصح: «نعم يمكنك الخروج بقدره، فالتوبة والإقلاع عما أنت فيه وأنت تعلم علمًا لا تشك فيه من قدر الله، فارفع قدر الله بقدره». مع أن حقيقة القدر الذي ادعاه في فعل المعصية هو كذب، لأن التقدير الذي هو حقيقة الأمر ليس تقدير فيه جبر للعبد على فعل المعاصي، وهو يعلم أنه ليس بمجبور، بل أدلة الكتاب والسنة تكذب هذا الدعاء. فالله عز وجل قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، فشكره وكفره يكون بفعله -فعل نفسه- أي هذا الإنسان. فكونه يدعي أن فعله للمعصية كان بالقدر الذي يدعي معه أنه لا قدرة له ولا حيلة، فهذا كذب. وأما إن أراد بالقدر التقدير علم الله السابق وعموم مشيئته، فهذا حق، ومع ذلك لا يصح الاستدلال به على القول بالجبر، وعلى الاستدلال بالمعاصي بالقدر على المعاصي والذنوب. قال رحمه الله: «ثم إن قولك وإن المعاصي الواقعة مني من قدر الله، إن أردت أن الله أجبرك عليها وحال بينك وبين الطاعة، فأنت كاذب، وهذا ما سبق وأول من يعلم كذبك نفسك»؛ يعني إن كنت صادقًا مع نفسك، فإنك تعلم كل العلم أنك لو أردت ترك الذنوب لما فعلتها، ولو أردت إرادة جازمة فعل الواجبات لفعلتها. فلقد أقدمت على المعاصي برغبة منك ومحبة وإرادة لا تشك ولا يشك غيرك فيها، وتعلم أن قولك: «إنها بقضاء الله وقدره»، دفع للوم عنك. فهل تقبل هذا العذر لو ظلمك ظالم أو تجرأ عليك متجره وقال: «إني معذور بالقدر، فلا تلمني»؟ أما يزيدك كلامه هذا حنقًا، وتعرف أنه متهكم بك؟ فقال المسرف: «بلى هذا الواقع». فقال الناصح: «كيف ترضى أن تعامل ربك الذي خلقك وأنعم عليك النعمة الكثيرة بما لا ترضى أن يعاملك به الناس؟» وهذا هو الواقع لو أنصف هذا المجادل نفسه. قال: «وإن أردت بقولك: إنها بقضاء وقدر، بمعنى أن الله علم مني أني سأقدم عليها، وأعطاني قدرة وإرادة أتمكن بهما من فعلها، وأنا الذي فعلت المعاصي بما أعطاني ربي من القوى التي مكنني فيها من المعاصي، وأعلم أنه لم يجبرني ولم يقهرني، وإنما أنا الذي فعلت وأنا الذي تجرأت، فقد رجعت إلى الحق والصواب، واعترفت بأن لله الحجة البالغة على عباده». وبهذا يتضح هذا المقام، ويعلم كيف أن أهل الباطل ممن يستدل بالقدر على المعاصي أنه كاذب مع نفسه، فضلًا عن هذه الشبهة وهذا الادعاء. نكتب بهذا ونترك الباقي لدرس اللاحق، والله أعلم.