شرح الجوهرة الفريدة 86

الدرس في شرح الجوهرة الفريدة 86، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

يتحدث الدرس عن أهمية الرفق والعلم والعدل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويستشهد بأقوال سفيان الثوري ومواقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

ضوابط وواجبات الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر

يجب على الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون عالما بما يأمر وبما ينهى، وأن يتصف بالمعروف ولا يتصف بالمنكر، مع مراعاة درجات الإنكار.

أهمية الإصلاح الذاتي قبل توجيه الآخرين

النص يحث على تحسين النفس أولاً قبل محاولة إصلاح الآخرين، ويشدد على أهمية الإصلاح الذاتي قبل توجيه الآخرين نحو الأفضل.

  • 12 جمادى الآخرة 1433هـ - 03/05/2012مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم، بعد فقد كان آخر الكلام عند قول الناظم رحمه الله تعالى: «والأمر بالعرف مع علم به، ولعفو خد وأعرض عن الجهال»، يتأيد كذلك النهي عن نكر، ومورده قول: «فسخطا إذا لم تستطعه يده». وذكرنا النصوص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والفضائل التي يتحصل عليها القائمون بهذه الشعيرة العظيمة. ثم نذكر بعد ذلك ضوابط وأمورا ينبغي للآمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتصف بها، دلت على هذه الضوابط نصوص الشرع وأقوال سلف الأمة. قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى». فهذه ثلاث خصال ذكر سفيان الثوري رحمه الله أن الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه أن يتوفر فيه هذه الثلاثة الخصال: الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الثاني العدل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الثالث العلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قد ذكر ذلك ابن رجب الحنبلي رحمه الله في كتابه «جامع العلوم والحكم»، فقال: سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى»، أي أن يكون عنده الرفق في الأمر بالمعروف ونهي عن المنكر. لماذا؟ لأن الأصل في الأمر بالمعروف ونهي عن المنكر والنصيحة الرفق، هذا هو الأصل؛ لأن المراد نصح المنصوح، وكذلك الهداية له والخير له، فهذا يحتاج إلى رفق حتى يقبل ذلك المنصوح أو المنكر عليه. ولذلك إذا تأملنا في نصوص الكتاب والسنة نجد أن الأصل في الأمر بالمعروف ونهي عن المنكر والنصيحة الرفق، والشدة في مواضعها. الله جل وعلا أرسل موسى وهارون عليهم السلام إلى فرعون، وهو أعظم طاغية عرفته البشرية، ومع هذا قال الله جل وعلا لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لِّينًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، المراد التذكر من فرعون والمراد الخشية من فرعون، أن يتذكر فرعون وأن يخشى فرعون، التذكر والخشية كيف تتأتى ممن أريدت منه إلا بالرفق؟ حتى فرعون كيف يتذكر وكيف يخشى؟ هل يتذكر ويخشى بشدة إذا سب أو شتم أو ضرب؟ لا، إنما يتأتى ذلك بالقول الليين، بالرفق. ولذلك قال جل وعلا: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لِّينًا﴾. ولذلك جاء بعض الآمرين بالمعروف ونهاه عن المنكر إلى رجل وقال له: «إني ناصحك ومنكر عليك ومشدد عليك، أنا سأنصحك وسأنكر عليك لكن بشدة»، قال: «لا أقبل منك»، قال: «لما قال أن الله جل وعلا أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني، وقال لهما قولا له قولا لينا، أنت لست أفضل من موسى ولا من هارون، إلى من هو شر مني فرعون، ومع هذا قال لهم: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لِّينًا﴾، وكيف أنت تقول لي قولا شديدا لا أقبل منك». فلذلك الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأصل، وهو النصيح. ولذلك جاءت النصوص الكثيرة في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في الأمر بالرفق. حديث ذلك الأعرابي الذي بال في المسجد، قام الصحابة ليزجروه ليضربوه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزرموه حتى يقضي بوله»، ثم بين له عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لعائشة لما كان اليهود يدخلون ويقولون: «السام عليك يا رسول الله»، يعني الموت، يقول السام كأنهم يقولون السلام، وعائشة لم تعلم أنهم يقولون ذلك، فغضبت عائشة، قالت: «عليكم السام واللعنة»، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة ما هذا؟»، قالت: «يا رسول الله ألم تسمع ما يقولون؟»، قال: «أو ما سمعت ما قلت؟»، قال: «وعليكم»، كلمة ردت تلك الكلمة. قال لها: «يا عائشة، ما كان الرفق بشيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه». وقال نبي عليه الصلاة والسلام: «من يحرَم الرفق يحرم الخير كله». وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق». والأحاديث كثيرة في الرفق وفضل الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لكن الشدة في موضعها، قال لمعاذ: «أفتان أنت يا معاذ؟» لما كان يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ثم يأتي إلى قومه فيصلي بهم وكان يطيل. وقال لأبي ذر: «إنك امرؤ فيك جاهلية»، لما عير رجلا بأمه. وقال لأسامة: «أقتلته؟ أقتلته؟ بعد أن قال لا إله إلا الله». لكن النبي صلى الله عليه وسلم شد على من شد على أبي ذر، وشد على أسامة، وشد على معاذ، علماء أجلاء من الصحابة يقدرون هذه الشدة. العامي ما يقدر الشدة، العامي إذا شددت عليه ما يقدر هذه الشدة، يقدرها العالم؛ لأنه يعلم حينئذ أن الإنكار في هذا الموضع إنكار شدة. فهذا يدلنا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة في الدين لابد لها من ضوابط، ليس الأمر بالسهل، هذه وظيفة عظيمة لا يتولاها من هب ودب، فيها ضوابط، فيها مراعاة مصالح ومفاسد، ومتى يكون الإنكار. العامي الذي ما يتعلم يعني ما يمكن أن يتقن هذا الباب، نعم أمور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قدر الاستطاعة، وعلى قدر ما معه من علم. لكن من الذي سيوفق للإتيان بهذا على ما يوافق الشرع؟ يحتاج إلى العلم والفهم والضوابط. وذلك ما سمعتم سفيان الثوري ماذا يقول: «لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه خصال ثلاث: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل فيما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى». إذا الرفق وعدل وعلم، الرفق كيف سيأتي من غير علم؟ ما يمكن، العدل كيف سيأتي من غير علم؟ ما يمكن، ما ستوفق للعدل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالعلم، ومتى تستخدم الرفق في موضعه والشدة في موضعه إلا بالعلم؟ إذا لابد من العلم، ولابد من الرفق. فالرفق لابد منه، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول كما في ديوانه: «عَمدتُني بنُصحِكَ في انفِرادي * وَجنِّبني النَصيحةَ في الجَماعَةْ»، «فَإِنَّ النَصيحةَ بَينَ القَومِ نَوعٌ * مِنَ التَوبيخِ لا أَرضى استِماعَهْ»، «وَإِن خالَفتَني وَعَصَيتَ قَولي * فَلا تَسجُ عَنِ الجَوابِ إِذا لَم تَستَطِعْهُ مِنّي»، أي إذا لم أطعك فلا تنزعج؛ لأن هذا هو الذي سيحصل مني، أنت خالفت فكيف تطيعني؟ ومعنى أن يكون النصح في موضعه لا يكون توبيخا، لا يكون بين الناس. الأمر الثاني العدل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال سفيان: «عدل بما يأمر، عدل بما ينهى»، ما هو العدل في الأمر والنهي عن المنكر؟ أن تأمر بما يوافق الشرع وتنهى بما يوافق الشرع. «مرأ منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، حيث بسعيد الخضر. يستطيع الإيمان مسلم ينكر على المنكر، تنكر على صاحب المنكر بقتله، هل هذا من العدل؟ شخص صاحب منكر عنده محل سدي وغناء من الصباح إلى المساء وهو على أغنية إلى أغنية، هذا منكر لا شك ولا رَب. كيف ينكر؟ هل يؤتبه بل يفرج؟ هذا ليس من العدل. من الذي قال لك فجره؟ من الذي قال لك اقتله؟ أبدا. كذلك ما يحصل فيه من المخالفات من مجتمعاتها الإسلام، يكون إنكارها بالعدل، سواء كان من ولي الأمر أو كان من عامة الناس، ليس بالتفجيرات أبدا، وليس بالاعتداءات، هذا ظلم، ليس بالعدل. ليس من العدل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التجاوز عن الحد الشرعي. وكذلك أيضا العلم، أن يكون عالما بما يأمر، عالم بما ينهى. كيف تنكر منكرا وأنت لا تعلم أنه منكر؟ كيف تأمر بمعروف وأنت ما عندك علم بأنه معروف؟ ما هو المعروف وما هو المنكر؟ هل هذا معروف وهذا منكر؟ أنت ما تعلم، كيف ستنكر؟ أبدا، العلم بالمعروف والعلم بالمنكر. بعض الناس ينكر أمورا ليست بمنكرة، ينكرها على الناس ويصيح... وإذا انضبط في هذا الأمر ترى ما فيه شيء، ما يحتاج إلى هذا، أمر سهل، أمر هين. لكن بسبب الجهل، فربما يعظمون أمورا وينكرونها وليس ينبغي على ذلك. وهناك أمور ربما يتهاونون في إنكارها وهي عظيمة بسبب الجهل. ومن الناس من ينكر منكرا ويجعل المنكر يزداد، يعني بدل ما يخفف المنكر زاد المنكر. وذلك يذكر هذا العلم ضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تارة يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا، وهو إذا زال المنكر وانتهى، أو زال المنكر وخلبه منكر أقل منه ودرجة محرمة، وهي أن يزول المنكر ويعظم، أو يتبعه ويكون بدله منكر أعظم منه. لا يحرم شيخ الإسلام تيمي رحمه الله تعالى كان مع بعض تلامذته، مروا على قوم من التتر يشربون الخمر، فأراد بعض تلامذة شيخ الإسلام أن ينكر عليهم، فقال لهم شيخ الإسلام: «دعوهم، تركوهم، تركوهم على ما هم عليه من شرب للخمر». هل شيخ الإسلام تيمي رحمه الله تعالى سكت عن هذا المنكر؟ كيف ما ينكر هذا المنكر؟ شربون الخمر. استغرب هؤلاء طلبة كيف ينهاهم عن إنكار هذا المنكر، فقال لهم شيخ الإسلام: «هؤلاء شربوا من الخمر إنما يمنعهم من الاعتداء على أموال الناس وقتل الناس، إذا أنكرتم عليهم قاموا من شربهم للخمر وذهبوا يأخذون أموال الناس ويقتلوا أموال الله، دعوهم فيكون على هذا، وإن كان هذا منكر لكن إذا أنكر عليهم ترتب عليهم ترتب على ذلك منكر أعظم». هذا من فقه في إنكار المنكر. فإذا درجات يجب أن ينتبه لها. وكذلك أيضا من الضوابط التي يجب أن يتصف بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتصف بالمعروف ولا يتصف بالمنكر. وأنت ستأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، كيف يكون شكلك فيه منكر؟ شكلك منكر فيه، نعم ستنهى عن المنكر وأنت شكلك أصلا يظهر عليه المنكر، إما في لبسك وإما في هيئتك أو غير ذلك، المنكر ظاهر، نعم. فتتصف بالمعروف، تبتعد عن المنكر. والله جل وعلا يقول في كتاب الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. فإذا اتصفت في نفسك بالمعروف كان ذلك أدعى للقبول منك، بخلاف إذا أنت مخالف، تأمر الناس بالمعروف وأنت لا تأتيه، تنهى الناس عن المنكر وأنت تأتيه. ولذلك جاء في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة -عند مسلم وغيره-: «عالم ومجاهد ومتصدق، لكن كانت أعمالهم التي عملوها ما كانت في وجه الله، ما كان فيها الإخلاص لله عز وجل». وحديث أسامة بن زيد، قال عليه الصلاة والسلام: «يؤتى برجل يوم القيامة، فتنطلق أقتاب بطنه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون له: يا فلان ما لك؟»، يعرفونه في الدنيا، «كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر»، «يا فلان ما لك؟ كيف تكون على هذا الوعيد؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟»، قال: «كنت أمركم بالمعروف ولا أتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». والنبي عليه الصلاة والسلام رأى ليلة أسرج به أقواما تقرض شفاهم بمقاريض، «شفاهم تقرض بمقاريض»، رأى من الله عليه الصلاة والسلام ليلة أسرج به، فسأل عن هؤلاء، فقالوا له: «هؤلاء خطباء أمتك»، «هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، والذين ينامون عن الصلاة المكتوبة». انظروا الوعيد الشديد في حق من يأمر الناس بالمعروف وينهى عن المنكر ثم يخالف، والعياذ بالله. كيف هذا؟ وصدق القائل الذي قال: «عجبت لشيخ يأمر الناس بالتقوى * وما راقب الرحمن يوما ومتق»، «يرى جائزا أكل الحشيشة والربا * ومن نظر في الوحي حقا تزندقا»، «يأمر بالمنكر، يقول الربا جائز، ما فيه الحشيشة المخدرات، ما فيها شيء، ما فيه شيء، الرجال مع اللساء ما فيه عادي، ما فيه شيء، المرأة تروح لأمريكا تدرس، يقول واشفيه الأبناء يذهب إن يدرس في أمريكا، اشفيه»، سبحان الله، هذا خلل عظيم. وذلك قال القائل: «وغير متقين يأمر الناس بالتقوى * طبيب يداوي الناس وهو مريض»، «يأمر الناس بالتقوى ويعالج الناس، طبيب يعالج الناس وهو مريض، كيف هذا؟ ما يمكن، عالج نفسك». فالاتصاف بالأخلاق الفاضلة أدعى للقبول. وذلك قال قال الآخر: «يا أيها المعلم غيره * هلا لنفسك ذا التعليم»، «تصف الدواء لذي استقام * وأنت منه عديـم»، «لا تنهى عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم»، المعنى كيف يا أيها المعلم غيره؟ أين هذا التعليم لنفسك؟ هل لنفسك ذا التعليم؟ تصف الدواء لذي استقام، تقول لهم كذا وكذا علاج القلوب، كذا وكذا علاج الغيبة والنميمة، علاج اللسان كذا وكذا، علاج غض البصر كذا وكذا، علاج الابتعاد عن المنكرات كذا وكذا، وأنت ما تشرب هذا الدواء، تصف الدواء للناس وأنت مريض، ولا تتعاطى هذا الدواء. فتنهى عن الأخلاق السيئة وتأتي وتفعلها، هذا أمر عظيم، عار عار عليك إذا فعلت عظيم. ولا يفهم من هذا أن من يقع في المنكر أنه خلاص ما عليه لا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، لا، لا تعتذر بأنك صاحب سيئات، ومن أنا حتى أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر؟ أنا مقصر، أنا مفرط، لا، وإن كنت مقصرا وإن كنت مفرطا، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يبطل، لا يبطل أبدا. الدليل على هذا قول الله جل وعلا: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لِبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، كانوا يفعلون المنكرات، يفعلون الفواحش، لعنهم الله جل وعلا، ودمغهم على تركهم إنكار المنكر، لعنهم على أمرين: فعلهم المنكرات، وتركهم هذا الإنكار. وهذا يفهم منه أنه ولو كان الإنسان مقصرا، منفرطا، لا يظن أنه قد رفع عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا، ولا شك، عليه أن يترك المحرمات ويتحلى بالأخلاق الفاضلة، حتى يكون ذلك أدعى لقبول الناس لنصحه ولأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. وأيضا عليه القيام بهذه الشعيرة، وإلا فيلحقه هذا الوعيد، وهو اللعن، والعياذ بالله. ويدلنا على عظيم هذه الشعيرة، وأن تاركها يلحقه اللعن؛ لأن الله جل وعلا لعن بني إسرائيل على فعلهم المنكرات وعلى تركهم هذا. وإلا لو قال كل واحد منا: «أنا ما سأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لماذا؟ سبب الذنوب والمعاصي»، من منا معصوم من هذا الذي ما عنده ذنوب ومعاصي؟ منا لا أحد، إذن ما في أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، لماذا؟ لأن الكل يقع في الذنوب والمعاصي. لكن هناك من يصر، والعياذ بالله، ويبقى عليها. ومن الناس من يقلع. وإلا الذنوب والمعاصي تقع من العقل، ليس بمعصوم. لكن الخلل والعيب أن يتعمد الوقوع في الذنوب والمعاصي. والثاني: أنه إذا وقع يصر ولا يقلع. المتقون وصفهم الله جل وعلا بأوصاف، ومنها أنهم يقعون في الذنوب والمعاصي ويتوبون. ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾، سماهم متقين، مع أنهم وقعوا في شيء من المخالفة، لكن لم يصروا. فأنت يا عبد الله لا تظن بسبب تفريطك وتقصيرك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صار لا يلزمك، لا، بل هو يلزمك. وصدق القائل الذي قال: «إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب * فمن يعظ في العاصين بعد محمد»، «إذا لم يعظ في العاصين من هو مذنب فمن يعظ في العاصين بعد محمد؟» صلى الله عليه وآله وسلم، ما لم يعظ بعد النبي عليه الصلاة والسلام لو كان لا يعظ في الناس ولا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من يقع في الذنب أبدا، لماذا؟ لأن المعصوم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء. والمعنى أنه أراد أن الإنسان يقع في الذنب والمعصية، لكن لا يتعمد ولا يتقصد، نعم إذا وقع فيها يسرع في الإقلاع عنها والتوبة منها، لا يصر عليها. فهذه الضوابط لا بد منها للأمر بالمعروف والناهي عن المنكر، أن يتصف بهذه الأوصاف التي دلت عليها نصوص الشرع، من الرفق والحكمة، ووضع الشيء في موضعه. ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الله عز وجل، ومجادلة، فلابد أن تضع هذا في موضعه، أن تضع ذلك في موضعه. وهذا لا يتأتى إلا بالعلم الشرعي، لا يتأتى ذلك إلا بالعلم الشرعي. فخلاصة هذا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة لها ضوابط، على الشخص أن يتعلمها وأن يفقهها ويسير عليها. أما اليوم الذين يفسدون في أرض الله عز وجل بحجة الإصلاح والقضاء على الفساد، لا ينطلقون من منطلق الكتاب والسنة في إنكار المنكرات وفي معالجة الفساد، لا ينطلقون، وإنما ينطلقون من أهوائهم، ينطلقون من أهوائهم ومن عقولهم، لا ينطلقون من الكتاب والسنة. وكيف يكون الإصلاح؟ يتأتى من غير الكتاب والسنة؟ فهم سلف الأمة، ولذلك أفسدوا أكثر مما أصلحوا، أفسدوا أكثر مما أصلحوا. لماذا؟ لأنهم أرادوا أن يعالجوا الفساد الواقع في الأمة وأن يصلح هذا الفساد بطرق غير شرعية، ولم ينطلقوا في الإصلاح والإنكار والنصيحة من منطلق الكتاب والسنة، وإنما انطلقوا من نظريات ومن حمية وغير ذلك. وهذا لا يوصي إلى المقصود، بل يكون الضرر أعظم، والواقع خير شاهد، الواقع خير شاهد. فكفاهم إفسادا، كفاهم إفسادا، عليهم أن يراجعوا أنفسهم، يتقوا الله، يرجعوا إلى الكتاب والسنة، يكونوا حقا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر بالضوابط الشرعية، يسلونها العلم. كيف تعالج هذه المنكرات؟ كيف يعالج هذا الفساد؟ ليس بأهوائهم، ولا بأقوال منظريهم. تجد الذي يتزعمهم جاهل، جاهل ربما بأبسط الأمور، ويتزعم. والله بعضهم ربما يحسن الوضوء، والله ما هو مبالغة، بعض من يتزعم هؤلاء ربما يرى نفسه قائدا لا يحسن الوضوء، يعتدي في الوضوء، نعم ربما يغسل أكثر من ثلاث مرات رجله هذا اعتداء في الوضوء، أو يغسل وجهه أكثر من ثلاث مرات. شاهدنا بعض الناس يغسل رجله ربما خمس مرات، وكيف وهذا قائد ويقود الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الأمة في كذا والأمة في كذا... طيب انظر وضوءك أنت، ما تحسن الوضوء، الوضوء ما تحسن الوضوء، وكيف تحسن أمور عظيمة تتعلق بدماء المسلمين وأمور عظيمة؟ نسأل الله أن يهديهم، نسأل الله أن يهديهم، نسأل الله أن يهديهم، ويرجعهم إلى الحق، وأن يغيث المسلمين من شرور كل ذي شر. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.