شرح مختصر شعب الإيمان 29

شرح مختصر شعب الإيمان 29

الدرس في شرح مختصر شعب الإيمان 29، 51-الحكم بين الناس بالعدل . 52-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في العدل وأهميته في الأسرة والمجتمع

العدل أساس الحكم بين الناس وأفراد الأسرة، ويعني وضع الشيء في موضعه بحسبه. العدل واجب في جميع الأمور ويجب مراعاته في مختلف الظروف.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كأساس للإصلاح

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شعب الإيمان وأساس صلاح المجتمع. يجب على المسلم تغيير المنكر حسب استطاعته إما باليد أو باللسان أو بالقلب.

تحذيرات السلف من الإفساد وعقوبة المجاهرة بالذنوب

السلف الصالح حذروا من تفشي الإفساد وعدم إنكاره، والمجاهرة بالذنوب قد تؤدي إلى تعجيل العقوبة. الشريعة الإسلامية تحذر من هذا السلوك وتؤكد على أهمية التواصي بالحق وإنكار المنكر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين. اشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: قال الحكم بين الناس بالعدل، يعني ومن شعب الإيمان الحكم بين الناس بالعدل. وإن شئت فقل: الحكم بالعدل، فإذا كان في الناس ففي النفس والأهل من باب أولى. قال لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ففي الآية الأمر بالعدل في الحكم. والله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، وليس من العدل الخيانة في الخصومة أو الخصومة بالخيانة، وكلا الأمرين من عدم العدل. بل إن الله عز وجل أمر بالعدل حتى مع العدو، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْصِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، والأمر بالقصط أمر بالعدل وزيادة، فهو مبالغة في العدل. ولحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- في الصحيحين: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها». والشاهد أنه يقضي بالحكمة -بالحق- ويعلمها، وهذا من الحكم بالعدل. وإذا كان هذا مع الناس فمع الأهل من باب أولى. ولقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْتِ ذُو الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- العدل في مواضع كثيرة تتعلق بالرعاية الخاصة، كعدل الرجل مع أبنائه: «اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم». فينبغي أن تعدل بين الأبناء، وهو مع ما فيه من طاعة لله عز وجل وأداء لحق الأبناء، فيه كذلك حسن لك، بما يكون من برهم وعدم تحامل بعضهم على بعض، وعليك، وغير ذلك من المصالح الأخرى. وهكذا من مواضع العدل العدل بين الزوجات، مما يكثر فيه الامتحان، فينبغي أن يتقى الله عز وجل في ذلك الباب. والمقصود بالعدل بحسبه: وضع الشيء في موضعه بحسبه. فمثلًا نص العلماء أنه لا ينافي العدل الزيادة لسبب في العطاء، مثل إذا مرض أحد أبنائك فأنت تعطيه لمرضه ما لا تعطي غيره، فليس من الحكمة ولا من العدل أنك تعطي الأصحاء كما أعطيت هذا المريض. قال -رحمه الله تعالى-: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إِلَى قَوْلِهِ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، والقرآن مشحون بهما -يعني بذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- والأمر به. فمن شعب الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه النصح، «فالدين النصيحة». ولكثرة ما روي في هذا الباب، وما ذكر من أدلة الكتاب، نص بعض أهل العلم أنه الركن السادس من أركان الإسلام، واستأنسوا بقول الله عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية، فذكر ربنا جل وعلا من أعظم صفات المؤمنين وأولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قدم على الصلاة وغيرها من الفرائض. ولحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- بصحيح مسلم: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». فعلم بذلك أن من شعب الإيمان تغيير المنكر إن استطاع باليد فباليد، فإن لم يستطع باللسان، فإن لم يستطع فبالقلب، وذلك أضعف الإيمان. وفي رواية: «ليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان». لأن المؤمن لا يمكن أن يرضى قلبه بالمنكر، قلب المؤمن لا يرضى بالمنكر، إن لم يستطع أن يغير وعذر في ذلك بيده أو بلسانه، أو اقتضت المصلحة ذلك. ولحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- فيه أيضًا: «ما من نبي بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له في أمتي حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». وهذا بمعنى الحديث المتقدم. والمراد بالمجاهد باليد: يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمن يستطيع ذلك، كالأب مع أسرته، يستطيع، وولي الأمر مع من تحته، والمسؤول، وشيخ القبيلة، والرجل الذي له سلطة ومنزلة. أما إنسان ليس له ذلك، وخصوصًا أنه يؤدي لمفسدة أكبر، فمثل هذا لا ينصح في حقه التغيير باليد، لأنه يكون سببًا في الإضرار بنفسه وبغيره، وتطاول أهل الفساد والشر. فلا بد من النظر إلى أعلى المصلحتين فتقصد، وأشد المفسدتين فتدفع. وهكذا المجاهد باللسان، فإن لم يكن فلا أقل من القلب، أن يكون في القلب كراهية لذلك، واجتهاد في إيجاد حل لإزالة هذا الفساد. قال -رحمه الله تعالى-: وبه أنبأ البيهقي بإسناده عن مالك بن دينار أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، قال: فأما اليوم ففي كل قبيلة وحي من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. يعني إذا كان الله عز وجل ذكر مدينة فيها تسعة رهط، فيقول مالك بن دينار -رحمه الله-: أما اليوم فكل قبيلة وحي فيها كثير من أهل الإفساد، إنا لله وإنا إليه راجعون. فإذا قال هذا في زمانه، فماذا نقول نحن في هذا الزمان؟ إنا لله وإنا إليه راجعون. لكن ما دام المرء يجتهد بقدر استطاعته على الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو بإذن الله يُعذر عند الله، ويكون سببًا من رفع عذاب الله وسخطه. قال: وعنه أيضًا: أن الله عز وجل أمر بقرية أن تعذب، فضجت الملائكة، وقالت: إن فيهم عبدك فلانا، قال: أسمعوني منه صيحة، فإن وجهه لم يتمعر غضبًا لمحارمي. وفي رواية: فبه فابدءوا، فإنه لم ينكر أو لم يغضب لحرمتي. قال: وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسناد ضعيف، جاء من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا، ولا يصح. وصوب الحفاظ، ومنهم البيهقي -رحمه الله- في الشعب: أنه من قول مالك بن دينار، أنه أثر من قول مالك بن دينار، وهو أشبه أن يكون من الأخبار الإسرائيلية بما وقع للأمم السابقة. قالوا عنه أيضًا -أي مالك بن دينار-: قال: اصطلحنا على حب الدنيا، فلا يأمر بعضنا بعضًا، ولا ينهى بعضنا بعضًا، ولا يذرنا الله تعالى على هذا، فليت شعري أي عذاب ينزل. ومعناه: حين رأى ضعف الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة، قال: هذه الكلمات أن حال الناس هو الاصطلاح على حب الدنيا، صلح على حب الدنيا، فيمر الجار بجانب جاره ويرى ما لا يرتضيه من دين الله، ربما في الجار أو في امرأته أو في أولاده أو غير ذلك، في بيعه وشراءه أو غير ذلك، فلا يدفعه حبه له وإرادته مرضات الله، النصح، حصل اصطلاح ومجاملة لأجل الدنيا. فقوله: ولا يذرنا الله تعالى على هذا، إذا كان الأمر هكذا، فنحن نخاف عذاب الله، نخاف عذاب الله. نعم، إذا كثر الخبث -كما في الحديث-: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث». فإذا كثر الخبث، فإنا نخاف من عذاب الله وغضبه وإهلاكه، ولو كان في المجتمع بعض الصالحين، ما دام لا يصل، فلا يصلحون ما أفسد الناس، فيخشى من عذاب الله. قال: وعن عمر بن عبد العزيز -قال-: كان يقال: «إن الله عز وجل لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهارًا فلم ينكروه، استحقوا العقوبة كلهم». والمعنى: المجاهرة بالذنوب -بالمعاصي- من أعظم أسباب تعجيل العقوبة، فقد لا يعذب العامة بذنب الخاصة -كما قال سبحانه-: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولكن إذا جهر بالمنكر فلم ينكر، الخاصة على العامة، ولم يحصل التواصي بالحق، فعند ذلك يخشى من عذاب الله وغضبه وعقابه، هذا هو المعنى والمقصود، وهو معنى صحيح دلت عليه عمومات الشريعة. وقد يكون في بعض الأحوال يقع ما سبقت الإشارة إليه، فإن مثل الناس بهذه الدنيا كأصحاب السفينة. طيب، نقف إلى هنا، والله تعالى أعلم.