الدرس في القواعد والأصول الجامعة 99، الدرس التاسع والتسعون :من (القاعدة الخامسة والخمسون ... فإنه يحتمل خطؤها). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الدرس القاعدة الخامسة والخمسون التي تنص على أن لا أعذر لمن أقر، موضحًا أنها قاعدة مشهورة ولكنها حديث لا أصل له. كما تطرق إلى أهمية الإقرار كأقوى البينات.
ناقش الدرس شروط قبول الإقرار، حيث يشترط العقل والبلوغ وعدم التهمة. كما تطرق إلى عدم قبول إقرار المجنون أو غير البالغ إلا في حالات محددة.
توسع الدرس في شروط صحة الإقرار في الشريعة الإسلامية، مشيرًا إلى ضرورة أن يكون الإقرار على شيء معين معلوم وغير مجبر أو مكره. واستدل بمواقف من السنة النبوية.
اختتم الدرس بعد مناقشة جزء من القاعدة، مع الإشارة إلى استكمال ما تبقى في الدرس التالي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة الخامسة والخمسون. قال: لا أعذر لمن أقر. هذه القاعدة أصلها حديث، لا أصل له، اشتهر على ألسنة وفي كتب بعض الفقهاء، وربما ذكره بعض العامة، ولكنه حديث لا أصل له، كما نبّه على ذلك صاحب كشف الخفاء، ونقل معنى ذلك عن الحافظ بن حجر. وهكذا كذلك معناه ليس على إطلاقه، كما سيأتي تفصيله. قال الشارح رحمه الله تعالى: وذلك أن الإقرار أقوى البينات، وكل بينة غيره فإنه يحتمل خطأها، والخطأ هنا بمعنى خلاف الصواب، أو بمعنى الكذب والإفتراء. فمثلاً: بينة الشهود في الزنا أربعة شهود يشهدون أن الزنا وقع كما يقع الميل في المكحلة. وهل يستبعد أن يكذب أربعة لغرض من الأغراض على إنسان من الناس، فيفترون عليه مثل هذا الكذب؟ هل يستبعد مثل هذا؟ الجواب: لا، ما يستبعد. لكن أيهما أبعد: أن يقر الإنسان على نفسه بالزنا، أو أن يشهد عليه أربعة؟ الجواب: الإقرار. الإقرار أقوى من شهود الأربعة. ولهذا قال رحمه الله: «وذلك أن الإقرار أقوى البينات». ولاحظ بقوله: «أقوى»، لا يعني أنه قوي مطلقاً، ولا يعني أنه مقبول مطلقاً. ولهذا كان الصحيح أن الإقرار على النفس يقبل بشروط. من هذه الشروط العقل، فلا يقبل إقرار المجنون. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث ماعز الذي أصلُه في الصحيحين أنه تثبت من صحة عقله وعدم جنونه. و كذلك من شروط الإقرار البلوغ، على القول الصحيح، إلا فيما دل العرف على جواز الإذن بمثله، فلا يصح الإقرار من غير بالغ. لا يصح الإقرار من غير بالغ إلا ما أذن به الشرع والعرف بمثله، مثل الصبي الذي يبيع، فإقرار مثل ذلك مقبول؛ لأن الشرع أذن في تصرف مثل هذا الصبي بمثل هذا البيع، بمثل هذا النوع من البيع، فأذن الشرع والعرف بنحو ذلك. وهكذا كذلك من شروط الإقرار عدم التهمة، فإن وجدت التهمة في ذلك بأن يكون الإقرار فيه معنى من معاني الاعتداء، أو تضييع الحقوق، أو نحو ذلك، فإن هذا الإقرار لا يقبل. فينبغي لكل إقرار أن ينظر القاضي والمستفتي في قرينة هذا الإقرار: هل يتعلق به حكم آخر؟ فإن تعلق به حكم آخر كان مظنة التهمة. فإن التهم ترد الشهادات والإقرار، بمعنى، ومن باب أولى -كما مر معنا- بأن الشهادة بين الأعداء وبين ذوي النسب لا تقبل لمظنة التهمة. وكذلك من شروط الإقرار التي نص عليها العلماء، ودَلّت عليها الدلة الشرعية، أن لا يكون هذا الإقرار على شيء مبهم، بل لا بد أن يكون على شيء معين معلوم. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه تثبت من ماعز وتثبت من الغامدية. فلما قال ماعز: إنه زنى، تثبت منه النبي عليه الصلاة والسلام: هل يفهم ماعز معنى الزنى؟ فقال له: «لعلّك قبلت، لعلّك كذا»، كل ذلك يقول: لا، حتى تثبت منه بالكلمة الصريحة التي سبق الإشارة إليها في حديث ابن عباس: أنه سأله عليه الصلاة والسلام بمقتضى معنى هذا الفعل وحقيقته. وهكذا كذلك من شروط الإقرار الصحيح أن يكون غير مجبر ولا مكره. فقد تجاوز الله عن هذه الأمة ما كان فيه معنى الإكراه، كما مر معنى ذلك في حديث علي وحديث عبد الله بن عباس: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وهكذا كذلك من شروط الإقرار أن يكون غير محجور عليه، فإن كان هذا الرجل محجوراً عليه، فإن ذلك ينافي الإقرار، كأن يتصرف تصرف من لا يحسن التصرف، فإنه يجوز الحجر عليه. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما تبقى من أمر القاعدة في الدرس اللاحق. وإلى هنا، والله تعالى أعلم.