الخطبة بعنوان البيان في صفات أهل الصيام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 10 رمضان 1447هـ الموافق 27 فبراير 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب إلى سرعة مرور أيام رمضان ويحث على استغلال ما تبقى منها في تغيير الأحوال وتحسين الأعمال. يشدد على أهمية التفرقة بين أيام الصيام وأيام الفطر.
يُشجع على الطاعة والعبادة في رمضان، ويُبين فضل الصيام والقيام، ويحث على الابتعاد عن المعاصي والذنوب لتحقيق التقوى والفوز بالأجر العظيم.
يجب على المسلم في رمضان أن يتحلى بمكارم الأخلاق، وأن يكون داعيا سائلا، وتاليا قارئا للقرآن، وجوادا كريما، مع الابتعاد عن مساوئ السلوك.
المقطع يتضمن الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ثم دعاء للمصلين بالرعاية الإلهية عند قيامهم للصلاة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها هو رمضان شهر مفضال، وها هي أيامه تمضي سراعا، ولياليه تنقضي تباعا، بالأمس كنا في أوله، وها نحن الآن في ثلثه، والثلث كثير، والله المستعان، وعليه التكلان. عباد الله، إننا لا نملك شيئا إزاء سرعة الزمان، بل أمره بيد الله مدبر الأكوان، ولكن حسبنا أن نستغل هذه الأيام حق الاستغلال، وذلك بأن نؤدي ما يكون فيه التغيير للأحوال، هذا الذي ينبغي علينا جميعا أن نغتنمه فيما بقي من هذا الزمان، وذلك بأن نحدث تغيرا في أحوالنا، وفي أقوالنا، وفي أعمالنا وأفعالنا. ثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: «وليكن عليك سكينة ووقار يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء». هذه خلاصة المسلم في شهر رمضان، وفي أيام الصيام على المسلم أن يحدث تفرقا وتغيرا وفرقا في حال نفسه، وفي شؤون حياته، وفي أنماط معيشته، وذلك بأن يتربى المسلمون والمسلمات على صفات تليق بجناب هذا الشهر بالذات. ألا فاعلم يا عبد الله أن من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها أهل الإسلام في أيام رمضان أن تكون يا عبد الله حامدا شاكرا، حامدا لله في عليائه، شاكرا لله على تفضله وعطائه، إذ يسر لك حضور هذا الشهر، تتقلب بظلاله، وتتفيأ بأيامه ولياليه، وأيامه ليس بحولك ولا بقدرتك، وإنما هو فضل محض من ربك. كم من أناس هم أشد منا حرصا، وأكثر منا حبا، أحبوا أن يكونوا معنا يشاركونا شهر صومنا، لكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور، بينما نحن وإياكم معاشر الحضور قد كتب الله لنا البقاء والظهور. قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله»، فإذا رأيت يا عبد الله أن الله جل وعلا يمد في عمرك، ويجعل لك فسحة من دهرك لكي تحضر مواسم دينك، فاعلم أن الله عز وجل أراد بك خيرا. قال عليه الصلاة والسلام: «عمر المؤمن لا يزيده إلا خيرا»، فاحمد الله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه أن يسر لك حضور هذا الشهر الكريم. وأيضا مما ينبغي على المسلم أن يتصف به في مثل هذه الأيام أن يكون عابدا متعبدا، أن يكون صائما قائما، مصليا مقبلا على الله جل وعلا بالطاعات والعبادات بكل ما أوتي من قوة وبما استطاع من قدرة. فإنه من أول ليلة من رمضان نادى المنادي: «يا باغي الخير أقبل، يا باغي الخير أقبل». أقبل يا عبد الله على الطاعة والعبادة، وشمر عن ساعد الجد، وثابر واجتهد على أداء الطاعات والعبادات. فنحن في موسم وصفه ربنا جل وعلا بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، فأيامه معدودة، ولياليه محصورة، إلا أنها ممتلئة بفضائل عديدة، ومناقب عظيمة، لا يتأتى معها الكسل والخمول، ولا التقاعس ولا الفتور. فأنت يا عبد الله في تجارة لن تبور، ضاعف الله عز وجل لأصحابها بالثواب والأجور. قال عليه الصلاة والسلام: «كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف»، قال الله: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». وقال سبحانه وتعالى مبينا عظمة الصيام: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، قال العلماء: أي الصائمون أجرهم بغير حساب. قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: «أما إنه لا يكال لهم كيلة، ولا يعد لهم عدة، وإنما يغرف لهم غرفا»، أي الأجر والثواب يعطى لهم من غير حساب، يغرف لهم غرفا. قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: «صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم فيما سواه، وركعة في رمضان خير من ألف ركعة فيما سواه، وتسبيحة في رمضان خير من ألف تسبيحة فيما سواه». فيا عبد الله، يا قليل العزم، ويا ضعيف الهمة، بعد هذا كله، فلا تتوانى عن الطاعة والعبادة، فأقبل يا عبد الله أقبل، يرعاك الله، على الطاعات والعبادات، أقبل على الصيام والقيام، وعلى سائر الأعمال. قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وعن عمر بن مر الجهني رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال: «يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت رمضان، وقمت الشهر، فممن أنا؟» قال عليه الصلاة والسلام: «مع النبيين، والصديقين، والشهداء». ما أعظمها من منزلة، وما أشرفها من مرتبة، فالتحق يا عبد الله بأهلها، بأن تكون من أهل الصيام، ومن أهل القيام، وأن تسارع إلى الله جل وعلا بصالح الأعمال. وأيضا مما ينبغي على المسلم أن يتصف به في رمضان أن يكون توابا أوابا، أن يكون تائبا منيبا، تائبا عن الحرام، مجتنبا للمعاصي والذنوب والآثام. لا تظن يا عبد الله أن حقيقة الصيام تكمل في الإمساك عن الشراب والطعام فقط، بل إن حقيقة الصيام تكمل في الكف عن المعاصي والذنوب والآثام. قال عليه الصلاة والسلام: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». ما الفائدة يا عبد الله من صومك وأنت لا ترعوي وتكف عن معاصيك وذنوبك؟ إن الله سبحانه وتعالى ما فرض علينا رمضان تضييقا للعباد، ولا تنحيفا للأساد، وإنما سبحانه فرض علينا صيام رمضان تهذيبا للنفوس، وتربية للقلوب، وتثبيتا لما في الصدور. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فالتقوى هي الغاية الجليلة، وهي الحكمة العظيمة التي لأجلها افترض الله جل وعلا علينا هذه الشعيرة والفريضة. فيا عبد الله، انظر إلى نفسك، فإن كنت لا تزال في مثل هذه الليالي والأيام وأنت تعاشر الحرام بالكلام الحرام، وبرؤية الحرام، والاستماع للحرام، فاعلم أن صومك فيه خدش ونقصان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلنستعرض وإياكم أهم الأعمال وأهم الصفات التي ينبغي أن يتخلق بها المسلمون والمسلمات، وخاصة وهم في هذا الشهر بالذات. وذلك بأن يكون المسلم لله حامدا شاكرا، وذلك بأن بلغه الله هذه الأيام، وعليه أيضا أن يكون عابدا متعبدا، حريصا على الصيام والقيام، وعلى سائر الأعمال. وعليه أيضا أن يكون توابا أوابا، منيبا مجتنبا للحرام، مبتعدا للذنوب والآثام. وأيضا مما ينبغي على أهل الإسلام وهم في أيام رمضان أن يكون أدبا خلوقا، أن يتحلى بمكارم الأخلاق، وأن يتصف بمحاسن الآداب، يترفع عن مساوئ السلوكيات والأنماط. فليكن الصائم لا سبابا، ولا شتاما، ولا مغتابا، ولا نماما، ولا يكون ضارا، ولا فتانا. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا كان صوم يوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم». فرمضان لم يأت فقط لتوثيق العلاقة بين العبد وربه، بل إن رمضان جاء أيضا لتحسين العلاقة بين العبد وخلقه، أي خلق الله جل وعلا. فيا عبد الله، وأنت في هذا الشهر المفضل، احرص على حسن عشرتك مع الأهل والأولاد، ومع الوالدين والأقارب والأرحام، وهكذا قل مع سائر من هم حولك. فإنه ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن، فكن يا عبد الله في أيام رمضان أدبا خلوقا. وهكذا من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المسلم في أيام رمضان أن يكون داعيا سائلا، متضرعا طالبا، يرفع أكف الضراعة إلى الله جل وعلا بالدعاء والإلحاح عليه. فإن رمضان هو شهر الدعاء، يستجيب الله جل وعلا دعاء الداعين، وسؤال السائلين، وسؤال الملحين المضطرين. فإن الله عز وجل حين ذكر آيات الصيام ذكر بعدها قوله جل في علاه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فيه إشارة إلى أن الدعاء من أحكام الصيام. وقد صح عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم». فيا عبد الله، أقبل على الله جل وعلا بالإلحاح عليه، وبالتضرع إليه، في يومك وليلتك، في صباحك ومسائك، في سجودك وقيامك، ادع الله عز وجل بقلب خاشع حاضر، بالخير لدينك ودنياك. فما يدريك لعل الله جل وعلا حقق لك شيئا من أمانيك، فأقبل يا عبد الله بالإلحاح على الله بالدعاء. وأيضا من صفات المسلم في رمضان أن يكون تاليا قارئا، مقبلا على كتاب ربه سبحانه وتعالى، فإن رمضان هو شهر القرآن، كما قال ربنا جل في علاه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. وقد اعتنى سلفنا الكرام بالعناية بالقرآن في رمضان أشد العناية، وهم بذلك مؤتسون برسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كان جبريل يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان. ومن هنا تنافس الأولون والآخرون من عباد الله الصالحين على الإقبال بكل ما أوتوا من قوة على قراءة كتاب الله جل وعلا، قراءة وتدبرا وتأملا. فأقبل يا عبد الله على قراءة القرآن، ولا تنشغلن بشيء من بنيات الطريق. وهكذا يا عبد الله، مما ينبغي على المسلم أن يتصف به أن يكون جوادا كريما، محسنا نبيلا، أن يتعلم على العطاء، وعلى الجود والكرم والسخاء. فقد كان ذلك من هديه، ومن سنته عليه الصلاة والسلام، إذ كان من أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان. فأقبل يا عبد الله على البذل والعطاء، فإن أحب العباد إلى الله أنفعهم، كما قال عليه الصلاة والسلام. تعلم يا عبد الله على الإنفاق، ولو من القليل من الصدقة والنفقة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة». أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ولسأله جل في علاه أن يعيننا وإياكم على القيام بحق رمضان، وذلك بأداء حق الرب وحق الأنام، وأن يبلغنا وإياكم هذا الشهر إلى الختام، إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.