الدرس في كتاب الصلاة 77، الدرس السابع والسبعون:(باب جامع.الحديث السابع بعد المائة ... 4-قيد العلماء المسجد الحرام بأن تحيته الطواف ..). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع الأول حديث أبي قتادة الأنصاري عن تحية المسجد، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». بينما يناقش المقطع الثالث تحية المسجد وحكمها، حيث يرى بعض العلماء وجوبها بينما يرى الجمهور استحبابها.
يتناول المقطع الثاني الخلاف بين العلماء حول جواز الصلاة في أوقات النهي لذوات الأسباب، حيث اختلفوا في ذلك بين المنع والجواز مستدلين بأدلة شرعية مختلفة.
يناقش المقطع الرابع حكم صلاة تحية المسجد في مسجد قباء، حيث يُعتبر مسجدًا عاديًا يدخل في عموم الأحاديث التي تنص على صلاة ركعتين عند الدخول.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله تعالى: باب جامع. قال الحديث السابع بعد المئة عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». أورد الحافظ عبدالغني المقدسي رحمه الله هذا الباب وما سيأتي من أحاديث وما ذكره رحمه الله في هذا الحديث ليجمع أبوابًا ومسائل متنوعة من مسائل الصلاة. ولهذا قال: باب جامع، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام مسائل متنوعة جامعة تتناول مسائل متفرقة من مسائل الصلاة. وابتدأ بهذا الحديث الذي بوّب الشارح عليه بباب تحية المسجد؛ لأنه يتناول حكم تحية المسجد. حديث أبي قتادة الذي أورد لفظه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله، فقد ذكره رحمه الله في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى، من طريق شيخه المكي بن إبراهيم، فقال البخاري رحمه الله: حدثنا المكي بن إبراهيم عن عبد الله بن سعيد بن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عمر بن سليم الزرقي أنه سمع أبا قتادة الحارث بن ربعي رضي الله عنه يقول: فذكر الحديث. وأورده لإمام مسلم رحمه الله من طريقين: طريق مختصرة وهو بنحو لفظ الإمام البخاري، وطريق مطولة وفيه قصة. وفيها أن أبا قتادة قال: دخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بين ظهراني الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟» قال: فقلت: يا رسول الله رأيتك جالسًا والناس جلوس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». فدل أن للحديث سببًا وقصة، وصاحبها هو الحارث بن ربعي أبو قتادة رضي الله عنه أرضاه. قال الشارح رحمه الله تعالى: ذكر المؤلف في هذا الباب أنواعًا من أعمال الصلاة، فرأيت أن أجعل كل نوع تحت باب يبين مقصودها ويشير إلى المعنى المراد منها. ولهذا بوّب بتبويب تحية المسجد، خصوصًا أنه أورد الأحاديث مرتبة بما يدل على أن المؤلف رحمه الله قسمها أقساما، لكنه جمعها في جامع واحد. قال رحمه الله: ولذا فإني قدمت حديث أنس في السجود على الثوب من الحر؛ ليكون مع حديث أبي هريرة: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة» إلى آخره؛ لتناسبها. مع أن المؤلف فصل بينهما بحديثين غير مناسبين لهما -يعني ما كان من أحاديث غير متناسبة- قدم وأخر الشارح على خلاف ما هو عليه في أصل المتن، متن عمدة الأحكام. وهذا التقديم والتأخير لأجل أن يجمع الأحاديث التي تشمل أحكامًا ومسائل متشابهة في باب واحد، كما سيأتي إن شاء الله. قال الشارح رحمه الله: المعنى الإجمالي... قال: دخل سليك الغطفاني المسجد النبوي يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوم ويأتي بركعتين، ثم أخبره صلى الله عليه وسلم أن للمساجد حرمة وتقديرًا؛ فإن لها على داخلها تحية، وهي أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين. ولذا فإنه لم يُعذر... المقصود أن الحديث فيه الأمر بصلاة ركعتين قبل الجلوس. أما كونه في قصة سليك الغطفاني -كما ظهر لنا من رواية الإمام مسلم- ليست هي بل تلك قصة أخرى، فصاحب القصة فيما ظهر في رواية الإمام مسلم هو أبو قتادة نفسه. قال رحمه الله: اختلاف العلماء... اختلف العلماء في جواز فعل الصلوات ذوات الأسباب كتحية المسجد أو صلاة الكسوف والجنازة وقضاء الفائتة في أوقات النهي. فذهبت الحنفية والمالكية والحنابلة إلى المنع من ذلك؛ لأحاديث النهي كحديث: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس»، وهو حديث في الصحيحين. قال: وحديث: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن»، وهو حديث عقبة بن عامر في الصحيحين. قال: وذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء إلى جواز ذلك بلا كراهة -يعني ذوات الأسباب في أوقات النهي- قال: وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مستدلين بهذا الحديث الذي معنا وأمثاله؛ كحديث: «من نام عن وتره أو نسيه فليصليه إذا ذكره»، والحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال: وحديث: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، فإذا رأيتموهما فصلوا»، وهو حديث ابن عمر في الصحيحين. وحديث الكسوف جاء عن عدد من الصحابة. المقصود أنه أمر بالصلاة ولم يستثن عليه الصلاة والسلام. قال: وكل من أدلة الطرفين عام من وجه وخاص من وجه آخر -يعني عمومه من جهة النهي عن الصلاة في تلك الأوقات، وهذا من جهة الأمر به في كل الأوقات- قال رحمه الله: إلا أن في إباحة الصلوات ذوات الأسباب في هذه الأوقات إعمالًا للأدلة كلها؛ فيحمل كل منها على محمل. وإن في تلك الإباحة تكثيرًا للعبادة التي لها سند قوي من الشرع. السند القوي هو أنها أمر بها دون استثناء، وهي من ذوات الأسباب. قال: وقد تقدم هذا الخلاف في حديث ابن عباس رقم 52، ولكننا نزيده هنا وضوحًا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ فقد ذكر أنه كان متوقفًا في الصلوات ذوات الأسباب لبعض الأدلة التي احتج بها المانعون. وبعد البحث وجد أنها إما ضعيفة وإما غير دالة -يعني على المقصود بالمنع مطلقًا- كقوله: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، فإنه عام لا خصوص فيه. قال: وأحاديث النهي كلها مخصوصة؛ فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه؛ لأنه حجة باتفاق السلف. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصلاة تحية المسجد للداخل عند الخطبة -يعني وهو على بعض الروايات أنه كان يخطب قبل دخول الوقت- فيكون في وقت نهي. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث... أولًا: مشروعية تحية المسجد لداخله. وذهب إلى وجوبها الظاهرية لظاهر هذا الحديث، والجمهور ذهبوا إلى استحبابها. ومن قال: إن هذا الأمر مصروف عن الوجوب إلى الاستحباب؛ استدلوا بأحاديث منها أحاديث الثلاثة الذين جلسوا في الحلقة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالصلاة، ولم يذكر أنهم صلوا، وغير ذلك مما استدلوا به على صرف هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب. قال: ومن ذهب إلى الوجوب قال: تلك محتملة وليست صريحة في عدم الصلاة. وما دخل فيه الاحتمال بطل فيه الاستدلال؛ فيبقى الأمر على أصل الأمر أنه للوجوب؛ لعدم وجود نص صحيح صريح يصرف هذا الأمر عن وجوبه إلى الاستحباب. والأمر في هذا واسع؛ فمن ذهب إلى القول بالوجوب فله ذلك، ومن لم يذهب إلى القول بالوجوب فله ذلك، ولكل سلف. قال: ثانيًا: أنها مشروعة لداخل المسجد في كل وقت ولو كان وقت نهي؛ لعموم الحديث. وقد تقدم الخلاف فيها وفي غيرها من ذوات الأسباب. وهذا كما تقدم على ما أشار إليه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه من العام الذي لم يدخله خصوص، وأحاديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي عام دخله خصوص؛ فهنا صار العام الذي لم يدخله الخصوص أقوى من العام الذي دخله الخصوص؛ فهو يقدم عليه. قال: ثالثًا: استحباب الوضوء لداخل المسجد؛ لئلا تفوتوا هذه الصلاة المأمور بها. ووجه ذلك أنه كيف يصلي إلا بوضوء؟ إذن من دخل المسجد يستحب في حقه أن يتوضأ؛ من باب ما لا يتم المستحب إلا به فهو مستحب. قال: رابعًا: قيد العلماء المسجد الحرام بأن تحيته الطواف، لكن من لم يرد الطواف أو يشق عليه فلا ينبغي أن يدع الصلاة؛ بل يصلي ركعتين. وهذا لا دليل عليه؛ بل المسجد الحرام كغيره من المساجد؛ تحيته تحية المسجد. وأما من جاء وأراد أن يطوف فله أن يطوف؛ لا تمنع أحدًا يطوف بالبيت ليلًا أو نهارًا؛ فليس معناه أنه لا تحية له إلا ذلك. إذا جاء ففعل هذا فهذا حسن؛ والطواف بعده ركعتين. وإذا جاء فصل ركعتين فجلس فكذلك لا حرج عليه. والأصل أنه مسجد من المساجد؛ ويدخل في عموم قولي عليه الصلاة والسلام: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». إلى هنا والله تعالى أعلم.