الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 68، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حكم القيام للرجل الفاضل واحترامه، ويفرق بين القيام للاحترام والقيام للحماية. القيام للاحترام إذا كان بجلوس الشخص يعتبر خطأ، بينما القيام للحماية فجائز.
يتناول آداب المدرس في الدرس، مثل الجلوس في موضع مناسب والالتفات للطلبة وتقديم تلاوة القرآن. كما يبين بعض التصرفات غير المناسبة أثناء الدرس.
يناقش مشروعية ابتداء الدرس بالقرآن أو الدعاء، ويبين أن ذلك لا يجوز دائما ولكن لا بأس بفعله أحيانا، مع الإشارة إلى عدم ثبوت عين الدعاء المعتاد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الإمام النووي رحمه الله في آداب المعلم أنا في كتاب مقدمة المجموع: «ويحسن خلقه مع جلسائه، ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو شرف أو صلاح ونحو ذلك، ويتلطف بالباقين، ويرفع مجلس الفضلاء ويكرمهم بالقيام لهم على سبيل الاحترام». فهذا أجازه العلماء أن يكون الرجل الفاضل خاصة إذا غاب عنك فترة، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، أو مثل ما فعل أبو الهيثم، فإنه قام للنبي عليه الصلاة والسلام محتضنا. وأما القيام على الرجل وهو جالس تكريما له واحتراما له، هذا خطأ. أن يقوم لعجلي هذا الرجل الفاضل أو غيره لا يجلس عنده، بل يقوم احتراما له ولا يجلس في مجلسه، هذا الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «لقد كدتم تفعلون فعل فارس والروم، يقومون لملوكهم وهم جلوس». يقومون لملوكهم وهم جلوس، هذا خطأ. أن الإنسان جالس فيقام له وهو جالس، فهذا الذي لا يجلس، وهذا الذي يفعله لا عاجم. قد فعلتم فعل فارس والروم يقومون لملوكهم وهم جلوس. وأما كان قيامه على رأسه لأجل حمايته من الأعداء أو من من يتربصون به، فهذا ما في شيء. فهذا فرق، فالنية هنا تختلف. فإذا قام لأجل الاحترام له تعظيما له، فهذا الذي لا يجلس. وإن كان لأجل حمايته وحراسته، فهذا يجلس. فقد قام المغيرة بن شعبة فوق رأس النبي عليه الصلاة والسلام قام عندما في صلح الحديبية، فهذا جائز مثل ما يفعل الآن قاضي القضاة أو الحاكم لأجل الحماية وليس لأجل التعظيم. وعما القيام، فهذا لا ينبغي له أن يتمثل له الناس قياما. فإن كان يحب ذلك، فهذا لا يجوز عليه، ولا ينبغي أيضا أن يفعل عنده -يعني- كلما دخل قام الناس، كلما دخل قام الناس، فهذا اعتياز مثل هذا خطأ، لأنه تعظيم قد يغلى بعد ذلك فيه. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار». من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار، لأن هذا إذا كان مثلا كلما دخل مجلسا قام له، فإنه يورث ذلك في نفسه. ولهذا معاوية رضي الله عنه لما جاء إليه عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر، فدخل المجلس فقام ابن عامر ولم يقم عبد الله بن الزبير، فقال: اجلس يا ابن عامر. قال له معاوية: اجلس يا ابن عامر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار». وهنا معاوية رضي الله عنه فسر هذا الأمر، فمثل هذا القيام يوري في الرجل أنه كلما دخل قام له. فلهذا نهى معاوية ابن عامر وقال له: اجلس يا ابن عامر. ورأى ابن الزبير أنه لم يقم فلم يعنف ابن الزبير. وهذا يدلك على أن معاوية رضي الله عنه لا كما يذكر عنه، بل هو رجل من صحابة الكرام الذين عرفوا شرع الله جل وعلا. قالوا: قد جمعت جزءا فيه التلخيص فيه ودلائله والجواب عما يوهم كراهته. وأما كما قلنا القسم الثاني، فهذا لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكره، وبينا أنه يشبه فعل فارس والروم. وأما الثالث فالأولى ألا يفعل. أما الأول فلا بأس، وهو الذي قصده الإمام النووي رحمه الله. وإن كان في كلامه أيضا يدل على أنه يقصد الثالث كذلك. قالوا: ينبغي أن يصون يديه عن العبث وعينيه عن التفريق النظر بلا حاجة. وعنه ينظر هنا وينظر هنا أحيانا يلهي من كان في المجلس يلهي من كان في المجلس بهذه النظرات. كذلك أيضا لا يعبت بيده وهو يدرس، عن يأخذ هذا ويترك هذا ويأخذ شيء آخر، فهذا يشغل الطلبة. قالوا: يلتفت إلى الحاضرين التفاتا قصدا بحسب الحاجة للخطاب. أن ليس أن المراد أنه دائما يلتفت إلى الناس أو يركز على بعض الناس، وإنما يلتفت لهم إذا أراد أن يصل لهم المعلومة أو أحيانا. قالوا: يجلس في موضع يبرز فيه وجهه لكلهم. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يجلس على المنبر حتى يراه الناس. وكما يقول العلماء والنفس وغيرهم: أن الكلام أو أن الكلام إذا كثرت فيه الحواس كان أوعى للسامع. إذا كان مثلا ليس فقط يسمع، يسمع وينظر، يسمع وينظر إلى المتكلم، فهذا أفضل وأوعى من السمع فقط. أوعى من السمع فقط. كذلك أيضا يقولون في القراءة: أن القراءة الإنسان الذي يقرأ ويسمع ليس كالذي يقرأ بدون ما يسمع. فالذي يقرأ ويسمع يكون حظه من الحفظ أقوى. حظه من الحفظ يكون أقوى. ولهذا كان الصحابة كثير منهم يقول: سمعته أذناي ووعاه قلبي ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيني هاتين. قال: ويقدم على الدرس تلاوة ما تيسر من القرآن. هذا كان يفعله بعض السلف، ولم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء في ذلك. جاء عن بعض التابعين أنهم يفعلون هذا الأمر، يقدمون تلاوة بين يدي الدرس. لكن هذا يحتاج إلى دليل لأنه عبادة. ولأنه شيء كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام مقتضى، فلهذا الأولى لا يفعل. لكن لو كان أحيانا ما في شيء. أحيانا يبتدئ بكلام الله، يقرأ بعض الآيات، هذا ما في شيء. قد كان الصحابة رضي الله عنهم يجتمعون على تلاوة القرآن. كان عمر رضي الله عنه يأتي إلى أبي موسى ويقول: اقرأ. فيجتمع الناس على قراءة عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعري رضي الله عنه. فلهذا فلا بأس أن يفعله أحيانا إذا فعله. أما دائما إذا أراد أن يدرس أو أراد أن يحاضر يأتي أول بمن يقرأ، فهذا ليس صحيح. قال رحمه الله: ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلي ويسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يدعو للعلماء الماضين والمشايخ ولوالديه والحاضرين وسائر المسلمين. الآن ذكر هذه الأشياء: بسملة، وحمد، وهذا لا شك في ثبوته. صلاة جاءت في كل وقت وحين. وأما تصدرها في الكلام، فإنما جاء ذلك في الدعاء. جاء ذلك في الدعاء، ولا بأس أن الإنسان يأتي به أيضا في مقدمة كلامه، أنه يأتي به في مقدمة كلامه بعد الحمد، لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي من حمد الله جل وعلا ومن ذكره. ثم وإن شاء جعلها آخر الكلام، إن شاء قدمها وإن شاء جعلها آخر الكلام. وأيضا أما الدعاء للعلماء، فهذا لا بأس أحيانا. أما في كل درس يفعل ذلك، فلم يثبت ذلك. وإن كان جاء عن بعض المشايخ من المتأخرين أنه يفعل ذلك دائما تذكيرا، معنى يذكر نفسه نعمة مشايخه، وأن الله عز وجل أنعم عليه بهؤلاء المشايخ حتى يذكرهم في دروسه ويتذكر معنى علمهم. لكن الأفضل لا يفعل دائما، أحيانا مثلا يقول: أسأل الله عز وجل أن يغفر لمشايخي ولسائر المسلمين، وغير من هذا الكلام. قال: ويقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أضل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي. وهذا أيضا لم يثبت فيه شيء يدل على المداوم عليه. لكن لو قاله أحيانا من باب الدعاء لله عز وجل، وأنه يضع الدعاء هذا بين يدي كلامه حتى يوفقه الله عز وجل. وأما تعيين هذا الدعاء، لا دليل عليه. يدعو بأي دعاء كان. شيخ الإسلام رحمه الله إذا استصعبت عليه المسائل كان يقول: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني. هذا دعاء معنى يدعو العبد به ربه أحيانا في بعض الأشياء. وبعض كذا يقدم أيضا مثل هذا الدعاء. أما عين هذا الدعاء لم يثبت، عين هذا الدعاء لم يثبت.