الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 69، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُقدم الإمام النووي التفسير على العلوم الأخرى لكونه يفسر القرآن، ويليه الحديث لأنه يبين معاني القرآن. يُعد التفسير والحديث من أهم العلوم المرتبطة بالقرآن.
يُشترط في المعلم أن يكون ذهنه حاضرًا ومتفرغًا للدرس، ويتجنب الجدل والتشويش، مع مراعاة عدم التطويل حتى لا يمل الطلبة. يُذكر أمثلة من السلف الصالح في الجلوس الطويل للتعلم.
يُناقش أهمية تحديد طول الدرس بحسب احتياجات الطلبة والمدرس، مع تجنب التطويل الذي قد يسبب الملل إذا لم يكن له فائدة. يُشير إلى مراعاة العادات والتأثيرات النفسية في بعض الأمور.
يُبين مشروعية مسح الكبير رأس الصغير خاصة إذا كان الصغير يتيما، ويستند إلى حديث نبوي. يُعد هذا الفعل من أسباب الرحمة ويُراعى فيه العادات والتأثيرات النفسية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: فإن ذكر دروسًا قدّمها فيقدم التفسير، ثم الحديث، ثم الأصول، ثم المذهب، ثم الخلاف، ثم الجدل، ولا يذكر الدرس وبه ما يزعجه. قال: فإن ذكر دروسًا أراد أن يعمل دروسًا متتابعة، فيقدم أولًا التفسير؛ لأنه أهم العلوم. هكذا رأى الإمام النووي رحمه الله، ولا شك أن علوم القرآن، وخاصة التفسير، هو من أهم العلوم؛ لأنه يفسر القرآن. وكذلك الحديث، الحديث يعتبر من التفسير؛ لأن فيه تفسيرًا للقرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾. الحديث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بيان للقرآن؛ فلهذا يعتبر أيضًا من علوم القرآن. الحديث يعتبر من علوم القرآن؛ لأن القرآن يفسر بالحديث، بفعل النبي عليه الصلاة والسلام وقوله. فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة: «كان خلقه القرآن»، كان خلقه القرآن عليه الصلاة والسلام أن يطبق ما في القرآن بقوله وفعله عليه الصلاة والسلام. ولهذا لما كان مطرف بن عبد الله يحدث بأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال رجل: يا أبا عبد الله، لِمَ لا تحدثون بالقرآن؟! إنما نريد أن تحدثونا عن القرآن، لماذا تحدثون دائمًا عن الحديث؟ فقال له مطرف: وهل نبغي من القرآن بدلًا؟! لا نستطيع أن نبدل القرآن أو أننا نريد بدلًا من القرآن، بل القرآن أعظم شيء، لكن نريد من يفهم القرآن. من الذي يفهم القرآن؟ هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا تعلم العبد السنة، فإنه سيعرف تفسير القرآن، يعرفه من خلال فعل النبي عليه الصلاة والسلام وقوله. ولهذا ذكر الإمام أحمد والشافعي كذلك -وإن كان بعض الشافعية يخالف- أن فعل النبي عليه الصلاة والسلام في تبيين القرآن يعتبر حجة واجبًا. إذا مثلًا، على سبيل المثال، الصلوات الخمس، جاء النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر أربعًا، وصلى العصر أربعًا، وصلى المغرب ثلاثًا، وصلى العشاء أربعًا، وصلى الفجر ركعتين. ولم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أنه لا بد أن يصلى الظهر أربعًا، لكن دل فعله على ذلك، على تبيين هذه الصلوات. الله عز وجل ذكر في القرآن أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا، موقتة في أوقات معينة، بيّنها النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أيضًا بيّن كم تصلى في هذا الوقت، وكم تصلى في هذا الوقت، بفعله عليه الصلاة والسلام وإجماع المسلمين على ذلك. فلهذا إذا جاء إنسان وقال: إنه سيصلي الظهر خمسًا، يقول: صلاتك باطلة. إذا تعمد أن يصلي خمسًا، فصلاته باطلة عند جميع العلماء، أخذًا من بيان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهذه الصلاة، وغيرها من المسائل التي تكون مثل هذا. فالمهم، قال: فيقدم التفسير، ثم الحديث، ثم الأصول، ثم المذهب -عن المذهب، أي الفقهي- يذكر المسائل في المذهب، ثم يذكر الخلاف. أنه إذا كان سيدرس متنًا من المتون الفقهية، يذكر أولًا ما ذكره صاحب الكتاب، ثم يذكر الخلاف في المسألة، ويذكر الصحيح إن ترجح له هذا الصحيح. قال: ثم الجدل، الجدل معنى: ما يذكر من تعليلات في أقوال أهل العلم. قال: أولًا يذكر الدرس وبه ما يزعجه، كمرض أو جوع، أو مدافعة الحدث، أو شدة فرح وغم. يعني: إن كان مثلًا مريضًا لا يستطيع أن يؤدي الدرس بكماله، أو قد لا يستطيع أن يؤديه. وهنا لا يفعل، يعتذر عن الدرس. أو فيه جوع، لم يأكل، قد أيضًا هذا الجوع قد يعكر عليه في حافظته، وفي إنضاج المسائل. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان». لا يقضي القاضي وهو غضبان. إذا كان غاضبًا لا يقضي. وأدخل كثير من هذا العلم أيضًا: إذا كان جائعًا، إذا كان جائعًا لا يقضي. كذلك أيضًا أدخل العلماء الحاقن الذي يدافع؛ لأنه ينتغِل بشيء غير هذا الذي سيقضي به. والدرس مثل القضاء، الدرس معناه: معلومات ينبغي أن يتقدّم هذه المعلومات حتى يعطيها للطلبة صحيحة، معلومات صحيحة، ليست معلومات مشكوك فيها أو غير متأكد منها، بل يعطيهم معلومات يقينية وصحيحة. فهذا يحتاج إلى أن يكون ذهنه حاضرًا، أن يكون ذهنه حاضرًا. فإذا كان مشغول البال، ممكن أنه يخطئ في المسائل. وكذا قالوا: مدافعة الحدث، وشدة فرح وغم. أن شدة الفرح أيضًا أحيانًا تنسي، وشدة الحزن والغم أيضًا تنسي المعلومات؛ لأن فكره يذهب إلى هذه الأمور. قالوا: لا يطول مجلسه تطويلًا يملهم أو يمنعهم فهم بعض الدروس. وهذا المجلس بحسب تهيئة المدرس وتهيئة الطالب، يعني: ليس هناك درس يقال أنه طويل على كل أحد، وليس هناك أيضًا درس يقال أنه قصير. فهذا يكون بالنسبة، يكون بالنسبة للطلبة. بعض الطلبة يحتاجون إلى درس طويل، مثلًا أكثر من ساعة، وهم قد تهيئوا لذلك، ويحتاجون إلى أكثر. لهذا كان السلف رحمهم الله، كان أحيانًا يجلسون مجالس طويلة، تجد المجلس ممكن يكون ست ساعات، خاصة في سماع الكتب. فلهذا يقال: مثلًا، من العالم الفلاني قرأ البخاري في ثلاثة أيام، أو في ثلاثة مجالس. لا يمكن أن يكون هذا المجلس ساعة، بل هذا المجلس ممكن يكون ساعات. وقد جاء أيضًا عن السلف أن أحدهم قد يجلس ساعات طويلة، ممكن ست ساعات أو أكثر. بل في بعض الأحيان كان يقرأ عليه الكتب، لا يمل من القراءة، كابن أبي حاتم، كان يقرأ على والده «الجرح والتعديل» ويقرأ عليه «العلل» في صباحه ومسائه، بل حتى إذا دخل الحمام، دخل بيت الخلاء، يقول لابنه: اقرأ وارفع صوتك. اقرأ وارفع صوتك؛ معنى حتى أسمعك. بل حتى أنه لما احتضر رحمه الله، كان عبد الرحمن يقرأ عليه، وهو في مرض الموت، حتى جاء إلى عبد الغافر، قال: أصحابي يهود أم تابعي؟ فقال له أبو حاتم: تابعي، لكن صوته كان منخفضًا بسبب المرض. فقلت له -قال عبد الرحمن-: فقلت له: لا أسمع، ارفع صوتك. قال: فقال: تابعي، ثم قضى -أي مات- رضي الله عنه. فكان دائمًا يقرأ، يقول عبد الرحمن: كنت أقرأ على أبي في كل وقت، حتى عند دخوله الخلاء. وهكذا كان يفعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، كانت تقرأ عليه المسائل بعد الضحى. كان برنامجه أنه بعد الفجر يجلس يذكر الله إلى وقت الضحى، يصلي الضحى، ثم يقرأ عليه الكتب. وإن كان عنده كتاب يكتب، فيقرأ عليه في ذلك الوقت، حتى إذا دخل الحمام، يقول للقارئ: اقرأ وارفع صوتك. فكان عندهم حرص شديد على اغتنام الأوقات. فلهذا فطول المجلس وقصره هذا بحسب الطلبة وبحسب المدرس. فهناك طلبة يحتاجون إلى أكثر من وقت، يعني قد يحتاجون إلى أكثر من ساعتين؛ لأجل مثلًا أن وقتهم قصير، وكذلك أيضًا الكتاب كبير. وهناك طلبة قد لا يحتاجون إلى هذا، يحتاجون إلى نصف ساعة حتى يتمكنوا من المعلومات، وخاصة المبتدئين في العلم؛ لأنه يحتاج إلى التركيز في المعلومات. فإذا كثرت عليه المعلومات، أنسى بعضها بعضًا، فاحتاج إلى وقت قصير. وهكذا فطول المجلس وقلته تكون بالنسبة. فلهذا لا ينبغي للمدرس أن يطول في مكان لا يحتاج إلى التطويل. مثلًا، في درس لعامة الناس، بعض المدرسين ما يفرق بين درس للعامة ودرس لطلبة العلم. تجد مثلًا درسًا لعامة الناس يحضره عامة الناس، ويجلس نصف ساعة، وكذا، هذا غالبًا سيملون. لكن لو كان درسًا قصيرًا، عشر دقائق، ربع ساعة، ما في شيء. إذا كان هناك طلبة علم قد جاءوا وهيئوا أنفسهم، مثل في المراكز، لا بأس أن الإنسان يطول؛ لأنهم ما جاءوا إلا لأجل العلم، ولأجل أن يسمعوا العلم، ما جاءوا مثلًا لأجل التحدث بينهم وبين بعض، أو لقتل الأوقات بالفراغ، وغيره من الأشياء التي لا تنفعهم. قال: ولا يطول مجلسه تطويلًا يملهم أو يمنعهم فهم بعض الدروس، أو ضبطه؛ لأن المقصود إفادتهم وضبطهم. أن هذا المقصود هو من الدرس، فإذا كان التطويل يفيدهم، فلهم ذلك. إن كان لا يفيدهم، لا ينبغي أن يفعل. قال: فإذا صار بهذه الحالة، فاته المقصود. قال: عندنا مشكلة، لا نحب أن يلمس الصغير رأسنا، ولكن لازم يقول: عادي، عادي. أنت في اليمن، ما رائع شيخ. طيب، هذه المسألة: لمس الكبير للصغير في رأسه، هذا الغالب أنه أمر مباح، أمر مباح، وقد يكون عبادة أيضًا أحيانًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامسح على رأس اليتيم». وقد كان أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على رؤوس بعض الصغار. فهذا الأمر من ناحية الشرع لا بأس فيه، لكن قد يكون هناك مثلًا عادات عند بعض الناس أن هذا فعل غير صحيح، أو كذا. لا بأس أنه مثلًا يمتنع عن مثل هذا. لكن لو يؤقلم نفسه على ما جاء في الشرع أفضل. لو يؤقلم نفسه ويعود نفسه على ما جاء في الشرع أفضل؛ حتى تنتهي مثل هذه العادات، قد تكون هذه العادة غير صحيحة أصلا. فلهذا يحاول الإنسان أن يعود نفسه على ما يوافق الشرع، ما يوافق الشرع. وأما ما يخالفه، فلا شك أنه يبتعد منه. وكذلك إذا كان مثلًا الإنسان يكره هذا الشيء، فالأولى أن لا يفعل معه. إذا كان الإنسان يكره هذا الشيء، وخاصة مثلًا أن الصغير يلمس الكبير، هذا خطأ؛ لأن هذا ما سيكون من باب الرحمة، لكن قد يكون من باب اللعب أو الاستهزاء أو كذا. فهذا ما ينبغي للصغير أن يفعل ذلك. لكن الغالب أن الكبير هو الذي يمس رأس الصغير؛ لعجل الرحمة، وخاصة إذا كان يتيما، فإن هذا مشروع كما جاء في الحديث. فإن شاء الله تعالى نكتب بهذا. والله تعالى أعلم.