الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 316، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتحدث عن أهمية كتب المسانيد مثل المطالب العالية لابن حجر، ويذكر مثالا على حديث لم يروه الكتب الستة مع أنه بإسناد صحيح. يبرز أهمية مسند الحسين بن علي رضي الله عنهما.
يروي قصة لقاء النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن صياد واختباره له، حيث أظهر ابن صياد معرفة غيبية تثير الشكوك حول كونه الدجال. النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اخسأ فلن تعدوا قدرا.
يفسر حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع من ادعى معرفة الغيب، وعلاقة ذلك بآية الدخان، ويبين اختلاف الصحابة حول ذلك وإنذار النبي بزيادة الاختلاف بعد وفاته.
يشير إلى انتهاء الحديث ويعبر عن الامتنان لله على ما ذكر. يُعتبر هذا ختامًا للمناقشة التي تمت حول الأحاديث النبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، قال شيخنا، وقل ابن هاد الوادع رحمه الله: مسند الحسين بن علي رضي الله عنهما، وحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما إمام من أئمة المسلمين وصحابي، وصحابي رسول الله، وكذلك أشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، تقدم أيضا معنا أنه قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، كما في حديث بريدة: سيدا شباب أهل الجنة. والحسين ليس له حديث كثير، وكذلك الحسن، لكن الحسن له أكثر؛ لأنه مات النبي عليه الصلاة والسلام وله ست أو سبع سنوات، والحسين أصغر منه. قال الحافظ رحمه الله، قال شيخنا: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في المطالب العالية -المطالب العالية هذا الكتاب للحافظ ابن حجر جمع فيه عشرة مسانيد أو ثمانية- أكثر مسانيد المطالب العالية في المسانيد الثمانية، وهذه الكتب كانت نادرة، وجمعها رحمه الله في هذا الكتاب. معنى يخرج الزيادات، معنى الأحاديث الزائدة التي لم يروها أهل الكتب الستة. قال إسحاق: قال الكتاب المطالب العالية، كذلك إتحاف المهرة للحافظ ابن حجر في مسانيد العشرة، وأيضا إتحاف الخيرة المهرة لتلميذه البوصيري، فهي كتب طيبة جدا تجمع بعض المسانيد التي قد لا توجد أحيانا، فيستفيد الطالب العلم من هذه الكتب؛ أن فيها زيادات، وهذه الزيادات منها ما هو صحيح ومنها ما هو ضعيف. وانظر إلى هذا الحديث، هذا الحديث معنى يعتبر كأنه لا يوجد بهذا الإسناد في الكتب الستة، في الكتب الستة مع أنه إسناد مشهور: عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، إلا أنه لا يوجد في الكتب الستة، لا في البخاري ولا في مسلم، ولا في النسائي، ولا في أبي داود، ولا كذلك في الترمذي، لا يوجد في هذه الكتب الستة، مع شهرتها. معنا أيضا كذلك مع أن إسناده إسناد صحيح في الشمس، وهو من شرط الشيخين، وأيضا برواية عبد الرزاق عن معمر وهي مشهورة. وقد ذكر هذا الحديث معمر في جامعه، فهذا مما فات بعض الأئمة كالإمام أحمد وغيره، قد يكون أنه لم يروه واكتفوا بحديث عبد الله بن عمر الذي في الصحيحين. قال إسحاق -وهو إبراهيم الحربي الإمام المشهور- قال: حدثنا عبد الرزاق -وهو ابن همام الصنعاني أبو بكر رحمه الله، كان حافظا كبيرا، إلا أنه كان فيه شيء من التشيع- قال: حدثنا معمر -وهو ابن راشد أبو عروة اليماني، هو إمام أهل اليمن في السنة، نشر السنة رحمه الله، وجاء أئمة الإسلام لأجل أن يسمع منه، جاء سفيان الثوري إلى اليمن ليسمع من معمر، وجاء أيضا عبد الله المبارك- قال: عن الزهري -أبو محمد بن مسلم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الزهري رحمه الله، حافظ من حفاظ الحديث، بل من حفاظ الدنيا- قال: عن سنان بن أبي سنان -سنان أبو الديني المدني، وقال اسم أبيه يزيد، وهو ثقة- أنه سمع الحسين المعلى رضي الله عنه يحدث أن النبي عليه الصلاة والسلام خبأ لابن صياد دخانا، خبأ لابن صياد دخانا، فسأله عما خبأ له، فقال: دخ أو قال: دخان، فقال: اخسأ فلن تعدوا قدرا. فلما ولّى قال النبي عليه الصلاة والسلام ما قال، فقال بعضهم: دخ، وقال بعضهم: دخان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: قد اختلفتم وأنا بين أظهركم، وأنتم بعدي أشد اختلافا. قال: هذا حديث صحيح، وهذا حديث فيه عدة أمور، من تلك الأمور ما حصل للنبي عليه الصلاة والسلام لما ذهب إلى ابن صياد، ابن صياد هو عبد الله بن صياد، وقال له ابن صياد، وكان هذا كما ذكرنا من قبل عبد الله بن صياد هذا ولد بالمدينة وفقعت عينه، وكان أيضا يكتحل، فشك النبي عليه الصلاة والسلام فيه أن يكون هو الدجال، فكان يذهب إليه. كما جاء عن عبد الله بن عمر في حديث رواه الزهري عن سالم عن أبيه، وجاء كذلك أيضا في البخاري من حديث ابن عباس، وجاء عن جماعة من الصحابة في غير الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام ذهب إلى ابن صياد وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام يختفي تحت الأشجار حتى لا يرى، ولماذا؟ لعله أن يسمع شيئا من هذا ابن صياد يدله على شيء إما أنه دجال أو غيره، فكان متجلسا، فرأت أمة النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا صياد أو ابن صياد، فإن محمدا قد جاء، فنهض بسرعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لو تركته لبان أمره. ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ ثم رد كلامه، ثم قال له: قد خبأت لك خبئا. وجاء في رواية في الصحيحين عن رواية المشهورة البخاري ومسلم: قد خبأت لك خبيئا، أنا شيء خبأ، قد خبأت لك خبيئا فما هو؟ فقال: هو الدخ، هو الدخ، قال العلماء: أراد الدخان، أن النبي صلى الله عليه وسلم خبأ لابن صياد آية يظن أنه لا يعرفها، فقال: الدخ، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن له شياطين يخبرونه كما يخبرون الكهان، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اخسأ فلن تعدوا قدرا. وما جاء في هذا الحديث: اخسأ، هذه كلمة يقال للزجر، ولأجل أن يبين أن هذا الشخص مثلا في خبث، اخسأ فلن تعدوا قدرا، أي: أنت لست إلا كاهنا من الكهان، ليس قدرك إلا هذا. وتبين للنبي صلى الله عليه وسلم هذا بسبب أنه أولا جاء بشيء من الغيب، ومن ثم أنه يفعل في التمويه للكلمات مثل الكهان، أنه قال: الدخ وهو الدخان، فعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه رجل كاهن أو أنه كاهن، فلهذا قال له رسول الله: اخسأ فلن تعدوا قدرا. فقال عمر رضي الله عنه كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: أبطلوه يا رسول الله؟ قال: لا، إن يكن هو -أي الدجال- فلا تطيقون قتله، وإن لم يكن هو فلا تنالون في قتله خيرا. قال: فلما ولّى النبي عليه الصلاة والسلام قال ما قال -يعني يقول لأصحابه أي شيء الذي قال-، طيب قبل هذا أنا كما قلنا أن أكثر العلم على أن المخبىء الذي خبأه لنبي الله هي آية الدخان: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ ﴿يغشى الناس هذا عذاب أليم﴾. فإذن صياد كما ذكرنا من قبل يرى أن هذا قد حصل لخريش، وأنهم يرون مثل الدخان بالسماء من شدة الجوع لما دعا عليهم، وقال الله: أجعلها عليهم سنين كسنين يوسف. ومن أهل العلم من قال: أن هذا الدخان كما قال الخطابي ليس المراد به دخانا، وإنما الدخان أو الدخن هو بيت في البستان، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أو لعله أراد أن يحبس فيه هذا المصياد، لكن هذا استبعده كثير من العلماء ولم يأت ما يدل عليه، وإنما المراد به الدخان الذي هي العلامة التي ذكرها ربنا جل وعلا أنه يأتي دخان يغشى الناس، يغشى الناس، قال الله عز وجل: ﴿هذا عذاب أليم﴾. فلهذا لما عرف هذه الآية هذا الكاهن، قال لهم برسوله سلم: اخسأ فلن تعد قدرك. والمثلة الأخرى في هذا الحديث قول النبي عليه الصلاة والسلام لما اختلف الصحابة، قال لهم ما قال: قال بعضهم: دخ، وقال بعضهم: دخان، وقال عليه الصلاة والسلام: قد اختلفتم وأنا بين أظهركم، وأنتم بعدي أشد اختلافا، وهذا علامة من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة تختلف اختلافا شديدا بعده عليه الصلاة والسلام، فمن أراد النجاة فيسلك طريق النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ومن خالف هذه الطريق فهو الهالك، فالاختلاف موجود في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو معلوم من الحديث المتواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا إن شاء الله تعالى ما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بهذا، والحمد لله تعالى.