المحاضرة بعنوان تحذير الإنسان من عدوه الشيطان، والتي كانت بمسجد أبو بكر بن شيخ بمنطقة الخور بالشحر يوم الجمعة 30 جمادى الأولى 1447هـ الموافق 21 نوفمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوضح المقطع أن الشيطان عدو مبين للإنسان أعلن الله عداوته وأمر بمعاداته، وبدأ عداوته برفض السجود لآدم استكباراً ثم توعد بإغواء بني آدم. كما يستعرض كيف وسوس لآدم وحواء في الجنة بزي النصح حتى أكل من الشجرة فاهبطا إلى الأرض، مبيناً أن إبليس من الجن وأول خطوات إضلاله تزيين الكفر والشرك.
يسرد المقطع قصة عابد استدرجه الشيطان تدريجياً من الخلوة بالمرأة إلى الزنا ثم القتل فالكفر، موضحاً أن مداخل الشيطان مرتبة تبدأ بالكفر ثم البدعة ثم الكبائر ثم الصغائر مع الإصرار. ويحذر من الاستهانة بالصغائر لأن تراكمها يهلك صاحبها.
يستدرج الشيطان الإنسان من الصغائر إلى المباحات ليشغله عن الطاعة ويتسلل حتى في الصلاة، والوقاية تكون بذكر الله عند دخول المسجد والخروج من البيت ودخوله وعند الطعام والجماع. كما يوضح أن الشيطان يؤذي الإنسان في المنام بالأحلام المزعجة ويرشد للاستعاذة والبصق وتغيير الجانب، مع أهمية الأذكار قبل النوم وقصة أبي هريرة مع الشيطان السارق.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذا الجامع المبارك، بإذن الله نجتمع إياكم على مائدة الكتاب والسنة نتذاكر منهما ما ينفعنا بإذن الله جل وعلا. وشكر الله عز وجل القائبين على هذا الجامع من إمام وخطيب ولجنة على إتاحة هذه الفرصة لإقامة هذه المحاضرة، فنسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك في ميزان حسناتهم. وقد سمعتم أن عنوان المحاضرة: تحذير الإنسان من عدوه الشيطان. هذا العدو اللدود الذي هو من أعظم وأشد أعداء الإنسان، ولهذا ربنا عز وجل صرح بعداوته في آيات كثيرة، وأمرنا أن نتخذه عدوًا: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾، وقال: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، وقال: ﴿ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾، وقال: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَلَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾، وقال جل وعلا: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾. فالله جل وعلا أخبرنا بعداوة هذا الشيطان وأمرنا أن نعاديه. وإذا علم الإنسان أن الشيطان عدوه، بل عدو مبين، أي بيِّن، ظاهر عداوته ظاهرة معلنة، ليست خفية تغفى على الإنسان أو لا يعلم عداوته. هذا قد يصعب التحرُّز منه إذا كان العدو يخفي عداوته ويظهر أنه معك وأنه صاحب لك وأنه صديق لك وهو يعاديك في الباطن، هذا قد لا تتفطَّن له ولا تتحرَّز منه. لكن الشيطان أخبر الله عز وجل بأنه عدو مبين؛ لأنه أظهر هذه العداوة منذ أن خلق الله عز وجل آدم أبا البشر، ظهرت هذه العداوة بين الشيطان وبين آدم وذريتهم. لما خلق الله جل وعلا آدم وعلَّمه أسماء كل شيء وظهر فضلُه وشرفُه عند الملائكة، أمر الله جل وعلا الملائكة بالسجود لآدم تشريفًا وتكريمًا، فاستجابوا لأمر الله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾. الملائكة استجابوا لأمر الله وأطاعوا الله عز وجل في هذا الأمر فسجدوا لآدم، إلا إبليس أبى أن يسجد وأبى أن يُطيع الله عز وجل، بل واستكبر عن أمر الله، وكان من الكافرين الخارجين الجاحدين لله سبحانه وتعالى في أوامره وفي طاعته. ثم لما أمر الله عز وجل بهذا الأمر، ظهر من استكبار إبليس أنه أظهر أنه أفضل من آدم وأنه أحق بالسجود له من السجود لآدم: ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾. وهذا قياس فاسد باطل، ولهذا قال أهل العلم: أول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبليس، لأنه جعل معدن النار أفضل من الطين، ثم رتب على هذا أنه خلق من النار وآدم خلق من الطين، والنار أحسن من الطين، إذن هو أحسن من آدم، هو أفضل من آدم. قياس باطل فاسد مخالف للنصوص، وأن ذلك أن النار من طبيعتها الإحراق والإفساد والإتلاف والطيش والخفة، بخلاف الطين فمن طبيعتها الرزانة والبرودة والانتفاع، ينتفع بها فهي أفضل بلا شك من النار. فقياسه قياس فاسد الاعتبار. فلما أبى أن يستجيب لأمر الله وأن ينقاد لطاعة الله سبحانه وتعالى، أظهر هذا الشيطان عداوته لآدم وذريته، كما أخبر الله عز وجل عنه أنه قال بعد أن أمره الله جل وعلا بالهبوط إلى الأرض والخروج من الجنة: ﴿ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾. عداوة عدو للإنسان من جميع الجوانب، لا يترك الإنسان إلا ويأتيه عن يمينه وعن شماله ومن أمامه ومن خلفه. لا شك أن العدو إذا كان في هذا الحال وبهذه المنزلة ينبغي للإنسان أن يحذر منه وأن يكون على تيقظ من عداوته. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، يجري من ابن آدم مجرى الدم، يجري في عروقه». قال هذا النبي صلى الله عليه وسلم لما زارته صفية بنت حيي رضي الله عنها وهو معتكف في المسجد، فقام ليقلبها إلى بيتها، وكان ذلك في الظلمة، مر رجلان من الصحابة، فلما رأيا النبي عليه الصلاة والسلام أسرعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، تمهل، إنها صفية بنت حيي». قالا: يا رسول الله، سبحان الله، يعني هل نحن نشك فيك وأنت رسول الله؟ فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا أو قال شرًا». والحديث في الصحيحين. خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقع في نفوسهما شيء من الشيطان يوسوس لهما، الرسول صلى الله عليه وسلم مع امرأة من هذه المرة لعلها أجنبية، من هذه الوساوس، لأنه أقرب الأعداء إلى الإنسان، لا يوجد عدو من الأعداء بهذا القرب من الإنسان إلا الشيطان، يجري في مجرى الدم. فلذلك الله عز وجل كما سمعتم حذرنا منه تحذيرًا عظيمًا من وساوسه، من عداوته، من صده عن طاعة الله وعن مرضاة الله سبحانه وتعالى. لما ظهرت الفضيلة لآدم على إبليس، وخلق الله عز وجل بعد ذلك أمه حواء من ضلع آدم عليه السلام، وأمرهما أن يأكل في الجنة ما شاء من الأشجار والثمار إلا شجرة واحدة، نهى الله عز وجل أن يأكل منها: ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾. هذه الشجرة، انتبه، احذر، عندك مئات الأشجار، كل منها ما شئت إلا هذه الشجرة لا تقربها، الحلال كثير والممنوع قليل. لكن الشيطان ما تركهما، وأراد أن يخرجهما من هذا الخير الذي من الله سبحانه وتعالى به عليهما، بإظهار النصح والحرص، وإظهار كذلك الخير، فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما، كانت العورات مخفية مستورة قبل الوقوع في هذه المعصية والأكل من هذه الشجرة، وقال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾، ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾. فدلاهما بغرور. انظروا كيف أتى الشيطان إلى آدم وزوجه، قال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا لأمر عظيم، إلا أن تكونا ملكين، إذا أكلتم ما منها أصبحتم ملوكًا في درجة ماذا الملك، ولكم الملك السلطان، أو تكونا من الخالدين، أي في الجنة تكونان من المخلدين فيها. ما قال له: اعصِ الله، خالف أمر ربك، لا. نظر أتى بصورة الناصح والمحب للخير، وفوق هذا قسم بالله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾، يمين وقسم بالله أنه ناصح لهم محب للخير لهم. قال الله عز وجل: ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ﴾، فأكل منها فبدت لهما سوآتهما، إلى آخر الآيات التي أخبر الله سبحانه وتعالى بها مما فعله هذا الشيطان لأبينا آدم عليه السلام. ثم انتهت هذا الأمر بالأمر بالهبوط إلى الأرض: ﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾. وتاب الله عز وجل على آدم عليه السلام مما حصل منه، لكن بدأت العداوة بين هذا الشيطان وبين آدم وذريته، وقد قال: ﴿ وَرَبِّكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾. وفي قول الله عز وجل: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾، هل إبليس كان من الملائكة فيكون هذا الاستثناء استثناء متصلًا، أو أن إبليس لم يكن من الملائكة فيكون هذا الاستثناء استثناء منقطعًا؟ الصحيح أن إبليس لم يكن من الملائكة، فهذا الاستثناء استثناء منقطع، كما يسميه أهل النحو، أي أن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فإبليس ليس من جنس الملائكة، كما تقول: قام القوم إلا حمارًا، هل الحمار من جنس القوم؟ الجواب: لا، إذن هذا استثناء منقطع. بخلاف لو قلت: قام القوم إلا زيدًا، فزيد من جنس القوم، هذا متصل. فقول عز وجل: ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾، هذا استثناء منقطع، فإبليس ليس من الملائكة، كما قال الله جل وعلا في سورة الكهف: ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾، كان من الجن، ليس من الملائكة، والملائكة خلقت من نور كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وخلق الجان من مارج من نار. إذن إبليس ليس من الملائكة، فغلبه طبعه، طبعه الذي هو النار، والنار من طبعها الطيش والعجلة والإحراق والإفساد، أدى به إلى الوقوع في الكفر والاستكبار. فللهذا قلنا أن هذه العداوة منذ أن هبط آدم إلى الأرض وأخرج مع زوجه ومع إبليس إلى هذه الأرض، والعداوة مستمرة، والعداوة مستمرة، والعداوة مستمرة. ما من مولود يولد إلا وتبدأ عداوة الشيطان له، أول ما يخرج الإنسان إلى هذه الأرض ينخسه الشيطان فيستهل صارخًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد إلا وينخسه الشيطان، أي ينزغه فيستهل صارخًا، إلا ابن مريم وأمه». ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه: اقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صياح المولود نزغة من الشيطان، صياح المولود نزغة من الشيطان». أول ما يخرج المولود ينزغه الشيطان، يقول: تعال جئت إلى هذه الأرض، العداوة بدأت، فيستهل صارخًا، والأحاديث صحيحة. فالشيطان لا يترك الإنسان، حريص على إغوائه بقدر ما يستطيع بكل السبل والطرق وكذلك الوسائل. يأتي للإنسان بخطوات حتى يوقعه فيما يريد، ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾. لا تتبعوا خطوات الشيطان، انتبهوا من خطوات الشيطان. ذكر ابن القيم رحمه الله أن للشيطان سبع خطوات يوقع فيها الإنسان فيما يغضب الله عز وجل ويصده عن طاعة الله سبحانه وتعالى. أول خطوة من هذه الخطوات: الكفر، أنه يزين له الكفر بالله والخروج عن دين الله وعن شريعة الله، فهو يحرص على أن يوقع الإنسان في الكفر، يزين له هذا الباطل، يزين له هذا الباطل، ربما بعبادة الأولياء والصالحين، وأن هذا الفعل ليس من الشرك والكفر بل هو من تعظيم الأولياء ومن محبة الأولياء، وربما يأتي له بقول: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾، فأنت بهذا تعظم أولياء الله، فيجعلهم يذبحون لهم وينذرون لهم ويستغيثون بهم ويتمسحون بأتربتهم ويطوفون حول قبورهم، إلى آخر ذلك من أنواع الشرك، كلهم من تزيين الشيطان. أول كفر وقع في هذه الأرض هو بالغلو في الصالحين في قوم نوح: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾. قال ابن عباس كما في البخاري: هؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح، لما ماتوا أوحى الشيطان إلى أتباعهم أن صوروا صورهم وتماثيلهم، ولم يعبدوا، يعني جعل هذا أمرهم أن يصوروهم حتى يتذكروهم فينشطوا للعبادة والطاعة، قال: حتى إذا هلك هؤلاء القوم وجاء قوم آخرون عبدوهم من دون الله. انظروا كيف أوقعهم في الكفر في الغلو في الصالحين. وهكذا ربما يلبس على الملاحدة والفلاسفة بالفلسفة والكلام والقيل والقال، ويزين لهم الباطل والكفر، حتى جحد الفلاسفة الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، فأنكروا النبوات، وأنكروا الجنة، وأنكروا النار، وأنكروا البعث، وأنكروا الجزاء والحساب، إلى آخر ذلك، كل هذا من تلبيس الشيطان، كيف يوقع الإنسان في الكفر، وهو يزين له ذلك، ما يقول له: تعالى اكفر مباشرة، يستدرج معه خطوات حتى يوقعه في فيما أراد من الكفر بالله سبحانه وتعالى، كما في قول الله عز وجل: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾. ذكر الإمام ابن كثير رحمه الله وغيره عند هذه الآية قصة ذلك العابد من بني إسرائيل، رجل من بني إسرائيل كان يتعبد لله في صومعته، معروف بالخير والصلاة والعبادة، وكان في قريته ثلاثة إخوة ولهم أخت، أرادوا الخروج إلى الغزو، فقالوا: أين نضع أختنا؟ من يقوم بها ومن يرعاها؟ فقالوا: هذا العابد، هذا العابد نثق به ونضع أختنا عندنا عنده. فكلموه في ذلك فأبى وقال: أعوذ بالله من ذلك، فأصروا عليه أن يقوم برعايتها، فوافق على ذلك، وجعلها في الأسفل في غرفة وهو في الأعلى يتعبد لله سبحانه وتعالى، فإذا جاء وقت الطعام أخرج لها الطعام وضعه عند بابها وصعد إلى صومعته. وسافر هؤلاء الإخوة، استمر على هذا فترة من الزمن، ثم جاءه الشيطان فقال له: لو أنك يعني اقتربت شيئًا ما بدل هذا يعني البعد حتى تأنس بك، فأطاعه واقترب شيئًا ما بدل ما كان بعيدًا، واستمر فترة من الزمن، ثم جاءه قال: لو أنك وضعت الطعام داخل غرفتها لعل ذلك أفضل وكذا، فاستجاب له، واستمر فترة من الزمن، ثم جاءه: لو أنك كلمتها، فكان يكلمها وفي صومعته وهي في الأسفل، واستمر على ذلك فترة، ثم قال: لو نزلت إليها وكلمتها من وراء الباب لعل هذا آنس لها وكذا، فاستجاب له، فصار يكلمها من خلف الباب، واستمر على هذا فترة من الزمن، ثم جاءه بعد ذلك: لو دخلت وكلمتها على يعني فيه على مدخل الباب ورأيتها ورأتك هذا آنس لها، فاستمع له، واستمر على هذا فترة، ثم جاءه: لو دخلت وجلست في غرفتها وآنسها بذلك، فاستجاب له، فما زال به حتى وقع عليها، حتى وقع عليها، وزن بها، فولدت، حملت من هذا الوقاع وولدت غلامًا. جاءه الشيطان قال: إذا جاء إخوتها ستفضح بما حصل منك ومنها بهذا الغلام، فاعمد إليه فاذبحه، فعمد إلى هذا الغلام وذبحه. ثم جاءه الشيطان قال: إذا جاء إخوتها لربما فضحتك بما حصل منك وما كان منك، فاعمد إليها فاذبحها مع ولدها، فقام إليها وذبحها ووضعها مع ابنها في حفرة وغطى الحفرة بصخرة عظيمة. انظروا كيف الشيطان، وصعد إلى صومعته يتعبد. مرت الأيام، جاء إخوة هذه المرأة يسألون عن أختهم، فنعاها وأخبر أنها ماتت، وأنها كانت خير امرأة، وجعل يبكي، صدقوه لأنه عندهم ثقة، وهذا قبرها، دلاهم على قبر، أتوا إلى القبر وجعلوا يبكون ويدعون لأختهم ورجعوا. لكن الشيطان ما تركهم، جاء الشيطان إلى الأكبر منهم وقال: أتظنون أن ما قاله هذا العابد صحيح وأنه صدقكم؟ لا، إنما هذا العابد قد وقع على أختكم وولدت غلامًا فقتلها وقتل الغلام ودفنهم في صخرة في حفرة وأغلقها بصخرة عند مدخل البيت عن اليمين. ثم جاء إلى الأوسط وأخبره بمثل ذلك، ثم جاء إلى الأصغر فأخبره بمثل ذلك. فلما أصبحوا أخبر كل واحد بهذه الرؤية العجيبة التي رأى، فعمدوا إلى هذا العابد وسألوه بما رأوا من تلك الرؤية، فاعترف بما حصل منه أنه فعل ذلك. هل تركه الشيطان؟ لم يتركه بعد، أرادوا قتله، تبين لهم أنه رجل مجرم، يعني تلبس بفاحشة الزنا ثم القتل، فأرادوا أن يقتلوه وأن يصلبوه، فجاءه الشيطان قال: أنا صاحبك الذي أوقعتك في هذا الأمر، فإذا أردت أن أخلصك من ذلك فاكفر بالله الذي خلقك وأنا أخلصك من ذلك. ما كان من هذا العابد إلا أن كفر، ثم خلَّى الشيطان بينه وبينهم فقتلوه وصلبوه على الكفر. وهذا قول الله عز وجل: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾. انظروا كيف تدرج معه في هذه الخطوات، في هذه الوسائل والطرق، شيئًا فشيئًا، حتى استدرجه من العبادة والطاعة إلى الزنا والقتل بل والكفر بالله سبحانه وتعالى. هذه أول خطوة يحرص عليها الشيطان، هو الكفر. ما استطاع أن يوقع الإنسان في الكفر، رغم أيضًا يأتيه من باب الغضب، إذا غضب بعض الناس وبعض المسلمين هداهم الله، إذا غضب يأتيه الشيطان فينغزه حتى يسب الدين والرب، وهذا للأسف واقع كثير في مجتمعاتنا وفي أوساطنا، تجده يسب الدين والرب، وهذا كفر، كفر بإجماع العلماء، فيوقعه في الكفر من حيث لا يشعر، وهذا من نزغات الشيطان. ما استطاع انتقل به إلى أن يوقعه في البدعة، إذا ما استطاع أن يوقعه في الكفر انتقل به إلى الوقوع في البدعة، يزين له البدعة والمحدثات، وأنها طاعة، وأنها عبادة، وأنها قربة، وأنها فعل حسن، وأنه أمر طيب، حتى يخرجه عن هدي الرسول عليه الصلاة والسلام وعن الصراط المستقيم، ويوقعه في البدع والمحدثات. وهذا أيضًا من تلبيس الشيطان، ولهذا يقول الإمام سفيان الثوري رحمه الله: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها». المعصية يفعلها الإنسان العاصي وهو يعلم أنه عاصي، يعلم أنه مخطئ، يعلم أنه مذنب، وربما يتوب بعد ذلك، لكن البدعة يفعلها على أنها طاعة وعبادة وقربة، وأنه على حق وعلى صواب، ولهذا ربما يجادل ويناقش في سبيل تحقيق هذه البدعة، هذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان التي يوقع فيها الإنسان في الخروج عن السبيل والطريق المستقيم. إذا ما استطاع أن يوقعه في البدعة انتقل به إلى المعاصي والذنوب، وإيقاعه في كبائر الذنوب، إيقاعه في كبائر الذنوب في المعاصي المحرمة، الكبيرة والكبيرة كما قال أهل العلم: وكل ذنب وكل ذنب ترتب عليه لعن أو غضب أو حد في الدنيا أو عقوبة في الآخرة، ما كان كذلك من الذنوب فهو كبير من كبائر الذنوب، مثل قتل النفس، الزنا، الربا، كذلك السرقة، الغيبة، النميمة، كثير من كبائر الذنوب. إذا أوقعه في ذلك فرح بذلك ووصل إلى مقصود، يحبه أن أوقع هذا الإنسان في كبيرة من كبائر الذنوب التي قد تكون سببًا لدخوله النار، عياذًا بالله. صاحب الكبيرة تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾، أي ما دون الشرك، لكن مع هذا لا بد أن يدخل جماعة من أهل الكبائر النار وأن يعذبوا فيها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث الشفاعة، أنه يدخل جماعة من أهل الكبائر النار حتى يحترقوا ويخرجوا بشفاعة الشافعين. والإنسان إذا ارتكب الكبيرة لا يستهين بها، يقول: والله الذنوب دون الشرك، صاحبها تحت مشيئة، لا، أنت ما تدري هل يغفر الله لك وهل يعفو الله عنك أم أنك تكون ممن يستحقون العذاب ودخول النار. إذا لا بد أن تخاف على نفسك. فإذا لم يستجب له في هذه الخطوة نقله إلى خطوة بعدها، وهي الوقوع في صغائر الذنوب، ما استجاب له في الكبائر أتى إليه في الصغائر، الذنوب التي لم يرتب عليها شيء من الوعيد أو العقوبة أو الحد، من الأمور المحرمة والمنهى عنها، يقول له: هذه صغيرة افعلها، هذه صغيرة، هذه صغيرة، وهكذا يزين له فعل الصغائر حتى تصبح عليه كالكبائر، وكما يقول أهل العلم: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار»، الصغيرة مع الإصرار تصبح كبيرة، تصبح كبيرة من كبائر الذنوب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه»، يعني صغيرة مع صغيرة مع صغيرة تصبح كبيرًا من الكبائر. قال الشاعر: خلِ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى ما حصى يصير جبلًا. وهكذا الذنوب إذا استصغرها الإنسان فإنها تهلكه إذا استمر عليها ولم يتب منها. إذا الاستمرار والإصرار في صغائر الذنوب هذه خطوة من خطوات الشيطان لصد هذا الإنسان عن طاعة الله سبحانه وتعالى. فإن لم يستجب له في الوقوع في الصغائر أخذه في المباحات، هذا مباح، أمر مباح، حلال، عليك به، ويجعله ينشغل بالمباحات والإكثار منها حتى تشغله عن طاعة الله، تشغله عن طاعة الله، ربما ينشغل عن واجب بمباح، بمباح يترك واجبًا أو بسبب المباح يقع في محرم، هذا من تلبيس الشيطان ومن خطوات الشيطان، أن يوسع على الإنسان المباحات فوق ما يحتاج وفوق أيضًا ما يكون في حاجته حتى يصده عن طاعة الله. ما استجاب له في هذه الخطوة نقله إلى أن يقدم المفضول على الفاضل، الأمور المفضولة على الأمور الفاضلة، يشغله بالمفضولات عن الأمور الفاضلة. هذا أيضًا من تلبيس الشيطان. انظروا كيف يأخذهم من خطوة إلى خطوة إلى خطوة. ما استجاب له في هذا أرسل جنوده للوسوسة والصد عن طاعة الله وإلى آخره. لهذا ربنا عز وجل حذرنا من خطوات الشيطان، الشيطان ما يترك الإنسان، ما يترك أبدًا، لا في عبادتك، ولا في أكلك، ولا في شربك، ولا في كذلك إتيانك لأهلك، هو عدوك يأتيك في سائر الأوقات وفي سائر الأحوال، عدو لدود. انظر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين»، ما يدع يسمع الأذان، يهرب ويخرج صوت الضراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قضي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أي أقيمت الصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء وذاته، يقول: اذكر كذا واذكر كذا واذكر كذا، حتى يظل المرء لا يدري كم صلى. هو الحديث الصحيح. انظروا كيف يأتي يذكرك في الصلاة أشياء قد نسيتها، ربما تريد تذكرها ما تذكرها، لما تدخل الصلاة على طول يذكرك إياها، نسيت الأمر الفلاني، نسيت العمل الفلاني، تركت الأمر الفلاني في المكان الفلاني، أشياء تنساها يذكرك الشيطان في الصلاة، ليش؟ حبًا لك، محبة للخير لك؟ لا، من أجل أن يشغلك عن طاعة الله، عن تدبر الصلاة، وعن الخشوع، وعن حضور القلب، يذكرك بأشياء قد نسيتها حتى تظل لا تدري كم صليت، صليت ثلاث، أربع، ثنتين، هذا من تلبيس الشيطان. لهذا أمرنا عند دخول المسجد عند دخول المسجد أن ماذا؟ أن نستعيذ بالله من الشيطان. في حديث عمر بن العاص عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قال: «اللهم إني أعوذ بوجهك الكريم وسلطانك القديم من الشيطان الرجيم». تستعيذ بالله من الشيطان لأن الشيطان ما يتركك حتى في عبادتك، فأنت تستعيذ بالله سبحانه وتعالى منه. بل حتى عند خروجك من البيت، عند خروجك من البيت فإنك تذكر الله عز وجل، لأن أعظم ما يقي الإنسان من الشيطان ويحرزه من الشيطان هو ذكر الله، هو ذكر الله، هذا السلاح القوي الذي به ينجو الإنسان من عداوة الشيطان، أن يكون ذاكرًا لله سبحانه وتعالى. في حديث الحارث الأشعري عند الترمذي وغيره، لما أوحى الله عز وجل إلى يحيى بن زكريا أن يأمر بني إسرائيل بخمس كلمات، ومنها قال: «وآمركم بذكر الله، وإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في إثره سراعًا، فأتى حصنًا حصينًا فاحترز به منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله». ذكر الله هو الحرز العظيم الذي به تقي نفسك من عداوة الشيطان. لهذا أمرنا إذا خرجنا من بيوتنا أن نذكر الله، أن نقول: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله»، فيقول الشيطان: كيف بك بمن عصم ووقي؟ يقول الشيطان لآخر: كيف بك بهذا الذي قد عصم نفسه وأحرز نفسه ووقي من عداوتك يا أيها الشيطان؟ ذكر الله عز وجل. ثم تدخل المسجد تذكر الله وتستعيذ بالله من الشيطان حتى لا يغويك الشيطان وأنت في بيت الله وفي عبادة الله سبحانه وتعالى. خرجت من المسجد كذلك تذكر الله، وكذلك تسأل من الله عز وجل أن يعصمك من الشيطان، تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم إني أسألك من فضلك، اللهم عصمني من الشيطان الرجيم»، كما جاء عند النسائي. تسأل الله أن يعصمك من الشيطان. أنت في عداوة، تدخل المسجد في عداوة، تخرج في عداوة، تدخل بيتك في عداوة، الشيطان يشارك الإنسان في سكنه، في بيته، في طعامه، في شرابه، إذا لم يذكر الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل الرجل منزله فذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: لا مبيت لكم»، يقول لأتباعه، يقول لهم: هذا البيت ما لكم فيه مبيت. فإذا ذكر الله عند طعامه قال: «لا مبيت لكم ولا عشاء»، ما لكم في هذا البيت لا مسكن ولا مأكل. وإذا دخل منزله فلم يذكر اسم الله عند دخوله قال الشيطان: «أدركتم المبيت»، يقول لأتباعه: وجدتم السكن، السكن الآن ضمنًا. وإذا لم يذكر الله عند طعامه قال: «أدركتم المبيت والعشاء»، والحديث في مسلم عن جابر رضي الله عنه: «أدركتم المبيت والعشاء»، السكن وأكل مجاني، لا تحتاج إلى فندق ودفع مال وأكل من المطعم، لا، أكل في البيت ما شاء الله وسكن مجاني، يأكل الشيطان معك ويسكن معك، وما تدري إلا والبيت مشاكل وبلوى ومصائب بسبب الشيطان، أنه قد عشعش في هذا البيت، والسبب عدم ذكر الله سبحانه وتعالى. إذا جاء الرجل أراد أن يأتي أهله لا بد أن يذكر الله، في حديث ابن عباس في الصحيحين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الرجل أن يأتي أهله فليقل: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر لهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا». بسم الله، تذكر الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، لا تجعل الشيطان نصيبًا على هذا المولود، إن قدر الله أن تحمل هذه المرة من هذا الجماع، فلا تجعل لهذا الشيطان نصيبًا وتسلطًا على هذا الجنين، فإنه يقدر لهما ولد لم يضره الشيطان، لم يكن له عليه سبيل في التسلط عليه، في وسوسته، في صده عن طاعة الله، عن عبادة الله. لكن إذا جئت لا ذكر لله، لا وقدر الله، وحملت، أصبح للشيطان عليه سبيل، ما تدري إلا وجاء الولد شيطان، جاء الولد الشيطان، يعني كما بعض الأولاد تجد فيه عقوق، شيطنة، شر وأذية، لا يسمع الكلام، لا يطيع، وهكذا، والسبب هو الغفلة عن ذكر الله وتسلط الشيطان على هذا المولود. وهكذا أيضًا، فقلنا إن الشيطان قد يتسلط على الإنسان حتى يصير شيطانًا مثله، يصير شيطان مثله، وأصل الشيطان كما يقول أهل العلم: هو من فيه عتو وتمرد، وشيطان الإنس والجن، شر وأذية، سواء كان من الجن أو من الإنس أو الحيوانات، والعرب تسمي الحية شيطانًا لأنها مؤذية شريرة. والله عز وجل يقول: ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾. وبعضهم ربما يفوق إبليس في الشيطنة والشر والأذية، كما قال ذات القائل، يعني من شدة شره وأذيته وشيطنته، يقول: «أصبح إبليس تلميذًا لي، كان بالأمس تلميذًا له وأصبح اليوم هو شيخ إبليس، وإبليس تلميذ له»، من شدة الشر الذي وقع فيه وأصبح مبتلى به. كذلك الشيطان قد يأتيك حتى عند النوم، حتى عند النوم ما يتركك، يؤذيك ويجعلك ترى أحلامًا، يخلط عليك حتى تتأذى من ذلك، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «الرؤية الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أو حلم أحدكم شيئًا يكره فليبصق، فليبصق عن يساره، وليستعذ بالله من الشيطان». وفي رواية أخرى بحديث جابر قال عليه الصلاة والسلام: «وليتحول عن جنبه الذي كان عليه». إذا رأيت شيئًا من الأخلاط والأشياء المخيفة هذه من تلبيس الشيطان على النائم. جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، رأيت رأسي يتدحرج وأنا أجري خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحدثن أحدكم بتلاعب الشيطان به، لا يحدثن أحدكم بتلاعب الشيطان به»، أي هذا من الشيطان. انظروا كيف الشيطان يتلاعب بك في نومك حتى ترى هذه الأحلام وهذه الأخلاط، فيزعجك ويخيفك. فأنت إذا رأيت شيئًا من ذلك تستعيذ بالله وتتحول إلى الجانب الآخر، إن كنت بالجانب الأيمن تحولت إلى الجانب الأيسر، وإن كنت بالجانب الأيسر تحولت إلى الجانب الأيمن. والذي ينبغي عليك قبل النوم أن تحرص على ذكر الله، تحرص على ذكر الله، تقرأ المعوذات وآية الكرسي، آية الكرسي حرز عظيم من الشيطان. وقصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان في الصحيح مشهورة، حين جعله النبي صلى الله عليه وسلم خازنًا على الطعام، فجاء رجل في الليل جعل يحثو من الطعام يأخذ، فأمسكه أبو هريرة، قال: لأرفعنك إلى رسول الله، قال: دعني فإني مسكين ورجل فقير وذو عيال، قال أبو هريرة: فرحمته فخليت سبيله. فلما أصبح قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ما فعل أسيرك البارحة يا أبا هريرة؟» قال: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كذبك وسيعود». جاءت الليلة الثانية، فجاء يجعل يحثو من الطعام، فأمسكه أبو هريرة، قال: لأرفعنك إلى رسول الله، قال: فشكى حاجة وعيالًا، فرحمه فخلى سبيله. فلما أصبح قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما فعل أسيرك البارحة يا