الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 490

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 490

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 490، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في سند الحديث وتوثيق الرواة

يتعرف على سند الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل ويعرّف بشيوخه وشكل بن حميد العبسي وابنه شتير، ويبين درجة ثقة الرواة وفقًا لتقييم علماء الحديث.

دعاء النبي للاستعاذة من شرور الأعضاء وشرح الحديث

يشرح حديثا نبويا يدعو للاستعاذة من شرور السمع والبصر واللسان والقلب والمني، ويبين أهمية هذا الدعاء في جعل العبد خيرا كله ويقربه إلى الله.

الاستعاذة من الشرور وضوابطها وحدودها

يشرح معنى الاستعاذة من شر السمع والبصر والمني، ويبين أنها عبادة لا تصرف إلا لله وأسمائه وصفاته، ويستدل على عدم جواز الاستعاذة بغير الله إلا فيما يقدر عليه العبد.

استدلال الإمام أحمد على الاستعاذة بصفة الكلام لله وتفسير الحديث

استدل الإمام أحمد بأن كلمات مثل 'من شر ما خلق' هي من صفات الله وداخلة في كلامه، مما يجيز الاستعاذة بها استنادًا إلى أن الكلام صفة لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: مسند شكل بن حميد، قضي الله عنه. وشكل -ويقال: شكل، أنا بفتح الكاف وإسكانها مع فتح الشين- شكل بن حميد، وهو عبسي من أصحاب حذيفة بن اليمان، هو بن عبس، قبيلة معروفة من قبائل الحجاز، التي اشتهرت بعنترة بن شداد العبسي. وشكل كان منهم، شكل بن حميد، وكذلك شتير بن شكل، ابنه أيضا قد أدرك الجاهلية، لكن الظاهر أنه لم يسلم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وأسلم بعد، أو أنه آخر. لكن شتير بن شكل عبسي كذلك، أنا أقصد أنه من ابن لشكل بن حميد. قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل، الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، إمام أهل السنة وفقيههم. قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الزبير -وهو الزبيري، أبو بكر الزبيري، من أصحاب سفيان الثوري- قال: حدثنا وكيع عن المعنى. أحمد رواه عن شيخين عن أبي بكر الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير كذلك عن وكيع بن الجراح الرؤاسي. قال: المعنى، أي المعنى متقارب، معنى في اختلاف في شيء من اللفظ، لكنه متقارب. وأسند هنا حديث الزبير قال: عن سعد بن أوس -سعد بن أوس هو عبسي كذلك، وهو صدوق- وهذا مسند من وكيع، كلهم كوفيون. وكذلك الزبيري كوفي، ولكن من بعد وكيع كلهم عبسيون. وإذا رأيت عبسي فهو كوفي، العبسيون كوفيون، معنى أنه أكثر من حدث بالحديث من العبسيين هم أهل الكوفة، ولأن مستقرهم -أي بعد الفتوحات- كان الكوفة. ومنهم الإمام الكبير أبو بكر بن أبي شيبة العبسي. قال: عن سعد بن أوس عن بلال العبسي أيضا، بلال بن يحيى العبسي، وثقه ابن معين، أو قال: ليس بهما بأس. وليس بهما بأس عند ابن معين كثقة، إذا قال: إذا قلت ليس به بأس فهو ثقة، ولكنه ليس كالذي يقول فيه ثقة، كما نبه على ذلك العلماء: أنه وثقة يقبل حديث، لا بأس به، أي في درجة الصدوق عند الحافظ، لكن ليس في درجة الثقة إذا قال ثقة. أنا يختلف، وإنما يريد أن يبين أنه من قال فيه ليس به بأس فهو ممن يقبل حديثه. قال: عن بلال العبسي عن شتير بن شكل، وشتير اختلف في صحبته، والظاهر أنه ليس صحابيا، وإن كان هو مخضرم أدرك الجاهلية كما ذكرنا. قال: عن أبيه، وهو شكل، شكل بن حميد العبسي. قال: في حديث أبي أحمد -أي الزبير، أبو أحمد الزبير، محمد بن عبد الله بن الزبير- قال: في حديث أبي أحمد شكل بن حميد، والظاهر أنه وكيع قال بالإسكان: شكل بن حميد. وكأن الإمام أحمد رجح رواية أبي أحمد الزبير في تسميته شكل بن حميد. قال: قلت يا رسول الله، أعلمني دعاء. قال: «قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي». قال: هذا حديث حسن، رجاله رجال الصحيح إلا سعد بن أوس وهو العبسي، وبلال هو ابن يحيى العبسي، وقد قال ابن معين ليس به ما بأس. قال: والحديث أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث سعد بن أوس عن بلال بن يحيى. وأخرجه النسائي. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا وكيع، أنا هذه رواية وكيع. قال: حدثني سعد بن أوس عن بلال بن يحيى عن شيخ لهم -من العبسيين- عن شتير بن شكل عن نبيه. قال: قلت يا رسول الله، وعلمني دعاء أن تفعل به. قال: «قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي ومنيي». أنا تجد في شيء من الاختلاف، وأيضا في حديث أبي أحمد الزبيري زيادة: ومن شر لساني. قال: وحدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سعد بن أوس عن بلال العبسي عن شتير بن شكل عن نبيه، شكل بن حميد. قال: أتيت النبي عليه الصلاة والسلام فذكر الحديث. قال: هذا حديث حسن. فهذا الحديث في هذا الدعاء العظيم الذي فيه أن العبد يتعود من شر أعضائه. وإذا سلم العبد من شرور هذه الأعضاء فقد سلمه الله عز وجل من الشر. ومعنى ذلك أنه صار كله خير، كلامه خير، ويسمع الخير، ويبصر الخير. وكذلك أيضا يعتقد الخير، معنى يكون في قلبه الرضا والصبر والمحبة لله عز وجل وغيره. فصاحب أو من كان هذا دعاؤه وكان هذا حاله كان من أعظم الناس ومن أقرب الناس إلى الله جل وعلا. وهذا أيضا يدل على حديث الأولياء، حديث أبي هريرة: «من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبد عبدي بحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». فهذا الحديث يدل على أن العبد يوفقه الله عز وجل في سمعه، في بصره، وفي لسانه، وفي قلبه، بل وفي منيه، أي أنه لا يقع فيما يغضب الله عز وجل في هذا الباب من الزنا وغيره. فقوله: «من شر سمعي وشر بصري»، أي ما يكون منه من هذه الأعضاء إلا الخير، فيسمع الخير، لا يسمع إلا خيرا. فإذا رأى أو إذا سمع ما هو ما يغضب الله ابتعد من ذلك الأمر، أو غط أذنيه حتى لا يسمع ما يغضب الله عز وجل من الحرائب، كما فعل ابن عمر رضي الله عنه. والأثر أخرجه البيهقي بسند صحيح أن ابن عمر مر وكان جالسا في مكان، فمر عليهم راعي غنم وكان معه شبابة -الشبابة المعروفة- وكان يصوّت بها، معنى يسمع صوتا من هذه الشبابة، فسمع ابن عمر هذا الأمر فوضع إصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع هذا الشر. وكان يقول لنافع: هل مر هذا الرجل أو هل تسمع صوتا؟ حتى قال: لا أسمع، فأخرج إصبعيه من أذنيه. وهذا لشدة حرصه رضي الله عنه أن لا يسمع الشر، وهذا من توفيق الله عز وجل أنه يوفق العبد في سمعه وبصره وفي كلامه، فلا يتكلم إلا بخير، ولا ينظر إلا إلى خير، ولا يسمع إلا خيرا. بل إنه حتى اعتقاده لا يعتقد إلا ما هو موافق للشرع، ويحب ما يحب الله، ويكره ما يكره الله. وهكذا فكل خير يجتمع فيه، حتى قالوا: «ومن شر منيي». وهذا أيضا يدل على أن المني إذا وضع في غير موضعه فإنه شر، وهذا من الأدلة على عدم جواز ما يسمى بالعادة السرية أو الاستمناء، فإن هذا شر لأنه يوضع في غير موضعه، يوضعه في غير موضعه. فهذا يعتبر من الشر الذي يستعاذ منه. وكذلك يدخل فيه ما هو أكبر من ذلك من الزنا واللواط وغيره. ففيه أن الإنسان يستعيذ بالله عز وجل، والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله جل وعلا والاعتصام بالله جل وعلا من هذا الذي يستعاذ منه ومن شره. فالاستعاذة عبادة من العبادات التي لا تصرف إلا لله عز وجل، فلا يجوز لأحد أن يستعيذ بغير الله إلا فيما يقدر عليه هذا العبد، لأن الاستعاذة لجوء واعتصام. فإذا كان يستطيع أن يدافع عنه فلا بأس بذلك، وهذا من أمور الدنيا غالبا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: «فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به». أما الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله فلا يجوز لأحد أن يستعيذ بغير الله جل وعلا. ولأن الاستعاذة عبادة، ولهذا أجاز النبي عليه الصلاة والسلام الاستعاذة بكلمات الله، فقال: «عود بكلمات الله التامات». استدل بذلك الإمام أحمد على أن كلمات الله عز وجل من كلامه سبحانه وتعالى ومن صفاته. ولو كانت ليست من صفاته فإنه لا يجوز أن يستعاذ بها، فلا يستعاذ إلا بالله عز وجل وأسمائه وصفاته. فاستدل بذلك الإمام أحمد على أن هذه الكلمات هي من صفات الله جل وعلا وهي داخل في كلام الله، والكلام من صفته، فيجوز أن يستعاذ به. وإلا لو كانت ليست من صفات الله لما جاز للعبد أن يستعيذ بها. فهذا ما يذكر في هذا الحديث. الله تعالى أعلم.