الخطبة بعنوان مقاصد ومنافع الزواج، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 محرم 1447هـ الموافق 11 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تبيّن الخطبة مكانة الزواج بوصفه ميثاقًا غليظًا وآية من آيات الله، وتستعرض مقاصده الكبرى كتحقيق العبادة والطاعة، وطلب الذرية الصالحة، وتكثير أمة النبي صلى الله عليه وسلم. كما تستدل بالقرآن والسنة على حث الشباب على الزواج والنهي عن التبتل والرهبانية.
يستعرض المقطع أبرز مقاصد الزواج كالتناسل وتكوين المجتمع المسلم، وتحقيق السكن النفسي، وإحصان الشباب وغض البصر، وإكمال نصف الدين، وحصول الأجر عند قضاء الشهوة في الحلال. ويؤكد على حث الشرع على تيسير الزواج وتسهيل أسبابه.
يحث المقطع على تيسير أمور الزواج وتقليل المهور والتكاليف اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، مؤكداً أن معيار الاختيار هو الدين والخلق لا المال ولا الحسب. ويحذر من أن تعسير الزواج يؤدي إلى الفتنة والفساد، داعياً الآباء والمجتمع لتخفيف الأعباء.
يختم المتحدث بدعاء يطلب فيه من الله أن يزوج العزاب من المسلمين ويسر أمر زواجهم، ثم يصلي ويسلم على النبي محمد ويختم بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد شرع الإسلام الزواج، وجعل عقده عقدًا مميزًا يختلف عن بقية العقود، وسماه ميثاقًا غليظًا. وما ذلك يا عباد الله إلا لما يترتب على الزواج من المقاصد العظيمة، ومن الآثار والمنافع الكثيرة. وإن مما يدل على ذلك أيها المسلمون، مما يدل على عظمة الزواج في الإسلام، أن الله سبحانه وتعالى جعله آية من آياته تدل على قدرته على خلقه. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ألا وإن من تلك المقاصد، ومن تلك المنافع، ومن الزواج: أولاً، تحقيق عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أمرنا ربنا عز وجل بهذه النعمة، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وهكذا فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرشد الشباب به، فهو من سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ». وهكذا نهى شرعنا عن التبتل، وعن كذلك الرهبانية، في ترك الزواج. فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن ثلاثة نفر جاءوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فكأنهم تقالوها، فقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قام خطيبًا في أصحابه عليه الصلاة والسلام، وقال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا إِنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». وهكذا يا عباد الله، من مقاصد ومنافع الزواج: رجاء الذرية الطيبة التي تكون لك نفعًا وقرة عين في الدنيا، وذخرًا لك في الآخرة، بما يكون منهم من الدعاء لك والاستغفار لك. قال ربنا سبحانه وتعالى وهو يبين أن من أعظم صفات عباد الله الصالحين: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وجاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». وجاء في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيُرْفَعُ الدَّرَجَةَ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيُقَالُ لَهُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ، بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ». فطلب الذرية الصالحة مقصد عظيم من مقاصد النكاح والزواج. وهكذا يا عباد الله، من مقاصد ومنافع الزواج: تكثير ذرية النبي عليه الصلاة والسلام، وتحقيق المباهاة التي أحبها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد جاء في صحيح مسلم أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة ذات مال وجمال، أو ذات جمال ونسب، إلا أنها لا تلد. فقال له: «لَا تَتَزَوَّجْهَا». فكرر عليه ثانية وثالثة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: «لَا تَتَزَوَّجْهَا». ثم قال عليه الصلاة والسلام: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ، فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وفي لفظ: «فَإِنِّي مُبَاهٍ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». ألا فلنحقق هذا الأمر الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يا عباد الله، من منافع ومقاصد الزواج: تكوين المجتمع المسلم، وهكذا الترابط الاجتماعي بين الأسر في المجتمع. فإن الزواج يقوي روابط العلاقات الأسرية، وهذا أمر مشاهد وأمر معلوم. فإذا صاهرت غيرك، وقع بينك وبينهم من المحبة، ومن التعارف، ومن الترابط. ولذلك يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾. فهذا أمر مطلوب شرعًا يا عباد الله. وهكذا من مقاصد ومنافع الزواج، وهو كذلك: أن تعيش السكن النفسي، أن تعيش أيها الزوج السكن النفسي الذي فيه من الطمأنينة، وفيه من الراحة، وفيه من قضاء الشهوة بما أحل الله سبحانه وتعالى. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾. فسماه سكنًا، والمراد بالسكن هاهنا السكن النفسي. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. فالمراد باللباس هنا اللباس المعنوي، أن تسترك هذه المرأة فلا تقع فيما حرم الله سبحانه وتعالى. وهكذا يا عباد الله، من مقاصد ومنافع الزواج: إحصان الشباب، إحصان الشباب وغض أبصارهم، والقضاء على الرذيلة، وعلى مظاهر الفساد في المجتمعات. فإن في الزواج يا عباد الله إحصانًا للشباب، ونحن في هذا الزمن الذي كثرت فيه الفتن، كثرت فيه الصور، كثرت فيه الجوالات وما فيها من الأفلام الهابطة، ومن الصور الماجنة وغير ذلك، فما أحوجنا يا عباد الله أن نحصن شبابنا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود: قال عليه الصلاة والسلام: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ». وروى البيهقي كذلك، ويحسّنه العلامة الألباني عليه رحمة الله، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ». وهكذا يا عباد الله، أخيرًا، من منافع ومقاصد النكاح: طلب الأجر من الله سبحانه وتعالى، مع أن قضاء الوطر من الشهوة، إلا أن في ذلك أجرًا وفضلًا: أجرًا لك ألا تقع في الحرام، وأجرًا لهذه المرأة ألا تقع في الحرام. ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، نبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «فِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له بذلك أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَلَيْسَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ فَإِنَّ لَهُ أَجْرًا». أسأل الله أن يسر أمرنا وأمركم. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. ولما سمعتم يا عباد الله من المقاصد والمنافع، ومن غيرها كثير وكثير، فإن الشرع قد حثنا يا عباد الله على تيسيره وعلى تسهيله. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وجاء أيضًا في مسند الإمام أحمد، وفي غيره من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا، وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا». والمراد بيسر خطبتها: أن تخطب من غير كلفة، ومن غير كذلك مشقة، وإنما مجرد أن يتقدم إليها الزوج أو الخطيب وهو من أهل الدين والخلق، فسرعان ما تقبل دون قيود، ودون عقبات، ودون شروط، وإنما تكون خطبتها سهلة ميسرة. وهكذا المراد بيسر الصداق: هو المهر، ألا يكون مهرها لا يستطيعه الشاب، ويكون عليه فيه مشقة. وأما رحمها فالمراد بها: الولادة أن تكون من غير تعسر. فكل هذه الصفات من يمن المرأة، أي من بركتها على زوجها. وعمر بن الخطاب، كما روى ذلك الترمذي وغيره، خطب الناس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «لَا تُغَالُوا فِي صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ». وأن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد، أن امرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس له فيها حاجة، فقال رجل: يا رسول الله، زوجنيها. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ؟» قال: يا رسول الله، ما معي شيء. قال له: «اذْهَبْ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ» - ليس خاتم من فضة، ولا خاتم من ذهب، ولو خاتمًا من حديد. انظروا إلى هذا التيسير. فذهب هذا الرجل فلم يجد، فأراد أن يعطيها نصف إزاره، ولم يكن معه رداء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِذَا لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ مِنْهُ شَيْءٌ». ثم انتظر النبي صلى الله عليه وسلم طويلًا، ثم قال له: «هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ؟» قال: معي سورة كذا، ومعى سورة كذا، وسورة كذا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ». ما أيسر أمورهم، ما أيسر أمورهم، وما أسهل زواجاتهم. فيا ليت أهل هذا الزمان يقتدون بأولئك القوم. فإن الزواج هي تلك المقاصد والمنافع، ليس كثرة الأموال، ولا كذلك الحسب والنسب، ولا شيئًا من ذلك. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». وجاء أيضًا عند الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ». إن هذه الفتنة هي عزوف الشاب والشابة عن الزواج، ثم ماذا يكون بعد ذلك من الفساد، ومن طلب الشاب والشابة ما يقضي به شهوته، وما جعله الله عز وجل فيه من طبيعة وخلقه؟ فاتقوا الله عز وجل، ويسروا أمر هذه الشعيرة العظيمة. إن الزواج اليوم يا عباد الله صار مشكلة المشكلات عند كثير من الشباب، لما فيها من العقبات، ولما فيها من الأمور التي لا يطيقها كثير من الشباب، سواء كان في المهور، أو في تجهيز الولائم، أو في تجهيز غرف النوم، أو في تجهيز غرفة البيت، أو نحو ذلك. أمور صعبة في ظل هذه الأوضاع العصيبة من الغلاء، ومن كذلك قلة الأعمال ونحو ذلك. نضع هذه العقبات ونضع العراقيل، فلذلك عزف كثير من شبابنا عن الزواج. وإذا سألته فقال: أين لي أن آتي بعشرة ملايين، أو بخمسة عشر مليونًا، أو بأقل من ذلك، أو بأكثر من ذلك؟ فأنصح إخواني المسلمين، خصوصًا الآباء، أن يقللوا من أمر تكاليف الزواج، سواء كان ولي امرأة أو ولي رجل. بل يبغي للأب أن يعين ابنه على الزواج إن استطاع، ولو من ماله. وهكذا ننصح، ألا ننصح كذلك المجتمع بألا يضعوا تلك العراقيل وتلك التكاليف. ولتكن حياتنا سهلة، حياتنا ميسرة، يقطع ذلك إذا رزقنا القناعة، وإذا رزقنا الرضا بما قسم الله عز وجل لنا. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. فالغنى يا عباد الله إنما هو غنى النفس. أهم شيء أن تكون ابنتك في عصمة شاب يكرمها إذا أحبها، ولا يبغضها، ولا يهينها إذا أبغضها. هذا هو الغرض يا عباد الله من تكوين الأسر، ومن تربية الأبناء. ألا تحب أن يكون لك ولد صالح؟ فاحرص على أن يكون زوجك رجلًا صالحًا حتى يربي هذا الولد على الصلاح. وكذلك أنت أيها الشاب، احرص أن تكون زوجتك زوجة صالحة، ذات دين، حتى تربي أولادك على الصلاح. هذا الذي دعا إليه إسلامنا، وهذا الذي رغب فيه ديننا. فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يزوج شباب المسلمين، وأن يسر لهم أمر الزواج. اللهم زوج كل من كان عزبًا، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.