الدرس في التعليق على العقيدة الطحاوية 57، ألقاها
يتناول الإيمان بالكتب السماوية وطرق نزول الوحي، موضحًا أن الكتب نزلت بوحي من الله بثلاث طرق. الله كتب بعض الكتب بيده مثل التوراة.
يناقش تعريف أهل القبلة وتسميتهم مسلمين مؤمنين استنادًا إلى النصوص النبوية، ويُفصّل أهمية استقبال القبلة في تمييز أهل الإسلام.
يشرح معنى أهل القبلة ويبين أنهم يشملون طائفتين: الملتزمين بالإسلام ومن يخاصم في دين الله. المصطلح يشمل مختلف الفرق داخل الإسلام.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. وما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين. وذكرنا الكتب أو بعض المسائل في الإيمان بالكتب. وأيضًا من هذه المسائل أن هذه الكتب وحيًا من عند الله جل وعلا، أوحاها الله عز وجل إلى الأنبياء، فهذا من الإيمان المجمل. وهذا الوحي جاء عبر من أرسله الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾. فربنا جل وعلا ذكر وحيه سبحانه وتعالى على هذه الثلاث الأصناف التي في الآية. ومنها أيضًا تنزيله الكتب، أيضًا يكون بهذه الثلاث الأشياء. ﴿ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا﴾، معنى يلهمه، هنا الوحي معنى الإلهام. ﴿أو من وراء الحجاب﴾، يكلمه من وراء الحجاب مثل ما كلم موسى، وكلم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكلم أيضًا غيره من أولياء وأنبياء. وأيضًا الدرجة الثالثة: ﴿أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء﴾، فهذه ثلاث المراتب للإرسال، وتدخل الكتب في هذا. إلا أن الله عز وجل ذكر سبحانه وتعالى في الأحاديث أنه كتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، كتب التوراة بيده. وذكر لما ذكر الألواح قال الله عز وجل: الألواح التي أعطاها موسى، وكتبنا له فيها من كل شيء، أيضًا كتب الله عز وجل الألواح. وكما ذكرنا أن العلماء منهم من قال: إن الألواح هي نفسها التوراة، ومنهم من قال: إن الألواح هي الصحف التي أنزلها الله عز وجل على موسى، فالصحف غير التوراة، وجعل الألواح التي كتبها الله عز وجل لموسى هي من الصحف، صحف إبراهيم وموسى. فإبراهيم لم يذكر عنه كتاب، وإنما معه صحف، وكذلك موسى. وهل هذه الصحف هي التوراة؟ فبعض العلماء كما قلنا قالوا: إنها التوراة، وبعضهم قال: لا، إنما الصحف هي الألواح التي أعطاها الله عز وجل لموسى وكتب فيها أشياء. قال رحمه الله تعالى: ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين، أن الحق مع الأنبياء هذا من الاعتقادات الواجب الذي لا يُعذر الإنسان إذا لم يؤمن بها. فمن جعل الحق مع غير الأنبياء من المخاصمين لهم، وهو ليس من مسلم، فالحق هو عند هؤلاء؛ لأن الله عز وجل أرسلهم به. قالوا: نسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم معترفين، وله بكل ما قاله وأخبر مصدقين. هذه الجملة قوله: نسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، هذه الجملة كما قلنا قولها «لأهل قبلتنا» أهل القبلة، لم يثبت في النصوص هذه التسمية، لم تثبت في النصوص هذه التسمية، لكن أخذت من بعض النصوص استنباطًا. على سبيل المثال مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما خرجه البخاري في حديث حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويستقبلوا قبلتنا، ويذبحوا ذبيحتنا». فهذا الحديث يدل على أن من لم يستقبل القبلة فليس بمسلم. وأيضًا كذلك هذه القبلة ميز الله بها أهل الإسلام، ميز الله عز وجل بها أهل الإسلام. ولهذا جاء في بعض النصوص عند أحمد وغيره أنه قال في قول الله جل وعلا: ﴿فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه﴾، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هداهم من القبلة، وهداهم إلى الجمعة. فلهذا ميز الله عز وجل هذه الأمة على غيرها من الأمم باستقبالهم الكعبة، ليس هناك أمة من الأمم يستقبلون الكعبة إلا هذه الأمة. وأما اليهود والنصارى هم يستقبلون المشرق، يستقبلون بيت المقدس. وأما هذه الأمة فميزها الله عز وجل بهذه القبلة. ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون﴾. فاليهود والنصارى يعلمون أن هذا حق، وهذا شرع الله أنزله على نبيه، وليس تصرفًا من عند نفسه. فلهذا صارت هذه الأمة يسمون «بأهل القبلة»، أهل القبلة معنى الكعبة. فلهذا قال: ونسمي أهل قبلتنا، وهي من يستقبل الكعبة، فيدخل في هذه الجملة طائفتين، يدخل في هذه الجملة طائفتين: الطائفة الأولى هم الذين التزموا بالإسلام وبتعاليم الشرع ويصلون إلى هذه القبلة. وقسم آخر يدخل أيضًا فيه من يخاصم في دين الله عز وجل ويجادل من أهل البدع والأهواء، وكذلك يدخل فيه بعض المنافقين، فهم يستقبلون القبلة، يصلون إلى القبلة، لكنهم عندهم أشياء تخالف هذا الدين مخالفة واضحة ومخاصمة. لكن قد تكون هذه المخاصمة تخرجهم عن دين الله، فهم أهل النفاق، وقد لا تخرجهم عن دين الله جل وعلا، فهم يكونون من أهل البدع والأهواء. وبعض أهل الأهواء أيضًا بدعهم تكون مكفرة تخرجهم عن دين الله جل وعلا، لكن قد يسمون أهل القبلة. ولهذا تجد هذه العبارة يستخدمها كثير ممن يتكلم في الفرق، كثير من العلماء ممن يتكلم في الفرق يستخدم هذه العبارة «أهل قبلتنا»، فيدخل فيه أكثر الأهواء التي انقسمت عن الإسلام أو خرجت عن الإسلام يدخلون في هذه الجملة. قال: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين، هذه العبارة قوله مسلمين مؤمنين، إن كان أراد أن أهل القبلة كلهم يدخلون في هذا الباب، يعني يسمى كل من استقبل قبلة مسلم مؤمن، فليس كذلك، فليس هذا صحيح. لكن أراد أنه على المجمل أو على الإجمال أنهم مؤمنين مسلمين، أي فيهم من هو مؤمن مسلم، وفيهم من هو مسلم فقط، فهذا ممكن، فهذا يكون عبارة صحيحة إن شاء الله. وفعلًا نذكر في درس لاحق بعض ما يؤخذ بهذه العبارة أو بعض المسائل التي قد تكون في هذه العبارة. ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين. فنكف بهذا، والله تعالى أعلم.