الخطبة بعنوان التبيين في تحريم أذية المسلمين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 21 صفر 1447هـ الموافق 15 أغسطس 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يؤكد النص على عظمة المسلم عند ربه وحرمة إيذائه، ويحذر من أذية المؤمنين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. يشير إلى أهمية كف الأذى عن المسلمين.
يؤكد النص على حرمة الدماء والأعراض والأموال في الإسلام، مستشهدا بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي توعد منتهكي هذه الحقوق بالعذاب. يشدد على ضرورة احترام هذه الحقوق.
يثني النص على من يسهم في رفع الأذى والمشقة عن المسلمين ويعد بالجزاء الجزيل لهم، ويشمل ذلك الدعاء لهداية من أراد الخير للمسلمين وردع من أراد بهم السوء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن من المعالم الواضحة والمواقف والثوابت الراسخة والتي دلت عليها الأدلة المتكاثرة ما فيه الإشارة والدلالة على مدى عظمة المسلم، فإن للمسلم عند ربه منزلة علية ورتبة جلية لم ينلها بأصله ولا فصله، ولا بحسبه ولا نسبه، ولا بذاته وشخصه، وإنما نالها بإسلامه وبإيمانه بربه. فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف حول الكعبة وهو يقول: ما أطيبك وأطيب ريحك، وما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم حرمة عند الله منك، لحرمة المؤمن أعظم حرمة عند الله منك». ومن تعظيم قدر المسلم أنه لا يتعرض له بالأذى، ولا يقوم له شخص بالإضرار عليه، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. قال الإمام الفضيل رحمه الله: «لا يحل لك أن تؤذي حيوانا، فكيف بمن هو أكرم مخلوق، ويعني بذلك المسلم». وقد قال عليه الصلاة والسلام: «والله يكره أذى المؤمن، والله يكره أذى المؤمن»، فأذى المؤمن مرفوض بأي وجه من الوجوه، وهو من كبائر الذنوب. وقال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، لا تؤذوا المسلمين»، فمن حق المسلم على إخوانه المسلمين أن لا يؤذونه، لا بالقول ولا باللسان، ولا بالأقوال ولا بالأفعال، ولا بأي نوع من أنواع الأذى والإضرار. وعلينا أن نعلم عباد الله أن من أعظم جوانب كف الأذى عن أهل الإسلام ما يكون في هذه المراتب الثلاث: كف الأذى عن الدماء والأموال والأعراض. قال عليه الصلاة والسلام: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». وقال عليه الصلاة والسلام: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمتي يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا». فهذه الحقوق الثلاث لا ينبغي أن يصل لها الأذى في أي حال من الأحوال. الدماء فدماء المسلمين مصانة معظمة مبجلة مهابة. قال عليه الصلاة والسلام: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم». ومن أقدم على قتل مسلم لإزهاق روحه بإسفاك دمه فليعلم أنه أوبق دينه ودنياه وأولاه وأخراه. قال جل في علاه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. وإن حرمة دماء المسلمين باقية مهما كان حجبها ومهما كانت غزارتها ولو قلت. قال عليه الصلاة والسلام: «من استطاع أن لا يحول بينه وبين الجنة بمنع من دم، فليفعل». أما الأعراض فلا تقبل المساس بأي حال من الأحوال، فليكن التطاول عليها بغيبة ونميمة وازدراء أو بطعن أو قدح أو غمز أو سخرية واستهزاء أو ما يكون من تشهير وتشويش وتشويه بلا امتراء. ولعظيم أعراض المسلمين فإن الله قد توعد منتهكيها بالعذاب الأليم. قال عليه الصلاة والسلام: «من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال، وهي عصارة أهل النار». ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم وهم يخدشون أنفسهم ويأكلون من لحومهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم». ويا للأسف كم نجد من استخفاف في الخوض في الأعراض في الصباح والمساء وعلى الدوام من غير تورع ولا بينة ولا برهان، وإنما مستندهم على التخرصات وعلى القيل والقال، والله المستعان. أما الأموال فهي كذلك جسيمة على هذا المنوال من ضرورة الاحترام وعدم التعرض لها بالمساس، فلا يعتدى على المسلم في ماله، ولا الإضرار عليه في ممتلكاته، ولا التضييق عليه في معايشه، أو الأخذ بشيء من حقوقه ولو قل. قال عليه الصلاة والسلام: «من ظلم قيد شبر من أرض طوقه الله من سبع أراضي». وقال عليه الصلاة والسلام: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه أوجب الله عليه النار وأدخل حرم الله عليه الجنة وأدخله النار». قال رجل: يا رسول الله، وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: «وإن كان عودا من أراك، وإن كان عودا من أراك». فما ظنك يا عبد الله بما أعظم من هذا المال ممن نهب الممتلكات وأخذ عن الناس المستحقات، فهو من باب أولى وأولى. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، عباد الله، علمنا أن الحفاظ على عظمة المسلم من خلال عدم أذيته في ماله وعرضه ودمه لهي من الأسس العظيمة التي جاءت بها الشريعة في كل زمان ومكان، وفي كل الأوقات والأحوال. فمن طالب بحقوقه فله ذلك، لكن شريطة أن لا يتعدى هذه المحارم الثلاث: الدماء والأموال والأعراض. حين أن قسم نبينا صلى الله عليه وسلم الغنائم على الناس فأعطى المؤلفة قلوبهم الأموال الكثيرة، في حين أنه لم يعط الأنصار شيئا، فوجدوا في نفوسهم وأنفسهم أنهم ما نالهم شيء من حقوقهم. إلا أنهم رفعوا أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أبان لهم اللبس وأوضح لهم العذر وأعطاهم أعظم مما يتخيلوا. فهؤلاء طالبوا بحقوقهم من غير تكسير ولا تخريب ولا تحريق ولا تدمير، ومن غير اعتداء على الأموال ولا تطاول على الدماء والأعراض. وهكذا مولاة الأمور إذا أرادوا أن تستتب لهم الأوضاع والأمور وألزموا الرعية بأداء الحقوق، فعليهم كذلك أن لا يتعدوا هذه المحارم الثلاث. هذا نبينا صلى الله عليه وسلم والذي بيده حكم الرعية، عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يقول: «اللهم من سببته أو لعنته فاجعلها كفارة له يوم القيامة». يستسمح من رعيته في الخوض في أعراضهم. وقال أيضا: «إني لأرجو أن ألقى الله ولا أحد منكم يطالبني بمظلمة من دم أو مال». هي الخصال الثلاث: الدماء والأموال والأعراض، ينبغي أن يتحاشاها الجميع، كل المسلمين على حد سواء: الراعي كان أو رعية، ذكرا كان أو أنثى، عظيما أو حقيرا، غنيا أو فقيرا. عباد الله، في حين أن الشريعة قد شددت على تحريم أذية المسلمين وأوعدت كما مر معنا فيما سبق، إلا أنها بالمقابل قد أثنت ومدحت وزكت وأطنبت بل ووعدت بالجزاء الجزيل والأجر الكثير والثواب الوفير لكل من أسهم في رفع الأذى والمشقة والتعسير وجلب اليسر والتيسير على مجتمعات المسلمين. فقال عليه الصلاة والسلام: «ومن رفق بأمتي فارفق به، ومن أعان مسلما أعانه الله، ومن يسر على معسر يسر الله عليه، ومن نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه». ومن هنا فشكرنا بعد شكر الله لكل من كان سببا في إصلاح الأوضاع واستقرار الأحوال، سواء كان من الراعي أو من الرعية أو كان من أي جهة من الجهات، كل باسمه ووصفه، فلا يشكر الله من لا يشكر الناس. ونسأل الله جل وعلا أن يديم على بلادنا بالأمن والأمان وبالخير والبركة والازدهار وباستقرار الأحوال والأوضاع، وأن يولي علينا خيارنا، وأن يصرف عنا كيد الفجار والأشرار. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم ادفع عن بلادنا اليمن الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم من أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء فاشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرا عليه، رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.