الدرس في التعليق على نظم الورقات 25، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ الدرس بتعريف النهي وبيان فرقه عن الأمر، مع مناقشة آراء العلماء حول دخول المكروه في النهي. يشمل النهي الحرام والمكروه مع التركيز على أهمية اللفظ والمعنى.
يناقش الدرس مسألة أصولية حول ما إذا كان الأمر بشيء يعتبر نهيًا عن ضده، مع استعراض آراء العلماء في هذه المسألة وتوضيح أن هذه القاعدة ليست دائمًا صحيحة.
يتناول الدرس شرح معاني صيغة الأمر في اللغة العربية ودلالتها في القرآن الكريم، حيث ترد لمعان متعددة مثل الإباحة والتسوية والتهديد والتكوين، وليس فقط للوجوب.
يُقدم الكتاب كجمع لقواعد أصول أهل السنة والجماعة، مستندًا إلى كلام ابن تيمية وابن القيم، ويهدف إلى توضيح هذه القواعد والأوامر.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب النهي. قال: تعريفه استدعاء ترك قد وجب القول ممن كان دون من طلب. طيب هذا التعريف للنهي، والنهي ضد الأمر وعكس الأمر، وغالبًا ما يقال في الأمر يقال كذلك في النهي، لكن ذاك بصيغة الفعل، وهذا بصيغة الترك، فهناك صيغة الأمر: تفعل، وصيغة الترك: لا تفعل، أو صيغة النهي: لا تفعل. وهناك صيغ أيضًا أخرى كما سيأتي، لكن كما قلنا: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده، سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على هذه القاعدة. فقال في تعريفه: أنه تعريفه استدعاء ترك قد وجب بالقول ممن كان دون من طلب. هنا قوله: استدعاء، لا داعي لهذه الكلمة، وإنما هو طلب ترك ما قد وجب، أو يقال: طلب الكف عن الفعل ممن هو دون الطالب، ممن هو دون الطالب. وبعضهم يقول: على وجه الاستعلاء، وبعض العلماء يقول: لا داعي لهذه الكلمة على وجه الاستعلاء. وقلنا: إنهم اختلفوا هل هذا الطلب يكون على وجه العلو أو الاستعلاء، ومنهم من يقول: على كليهما، والظاهر على وجه العلو. وبالبعض العلماء كما قلنا يقول: لا داعي لهذا، فالأمر يعرف بالأعلى إلى الأدنى، من الأعلى إلى الأدنى يعرف الأمر، قلناه كذلك، لكن بصيغته. وهنا المؤلف لم يدخل المكروه في تعريفه، وإنما أدخل الحرام؛ لأنه قال: استدعاء ترك قد وجب، أن هذا الترك واجب، وهذا في التحريم، فلهذا لم يدخل المكروه. وإنما لم يدخل المكروه المؤلف؛ لأنه على قول من يقول: أن المكروه ليس منهيًا عنه، مثلًا أيضًا هناك من يقول: أن الاستحباب ليس مأمورًا به، الاستحباب ليس مأمورًا به. والصحيح الذي قرره كثير من المحققين كشيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما: أن المستحب مأمور به، لكن ليس على وجه الإلزام، المستحب مأمور به لكن ليس على وجه الإلزام. وكذلك أيضًا المكروه منهي عنه، لكن ليس على وجه الإلزام، منهي عنه لكن ليس على وجه الإلزام، مثل ما قالت المعطية: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا»، نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا، فدل على أن النهي هنا نهي لكنه ليس نهيًا ملزمًا. وهذا من ما يؤيد أن المكروه يدخل في النهي، أن المكروه يدخل في النهي، أي: منهي عنه لكن ليس فيه لزوم، ليس فيه لزوم أو وجوب. فهذا يحتاج إلى قوله: قد وجب، هذه ليست صحيحة، بل هذه استدعاء استدعاء ترك قد وجب، الاستدعاء هنا السين والتاء للطلب، أنا طلب الترك بالقول ممن كان دون من طلب. وهنا المؤلف دائمًا يقول: بالقول، أنا باللفظ فقط. وظاهر أن هذا فيه شيء؛ لأن كما تقدم معنا أن الكلام عند أهل السنة لا بد أن يكون لفظًا ومعنى، ليس معنى فقط، ولا لفظًا فقط، بل لا بد أن يكون لفظًا ومعنى. فالقول: فاللفظ وحده ليس كلام، وكذلك المعنى ليس كلام، وإنما لا بد أن يكون لفظًا ومعنى. فلهذا يدخل فيه الكلام والإشارة، أو القول: اللفظ والإشارة والكتابة، كما قد ذكرنا. ثم قال النظم: أنا الآن الصواب في هذا أن تعريف النهي قال: طلب الكف عن الفعل ممن هو دون الطالب، معنى يدخل فيه الحرام والمكروه. وكذلك أيضًا نقول: أن المستحب مأمور به مثل الواجب، والمكروه منهي عنه مثل المحرم. قال: وأمرنا بشيء نهي مانع من ضده والعكس أيضًا واقع. أنا هؤلاء أراد أن يذكر القاعدة المعروفة عند الأصوليين: أن الأمر بشيء نهي عن ضده. وهذه المسألة قد تنازع فيها أهل الأصول، وهل هي صحيحة؟ هل الأمر بشيء نهي عن ضده؟ أو أن هناك لابد أن يدخل فيه بعض الأشياء؟ فبعض العلماء يقول: أن إطلاق هذه القاعدة فيه نظر، فيه خطأ، أن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ لأن المأمور به ليس نهيًا عن ضده، إذا أمر بشيء فهو ليس نهيًا عن ضده. مثلًا لو قيل: اذهب إلى بيتك، أنا مثلًا المدرس قال لتلميذ: اذهب إلى بيتك، فهل الآن هذا الأمر نهي عن ضده؟ معناه: أنه لا يذهب إلى مكان آخر، ما يلزم منه ذلك. هو يريده أن يخرج من المسجد ويذهب إلى بيته، ممكن أنه يذهب إلى بيته، ممكن يذهب إلى بيت عمه، يذهب إلى السوق يشتري له حاجات، فهذا ليس المراد أن كل أمر بالشيء يكون نهيًا عن ضده. وهذا تجده في أشياء كثيرة، أنا قد يؤمر بها وليس المراد النهي عن الضد؛ لأن أحيانًا الأمر يكون أشياء كثيرة نهي عن ضده أو الأضداد كثيرة، ليس واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة. مثلًا تقول له: اجلس، اجلس، فهذا أمر بالجلوس، فهناك أشياء كثيرة تقابل الجلوس: القيام، الاتكاء، معنى الاتكاء، وغيرها من الجلسات، هناك جلسات كثيرة أو غير الجلوس. فهل معنى إذا قلت: اجلس، فهو نهي عن أضدادها كلها؟ فلهذا فلا يستقيم أن يقال: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده. ومعنى ذلك أن المأمور به مأمور به، ومنهي عن ضده، ومنهي عن ضده، وهذا لا يستقيم في جميع الأمور. ولهذا فإنه يقال: ليس على إطلاقها هذه القاعدة صحيحة، أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، إلا إذا فهم ذلك، إذا كان مفهومه من الأمر، إذا كان مفهومه من الأمر النهي عن ضده، فيقال ذلك، وإلا فليس كل أمر هو نهي عن ضده. وكذلك أيضًا النهي عن الشيء ليس على إطلاقه أمر بضده، ليس على إطلاقه أمر بضده، إنما إذا فهم ذلك. مثلًا لو قال: لا تفعل كذا، لا تخرج، أو يقول له مثلًا: لا ترمي بالحجارة، فهل هنا مأمور بشيء؟ لما قال له: لا ترمي بالحجارة، هل هو مأمور مثلًا بأن يأخذ الحجارة، أو مأمور مثلًا بأن يترك الحجارة، أو هل هو مأمور مثلًا بأن يجلس على الحجارة؟ فهذه كلها أشياء قد تكون ضد، لكنها ليست المقصودة في النهي، ليست المقصودة، أو المقصود هو نهيه هو أن لا يرميها، المقصودة أنه لا يرمي هذه الحجارة، فهذا فيه إشكال. لكن إذا فهم النهي أنه فيه نهي عن ضده أو أمر بضده، فيفهم من ذلك كذلك. حنا يقال مثلًا: لا تخرج من المسجد مثلًا لعجل الصلاة، فلا يخرج من المسجد لعجل أنه سيصلي، وكأنه يأمره بالصلاة، فإذا فهم من الخطاب بهذا ما في شيء، لكن على إطلاقها ليس صحيحًا. ثم قال: وصيغة الأمر التي مضت ترد والقصد منها أن يباح ما وجد. معنى صيغة الأمر التي ذكرت في الأمر وهو افعل ترد للإباحة، أنا قد ترد والقصد منها أن يباح ما وجد، أنا ترد للإباحة، وهذا قد ذكرناه قبل، مثل القول عز وجل: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. ثم قال: كما أتت والقصد منها التسوية كذا لتهديد وتكوين هي. أنا ترد صيغة الأمر للتسوية، فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم، فهنا الأمر للتسوية، معنى بين الصبر وعدمه، لكن هنا ممكن أن يكون للتهديد أو للتبكيد كما يقولون. ومثل بها العلماء على التسوية، وقوله: كذا لتهديد، يعني أنها ترد أيضًا للتهديد، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقال الله عز وجل: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، فهنا أمر للتهديد وليس هو للتخيير، وأن هذه الأشياء كلها ليست للتخيير، اعملوا ما شئتم، ليس المراد التخيير، وإنما المراد التهديد، فقد يأتي صيغة الأمر: اعملوا هذا، صيغة أمر، لكنها لم تأت للوجوب، وإنما جاءت للتهديد، وهو النهي، اعملوا ما شئتم، أي: من هذا الذي تعملونه من مخالفة الله عز وجل، فهو ليس كما قلنا أمر هنا، وإنما للتهديد. وأراد المؤلف هنا أن يبين أن الأمر يأتي بغير الوجوب أو لغير الوجوب. قال: وقوله هنا وتكوين هي، أيضًا صيغة افعل تكون للتكوين، تكون للتكوين، مثل مثل ما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، كن هنا صيغة افعل؛ لأنها صيغة الأمر. وقوله أيضًا: ﴿أَتَيْنَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فأراد يبين أن كل الأوامر القدرية الكونية فهي للتكوين. وهذا كله يدل عليه سياق الكلام، يدل عليه سياق الكلام وسباقه وإحاقه، وأيضًا ما يفهم من هذا الكلام، فلا شك أنه مثلًا يقال: ما يفهم مثلًا من قول عز وجل: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾، أنه إجازة أن الإنسان يعمل ما شاء، لا، فإنما جاءت للتهديد، إنما ما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت»، فهل معنى إذا كان الإنسان ما عنده حياء له أن يفعل ما يشاء، وواجب عليه أن يفعل ما يشاء؟ لا، المراد التهديد، فعنى إذا كنت لا تستحي افعل ما شئت، ثم انظر ماذا يأتيك جزاءك وعقابك. مثل ما يقول الإنسان: تلعب مثلًا لابنه: إن عدت إلى ما فعلت أو افعل ما قد فعلته وانظر إلى جزائك. أنا يقول له: افعل ما قد فعلته، أنا الذي معنى الذي أغضبه عليه، والذي قد حذره منه. مثلًا قال له: لا تماش فلان، فرآه ثم حذره وقال له: امشي معه، يقول له: امشي معه وسترى، الآن هذا تهديد، ليس أمر، امشي معه ليس أنه أراد منه أن يمشي معه، وإنما أراد أن يهدده: أنك إذا مشيت معه انظر ماذا يحصل لك بعد ذلك من العقاب وغيره. فالآن مسائل الأمر والنهي كثيرة، لكن المؤلف هنا بسبب الاختصار، اختصار الورقات، ذكر بعض هذه المسائل. وإن شاء الله تعالى لو ذكرت أذكر لكم بعض القواعد التي في الأمر والنهي، أنا مما قد ذكرناها وما لم نذكرها؛ لأجل أن تعرف هذه القواعد ويمشي الإنسان عليها في الأوامر والنواهي. وهناك كتاب عظيم أو كتاب طيب يجمع هذه القواعد، سماه صاحبه: التوضيح في قواعد الوصول عند أهل السنة والجماعة. فالتزم بأن يذكر بعض الأوامر التي أو أقصد القواعد التي في الأصول معنا، سواء كان في الأمر في النهي في كذا. وأكثرها يأخذها من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، ابن القيم.