الدرس في كتاب الصلاة 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
صلاة الجماعة من آكد السنن وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبها مستدلين بأحاديث نبوية وأقوال الصحابة. استدلوا بأحاديث مثل هم النبي بحرق بيوت المتخلفين وأمر الأعمى بالإجابة للنداء.
يناقش آراء ابن حزم حول شرطية صلاة الجماعة في المسجد ويتناول شروط إمامة المصلين مثل الأفضلية في القراءة والحفظ والعلم. كما يتناول جواز إمامة المفضول للفاضل وإمامة الرجل للنساء.
يتناول أحكام متابعة الإمام وتقديم الأئمة في مختلف المواضع مثل تقديم السلطان وتسوية الصفوف وإمامة النساء. يشير إلى ضرورة متابعة الإمام وتخفيف الصلاة مراعاة للضعفاء والمرضى، ويتم ترتيب إكمال الصفوف ابتداءً من الصف الأول.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلى الله عليه وسلم. ما بعد، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب صلاة الجماعة، قال: وهي من آكد السنن، وتنعقد بثنين. صلاة الجماعة يقول: إنها من آكد السنن، وذهب أحمد رحمه الله والظاهرية إلى وجوب صلاة الجماعة، وهي رواية عن أبي حنيفة. المهم أن الوجوب قد جاء في أحاديث كثيرة، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: «لقد هممت أن آمر رجلا فليصل بالناس، ثم أذهب إلى الذين يتخلفون عن الصلاة، وأحرق عليهم بيوتهم». فهذا هم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحرق عليهم بيوتهم بسبب تركهم الجماعة، وهذا يدل على الوجوب. وأيضا ما جاء في صحيح مسلم أن أعمى قال للنبي عليه الصلاة والسلام: «إني ليس لي قائد يقودني»، قال: «أو صلي في بيتي»، قال: نعم، رخص له، ثم قال له عليه الصلاة والسلام: «أتسمع النداء؟» قال: «هل تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب». جاء في الرواية: «فأجب»، فدل على وجوب الجماعة، قال: «فأجب». لم يرخص للأعمى وهو أعمى، فلو كانت فيها رخصة لرخص النبي عليه الصلاة والسلام لذلك الأعمى. وأيضا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق»، وهذا يدل على أنها واجبة، وإلا كيف سيقول الصحابة: إنه منافق معلوم النفاق، وهي سنة مؤكدة؟ ولهذا فليس لهم دليل على أنها سنة، بل واجبة. وليس هناك ما يصرف هذه الأحاديث. أما حديث التفضيل، فليست فيها أدنى إشارة إلى صرف الوجوب. حديث التفضيل، مثلا حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن عمر: 27 درجة، وحديث أبي هريرة: 25 درجة، أنها تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بـ 25 درجة، وفي حديث عبد الله بن عمر بـ 27 درجة، وهذا لا يدل على التفضيل فقط، هذا لا يدل على أنها ليست بواجبة. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، فهل معنى هذا أنه من باب التفضيل؟ فليس كل تفضيل يدل على عدم الوجوب. فالأدلة صريحة بالوجوب، والتفضيل لا يدل على عدم الوجوب، وإنما يدل على أن هذا فيه أجر، وهذا لمن كان له عذر، مثلا صلى منفردا وترك الجماعة، فإنه لا يتحصل على هذا الأجر العظيم الذي رتبه الله عز وجل على صلاة الجماعة. فلهذا دلت النصوص على وجوبها. لكن هل هي شرط كما قال ابن حزم؟ لا، ابن حزم يقول: هي شرط في صحة الصلاة، معناه: من لم يصل جماعة عنده الصلاة باطلة، ومن لم يصل في المسجد عنده الصلاة باطلة. وهذا ليس بصحيح، بل النبي عليه الصلاة والسلام لم يبطل صلاة الرجلين الذين صليا في بيوتهما. قالوا: تنعقد بثنين، أي بكم تنعقد هذه الجماعة؟ قال: تنعقد بثنين، الإمام ومن خلفه. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على هذا، من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى معه ابن عباس، وصلى معه حذيفة، وصلى معه ابن مسعود، وصلى معه جابر، وغيرهم من هذه الأحاديث التي جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يصلي بثنين، فتنعقد الصلاة بثنين أو الجماعة بثنين. قالوا: إذا كثر الجمع كان الثواب أكثر، إذا كثر الجمع كان الثواب أكثر، لأنه قد جاء في السنن في حديث أبي بن كعب: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله». وهذا الحديث صحيح، قد خرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وغيرهم، وصححه الإمام أبو زرعة، وكذلك صححه الذهلي، وجماعة من العلماء. قالوا: تصح إمامة المفضول، النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، فتصح أن يصلي الفاضل خلف المفضول، ولو لم يكن الإمام من الخيار، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرأكم لكتاب الله، وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا في حديث مالك بن الحويرث: «وليؤمكم أكبركم». فكلما كانت القراءة أحسن، وحفظ وإتقان وعلم، فهو يتقدم، إذا تساوى في هذه الأمور، يتقدم الأحفظ، إذا تساوى في الحفظ، يتقدم الأعلم، إذا تساوى في العلم، يتقدم أكبرهم سنا أو أقدمهم هجرة. قال: ويؤم الرجل بالنساء، للعكس، يعني الرجل يؤم بالنساء كما كان نبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. أما النساء، هل يؤمن هل تؤم المرأة بالرجال؟ أما الفرض، فيكاد يتفق عليه أنها لا يجوز أن تؤم بالفرض المرأة، لكن اختلفوا في السنة، في الصلوات المستحبة، مثلا في صلاة الليل، هل يجوز المرأة أن تؤم الرجال؟ فجوز ذلك أحمد لحديث أم ورقة، أنها كانت تصلي بقومها أو بأهلها. قالوا: المفترض بالمتنفل والعكس، أن يجوز أن يؤم مفترض بمتنفل، الدليل على ذلك حديث معاذ، كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي بقومه. والعكس كذلك، إذا كان الإمام مفترضا، والذين معه متنفلون، أن يدخل الإنسان متنفلا يصلي مع إمام مفترض. قال: تجب المتابعة في غير مبطل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإنه يتابع الإمام في غير مبطل». يعني إذا كان مبطلا في الصلاة، لا يجد له أن يتابعه، لا يجد له أن يتابعه فيه، لأنه مبطل. وأما إذا كان شيء غير مبطل، أو من صلاة الإمام يراه الإمام مثلا، فالواجب هو متابعته. قال: ولا يؤم الرجل قوما هم له كارهون، إذا كانت هذه الكراهة كراهة شرعية، أما إذا كانت كراهة مثلا لأجل أنه مخالف للسنة، أو لأجل مثلا أنه يطول في الصلاة، ليس ذاك التطويل أنه يعمل بالسنة، فهذا ليس كراهة شرعية. قال: يصلي بهم صلاة خففهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واقتدوا بأضعفهم». والمراد: أن يجعل راعي أضعفهم في صلاته، راعي أضعفهم في صلاته. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن منكم منفرين، من صلى فإن من ورائه الضعيف والمرضى وذا الحاجة، فليخفف». من صلى فليخفف، فإن من ورائه الضعيف والمرضى وذا الحاجة. قالوا: يقدم السلطان، السلطان يقدم على غيره، بل على إمام المسجد، لأنه الولي، ولا يعمد الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه. قال: ولا يعمد الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على مكرمته إلا بإذنه، فدل على أنه إذا كان الرجل في سلطانه، فهو الذي أحق بالصلاة، فالإمام هو أحق بالصلاة، ورب المنزل أحق بالصلاة في المنزل، إلا أن يأذن لغيره. قال: موقفهم خلفه إلا الواحد فعن يمينه، وإذا كان مجموعة فخلفه، إذا كان واحد فعن يمينه، وإذا كان اثنين، فهل واحد عن يمينه وعن يساره؟ جاء ذلك عن عبد الله بن مسعود، وهو أمر جائز، لكن الأفضل أن يكون إذا كانوا اثنين يرجعان إلى الخلف، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع جابر. قال: إمامة النساء، هذا عن يمينه، واجب أن يصلي عن يمينه، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما جاء ابن عباس عن يساره، حوله عن يمينه. وكذلك فعل جابر، حوله عن يمينه. قاله: إمامة النساء وسط الصف، جاء ذلك عن مالك، أنها تقف وسط الصف، وإن تقدمت لا شيء فيه. قالوا: على الجماعة أن يسوي صفوفهم، والصحيح أنه تسوية الصفوف، واجبة، قال به الظاهرية والشوكاني: تسوية الصفوف واجبة، أن تسويتها أي في حد واحد، لا يكون هذا متقدما وهذا متأخرا. قالوا: أن يسد الخلل، قياسا على الصف الأول، ثم الذي يليه، ثم كذلك، أن أولا أتم الصف الأول بالأول، كما جاء في حديث: «أتموا الصف الأول، فالأول». فدل على أنه يقدم الصف الأول في الترتيب.