كتاب الطلاق 5

الدرس في كتاب الطلاق 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام عدة الوفاة ومقدماتها

يتناول هذا الفصل أحكام عدة الوفاة للمرأة، مبيناً الإحداد وعدة الأمة والحرة وما يحرم على المعتدة للوفاة استناداً إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

تفاصيل أحكام الإحداد وتطبيقاتها

يشرح هذا الفصل تفاصيل الإحداد على الزوج، حيث يشمل الامتناع عن الزينة والتزين لمدة أربعة أشهر وعشر ليال، ويستعرض آراء أهل العلم في هذا الحكم.

مكان اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها وآراء العلماء

يناقش هذا الفصل اختلاف العلماء حول مكان اعتداد المرأة المتوفى عنها زوجها، حيث يبين آراء الجمهور والحنفية وغيرهم في هذا الشأن.

تعقيب وتوضيح لنص الإحداد

يتم في هذا الفصل تعقيب على نص الإحداد وتوضيح معناه، مشيراً إلى ما تم ذكره في سياق الإحداد.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. وبعد، قال الإمام الشوكان رحمه الله تعالى: وعلى المعتدة الوفاة ترك التزين، والمكث في البيت الذي كانت فيه عند موت زوجها أو بلوغ خبره. طيب، هذا ما يسميه العلماء بالإحداد، إحداد المرأة المتوفى عنها زوجها. والأمة كالحرة. قال: والأمة كالحرة. معنا نسينا أيضا هذه المسألة، والأمة كالحرة. أنا في مسألة العدة، لكن الذي جاء عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم جعلوا الأمة على أنها تعتد حيضتين، بخلاف الحرة. وجاء كذلك حديث عن عائشة رضي الله عنها بالترمذي: أن طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان، لكنه لا يصح، فيه مضر ابن أسلم، وهو ضعيف جدا. وجاء أيضا الحديث: ابن عمر، طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان أيضا، لم يثبت، لم يثبت كذلك عن ابن عمر. لكن جاء موقوفا، جاء موقوفا عن عمر، رجح ذلك الإمام الدارقطني والبيهقي، والموقوف في الموطأ عن نافع عن ابن عمر: على أن طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان. ومشى على ذلك أكثر العلم، مشى على هذا القول أكثر العلم، بالبعض يعد إجماعا. وأما الشوكان هنا يرى أن الأمة مثل الحرة، أن عدتها ثلاث حيض، وهذا هو الأصل: أن الأمة مثل الحرة. لكن ما دام أنه ثبت عن الصحابة أنه جعلوا عدتها حيضتين، فهذا غالبا سيكون من النبي عليه الصلاة والسلام، لأن هذا لا مجال فيه للاجتهاد. فلهذا قال كثير من العلم، وهو قول جمهور العلم: على أن عدتها حيضتان. ثم ذكر بعد ذلك ما يحرم على المعتدة للوفاة. ما يحرم على المعتدة للوفاة إذا كانت هذه المعتدة مات زوجها، فأولا قال: أنها تترك التزين. قالوا: على المعتدة ترك التزين. وهذا قد جاء فيه أحاديث كثيرة تدل عليه، منها ما جاء في حديث أم سلمة، حديث زينب: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشر». وجاء كذلك عن أم حبيبة وزينب بنت جحش. وأيضا جاء في الصحيحين في حديث أم سلمة: أن امرأة توفي زوجها، فخشوا على عينها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي أنها أرادت أن تكتحل - فاستأذنوه في الكحل، فقال: «لا تكتحل». كانت «أحدنا تمكث في شر أحلاسها» - شر أحلاسها معنا أضيق مكان في البيت تجلس في شر أحلاسها أو شر بيتها - «فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة»، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشر. وهذا الحديث فيه: أن العدة أربعة أشهر وعشرة. وأما قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾، الآية الأولى، هذا معروف. ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، معنا أنها تجلس، متاعا إلى الحول غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليه فيما فعلن في أنفسهن من معروف. هذه الآية بعض العلم يقول: أنها منسوخة، بعض العلم وهم أكثر العلم يقولون: أن هذه الآية منسوخة، منسوخة بالأربعة أشهر. ومن أهل العلم من قال: أنها ليست منسوخة، وإنما فيها الوصية من الزوج للمرأة: أنها لا تخرج حولا كاملا، متاعا إلى الحول غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليه، لا يلزمهن أن يجلسن سنة، لكن إن جلسن سنة تكريما مثلا لزوجها لأنه أوصى بهذا، ما فيه شيء. لكن إن تزوجت بعد الأربعة أشهر وعشرة فلها ذلك بعد أن تنتهي. هكذا حمله بعضهم على أن المرأة لها أن تجلس في بيتها سنة، وصية ومتاعا غير إخراج، يعني يكون هذا تكريما لزوجها، أنها تجلس. والمهم أنه ليس واجبا، ليس واجبا عليها، وإنما هو من باب التكريم للزوج. هذا إذا قلنا أنها ليست منسوخة، وإلا كما قلنا أكثر العلم يقولون: أنها منسوخة. فذكر في حديث أم سلمة: أن المرأة في الجاهلية تجلس في شر أحلاسها - شر بيتها، أضيق مكان في البيت تجلس فيه - تجلس سنة كاملة، لا تغتسل ولا أيضا تمس طيبا، فلهذا يصير معنى أن رائحتها تجد رائحة خبيثة جدا، فيها معنى أنها مقدسة لسنة كاملة، لا شك أن ستظهر رائحة منها، حتى أن المرأة الكلب لما يمر فيموت هذا الكلب من كثرة الرائحة. فلهذا قال: «فمر كلب رمت ببعرة»، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشر، لابد أن تجلس أربعة أشهر وعشر، لا تكتحل ولا تتزين. ولهذا في حديث زينب بنت جحش، وحديث كذلك أم سلمة: أنهن استعملن الطيب في موتهن. معنى في ظاهر أم حبيبة استعملت الطيب لما مات أبوها أو أخوها، فقالت: وما بي حاجة للطيب على بعد ثلاث، إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج»، فتحد أربعة أشهر وعشر. فلهذا فالزوجة ممنوعة من التزين، سواء كان كحلا أو طيبا أو ثيابا مزينة أو كل ما كان فيه زينة، أن مثلا تمتشط شعرها للزينة، هذا ما يجوز. لكن لها تمشط شعرها لعلة مثلا: أنها لا يترك شعرها من دون مشط حتى لا يؤدي رأسها مثلا، فلها ذلك أيضا. لها أن تدهن بالدهن الذي ليس هو عطرا. وحتى أن بعض العلم يقول: أنها أيضا لا تستعمل الصابون التي فيها عطر. وبعض العلم يرخص فيها، يقول: لأنها لا تثبت، كالشعر معطر وغيره. يقولون: أنه يجوز أن تستعمل الصابون المعطرة التي لا تثبت، أنها لا تثبت رائحتها بسرعة تذهب، وهذا غالب الصابون. لكن الصابون التي تبقى الرائحة فيها أو الشامبو مثلا الذي يبقي رائحة، فهذا لا يجوز أن تستعمله. وقد جاء أيضا في حديث أم عطية في الصحيحين: أنها قالت: «كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشر، ولا نكتحل ولا نتطيب، ونلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب» - مصبوغا أي مزين - ومعنى أن المرأة تلبس ثيابها العادية التي تلبسها دائما، لا تلبسها بالزينة. وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت من حيضها في نبذة من كسرة الأظفار: أن المراد أنه رخص لهن أيضا إذا كن سيتطهرن بشيء من المسك حتى تذهب رائحة الحيض، وهذا رخص لهن النبي عليه الصلاة والسلام فيه. وأما ما جاء في حديث علي أو حديث أسماء بنت عميس: أنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: «لا تحدي بعد يومك هذا». فهذا الحديث الصحيح فيه: أن مرسل، ضعيف. وصحيح أنه دخل عليها كما جاء في البخاري، وقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم»، لا تبكوا على أخي بعد اليوم، هذا الصحيح. وأما قوله: «لا تحد»، هذا ليس صحيحا. فخلاصة هذا: أن أهل العلم اتفقوا على إحداد المرأة، وأنها تمتنع عن الزينة، وكل ما كان يدل على الزينة فهي ممنوعة منه. وكذلك أيضا خروجها من البيت، فإنها تمكث في البيت الذي جاءت فيه. عن الأصل أنها تمكث في بيت زوجها. وجاء هناك حديث اختلف العلماء فيه، هو حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري. فريعة بنت مالك جاء أنها قالت: خرج زوجي في طلب رقيق - في رواية: أعبد - فأدركهم في الطريق فقتلوه، فأتى نعيه وأنا في دار جيران من دور أهلي، فأتيت النبي عليه الصلاة والسلام فذكرت ذلك له، فقلت له: إن نعي زوجي أتاني وأنا في دار جيران من دور أهلي - أنا دار واسع فيها ناس كثير - ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته، فلو تحولت إلى أهلي وإخوتي لكان أرفق بي في بعض شأني. قالت: تحولت. قالت: فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت، فقال: «امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله» - أي حتى تنتهي العدة - قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشرا. وهذا الحديث مختلف فيه بين العلماء، لأن في سنده زينب بنت كعب، زينب بنت كعب الراوية عن الفريعة بنت مالك، وهذه زينب بنت كعب مجهولة. وبعض العلم يقول: أن زينب بنت كعب صحابية، لكن لم يثبت هذا، فلهذا فهي مجهولة. فمن قال بصحة هذا الحديث، وهم جمهور العلم، قالوا: أنها تعتد في البيت الذي جاءها نعي زوجها. قالوا: لها أن زوجك قد مات، فتعتد في المكان الذي هي فيه مع زوجها، أنا في بيت زوجها، ولا تتحول إلى دار أهلها إلا بعد العدة. وقال كثير من العلم، وهو أيضا قول الحنفية، رواية عن أحمد وغيرهم: أنهم يقولون: يجوز للمرأة أن تعتد في أي مكان تشاء، بحسب مصلحتها، بحسب ما يوافق لها. إذا كانت ما تستطيع أو أنها تجد مضايقة إذا اعتدت في بيت زوجها للاختلاط أو لأنها ليس معها أحد عندها مثلا أولاد صغار ما سيقومون بشأنها، ولا أحد سيقوم بشأنها. فإذا كانت هناك عذر لأجل أن تخرج تخرج، لا بأس أنها تخرج إلى بيت أهلها. لكن إذا لم يكن هناك عذرا لها، فالأولى أن تمكث في بيت زوجها، أن تعتد في بيت زوجها. حتى إذا انتهت العدة فهي بالخيار، إن شاءت جلست إذا لم يخرجوها، وإن شاءت خرجت، فهي لها في البيت. لها في بيت زوجها إن كانت معها أولاد فلها البقاء، وإن كانت ليس معها أولاد فلها الرجوع. هذا إذا كان بيت زوجها. وإن كان بيت أهله فهي ليس لها شيء، أو ليس له شيء، وإنما هو بيت أبيه، فتخرج إلى أهلها. لكن بعض الناس الآن تجدهم مثلا ما يخرجون المرأة، وبعضهم يخرجوها. والمهم أن هذا الأفضل، أنها والأولى أنها تكون في بيت زوجها. وإن أرادت أن تخرج لها أن تخرج إلى بيت أهلها. لكن هل لها الخروج مثلا لحاجتها؟ هل لها أن تخرج لحاجتها مثلا اعتدت في بيت زوجها، لكن ليس هناك معها من يأتي لهم بحاجتهم؟ هل لها أن تخرج؟ نعم تخرج في الحاجات الضرورية، تخرج في الحاجات التي تضطر إلى خروجها. واختلف إذا كان مثلا حاجات ليست ضرورية، مثل مثلا هذا ما يحصل كثيرا: أمها مريضة، أبوها مريض، أن هل تخرج ترى أباها وترجع؟ هل تخرج ترى أمها وترجع؟ فهذا يقدر بقدر الحاجة، إذا كانت حاجة ضرورية مثلا أمها تحتاجها، لا أحد يخدم أمها أو ليخدم أباها، وهنا لا شك أنها تخرج، تخرج لخدمتهم. وأما إن كان فقط زيارة عادية مثلا ترى أمها أو ترى أباها، فالأولى لا تخرج. فهذا معنا ما ذكره في الإحداد.