الدرس في شرح سلم الوصول إلى علم الأصول 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الشرك هو أعظم الذنوب وضد التوحيد، وينقسم إلى نوعين: أكبر وأصغر. الشرك الأكبر يحرم الجنة ويوجب النار.
الشرك لا يغفره الله أبدا، وقد قسم العلماء الشرك إلى شرك أكبر يخرج صاحبه من الإسلام، وشرك أصغر لا يخرج صاحبه من الإسلام. يُعرّف الشرك بأنّه اتخاذ غير الله ندا مساويا له.
اعتقاد أن أحدا يعلم الغيب أو ما في القلوب سوى الله تعالى يعتبر شركا بالله، وينسب صفة من صفات الله الخالصة إلى مخلوق.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ضد التوحيد، وهو الشرك، وأنه ينقسم لقسمين: أصغر وأكبر، وبيان كل منهما. قال رحمه الله: «والشرك نوعان، فشرك أكبر به خلود النار، إذ لا يغفر، وهو اتخاذ العبد غير الله ندا به مسويا مضاهيا يقصده عند نزول الضر لجلب خير أو لدفع الشر، أو عند أي غرض لا يقدر عليه إلا المالك المقتدر، مع جعله لذلك المدعو أو المعظم أو المرجو في الغيب سلطانا به يطلع على ضمير من إليه يفزع». الآن، الشرك هو اتخاذ غير الله عز وجل مع الله سبحانه وتعالى ندا لله سبحانه وتعالى، فيصرف له ما يكون وما يختص بالله سبحانه وتعالى. فالشرك هو ضد التوحيد، والشرك من أعظم ما عصي به الله عز وجل، أعظم ذنب عصي به الله سبحانه وتعالى. يقول ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، ويقول في الآية الأخرى: ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. وقال الله عز وجل أيضا: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وقال أيضا في الآية التي في سورة النساء: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وغيرها من الآيات العظيمة التي في التحذير من الشرك، وأنه إثم عظيم وذنب عظيم يرتكبه العبد؛ لأنه يصرف ما كان لله عز وجل فيصرفه لغيره. هذا عن عدم إعطاء الرب جل وعلا حقه. حق الله عز وجل أن يعبد ولا يشرك به شيئا. ولهذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يقول الله عز وجل للعبد يوم القيامة: قد أعطيتك مالا وقد أعطيتك كذا وتركتك ترأس وتفعل، فماذا فعلت من أجلي؟ أنا أعطيتك مالا وجعلتك ترأس الناس وتربع -معنى تكون مسؤولا في الربع أو كذا- معنى لك سلطة ولك جولة في هذه الحياة، إيش فعلت لأجلي؟ فيقول: قد فعلت كذا وكذا. فيقول الله عز وجل: كذبت، إنما أردت منك شيئا يسيرا أن لا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا شركا. أنا شيء يسير: أنه لا يشرك بالله». قال: «فأبيت إلا شرك». «افعل ما بدا لك، لكن لا تشرك بالله». وهذا من باب أن الشرك عظيم جدا، قد يفعل المرء أشياء، لكن لا يشرك بالله. لكن ليس معنى ذلك أنه جائز أن يفعل مثلا الكبائر وغيرها، لا. وإنما من باب أن الشرك لا يوازيه شيء، لا يوازيه شيء، مهما كبر الذنب، مهما كبرت المعصية. ولهذا الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب درس كتاب التوحيد مرة لبعض الطلبة، ثم قال لهم: هناك رجل جاء إلى قبر وقال له: أريد كذا وأريد كذا وأريد ولدا. فقال لهم: «ما باع لكم في هذا؟» قالوا: «هذا شرك». قال: «لو أخبرتم بأن رجلا جاء أمه ونكح أمه -زنى بأمه- فتعاظم الناس هذا الفعل، معنى قبل حتى أن يسألهم». قالوا: «هذا لا يجوز، هذا كذا». معنى تعاظموا هذا، مع أنه ذنب، لكن تعاظمهم كان أكثر. وأما لما أخبرهم بالشرك، ما تعاظموا أن يجعلوه هيِّنًا. فقال: «أنتم تحتاجون إلى دراسة كتاب التوحيد مرة أخرى؛ لأنكم ما عرفتم عظم الشرك». فلما جاء لهم بمثال فيه شرك لم يتفاعلوا، معنى جعلوه هيِّنًا. فلهذا الله عز وجل يقول لذلك العبد: «قد طلبت منك ما هو أهون من هذا الذي تريد أن تقوله، ألا تشرك بي شيئا، فأبيت إلا شركا». وفي حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: «أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك». وفي قول الله جل وعلا أيضا في حديث عبد الله بن مسعود: عندما نزل قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾، قال أبو بكر صديق وغيره: «يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟» قال: «لم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». فالظلم هنا شرك، ظلم عظيم، يظلم العبد نفسه أنه يشرك بالله عز وجل؛ لأنه يتنقص الله عز وجل بهذا، ويعطي حقه لغيره، ويعطي ما كان لله يعطيه لغيره. فلهذا كان الشرك من أسوأ الذنوب وأعظمها وأكبرها. ولهذا الله عز وجل لا يغفره أبدا. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. قال: «والشرك نوعان، فشرك أكبر، وهو...». شرك أكبر وشرك أصغر. والفرق بينهما من ناحية الحكم: أن الشرك الأكبر يخرج صاحبه من النار، وأن الشرك الأصغر لا يزال في الإسلام، وقد لا يخلد في النار. وأيضا اختلف العلماء في مسألة المغفرة: هل يغفر الله عز وجل لمن أشرك شركا أصغر أو لا يغفر؟ لأن الآية جاءت منكرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، منكرة على كل شرك. ولهذا اختار أكثر العلماء أن الشرك داخل فيه الأكبر والأصغر أن الله لا يغفر. وبعضهم اختار -كرواية عن شيخ الإسلام- لأن شيخ الإسلام مرة قال: لا يغفر. ومرة قال: أنه يغفر، على أنه داخل في المغفرة؛ لأن صاحبه مسلم، لا يزال ليس مشركا. وحملوا هذه الآيات على الشرك الأكبر. قال: «فشرك أكبر به خلود النار، إذ لا يغفر». وهذا أيضا يبين أن الشيخ يريد أن الشرك الأصغر يغفر، أو أنه أراد التنديد به، وأيضا بيان عظمة الحكم في هذا الشرك. قال: «وهو اتخاذ العبد غير الله ندا به مسويا مضاهيا». ندا: معنى نظيرا أو مثيلا أو مشابها. والمضاهية: هذا يريد تعريف هذا الشرك. هو اتخاذ العبد غير الله ندا به مسويا مضاهيا، ومضاهية. والمراد أنه يصرف لغير الله ما لا يستحقه إلا الله. يصرف لغير الله ما لا يستحقه إلا الله. فمن جعل عبادات لغير الله، أو اعتقد في غير الله عز وجل ما يختص به الله سبحانه وتعالى، فهو قد أشرك بالله شركا أكبر. مثل: من اعتقد التأثير في بعض الأشياء بنفسها، سواء كان تأثير النجوم، تأثير السحرة، تأثير الحروز، وغيرها من هذه الأمور، إذا اعتقد تأثيرها بنفسها، فهو مشرك بالله؛ لأن التأثير لا يكون إلا لله عز وجل. ومن يدبر الأمر؟ سيقولون: الله. فتدبير الأمر وتصرف لا يكون إلا لله عز وجل. فمن اعتقد أن أحدا يتصرف في الكون أو يؤثر بذاته في الكون، فإنه مشرك. قال: «يقصده عند نزول الضر». هذا الاستغاثة. ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، إله مع الله؟ فالذي يقصد غير الله في نزول الضر، فهو يجعله مثل الله عز وجل. أي: لا أحد مع الله أن يفعل هذه الأمور. لا أحد يفعل إلا الله عز وجل. قال: «لجلب خير أو لدفع الشر». فمن استغاث بغير الله واستعان بغير الله في مثل هذه الأمور التي لا يملكها إلا الله، فهو مشرك. قال: «أو عند أي غرض لا يقدر عليه إلا المالك المقتدر». عند أي غرض: معنى وحاجة واضطرار، فيسأل غير الله عز وجل، وهو مما لا يسأل إلا الله عز وجل به. مثلا غرض: مثلا يريد الولد، مثلا امرأة تريد الولد، فتسأل غير الله، تذهب إلى القبر الفلاني وتسأله أنه يعطيها ولدا. كل هذا الطلب يكون من غير الله عز وجل، يكون شركا؛ لأن هذه الأمور لا يملكها إلا الله. قال: «مع جعله لذلك المدعو أو المعظم أو المرجو في الغيب سلطانا به يطلع على ضمير من إليه يفزع». أيضا هذا الذي يعتقد أن هناك من يعلم الغيب أو يعلم ما في القلوب وما أخفته الصدور، فهو معنى اعتقد ما يملكه الله عز وجل اعتقده في مخلوق. هذا أيضا شرك. والله تعالى أعلم.