كتاب الطهارة 20

كتاب الطهارة 20

الدرس في كتاب الطهارة 20، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في النجاسة وأحكامها

يبدأ الدرس بتعريف النجاسة وأحكام إزالتها، مشيراً إلى أهمية ذلك لصحة الصلاة ومناقشاً آراء العلماء حولها.

حكم تخليل الخمر واستعمال الخل

يناقش الدرس آراء العلماء المختلفة حول تخليل الخمر واستعمال الخل الناتج، مع ترجيح المؤلف لجواز استعماله.

تطهير النجاسات واستحالتها

يتناول الدرس مسائل شرعية متعلقة بتخليل العصير وتطهير النجاسات، مع مناقشة آراء العلماء حول استحالة النجاسة وتطهيرها بغير الماء.

أحكام الطهارة في الثياب

يشرح الدرس أحكام الطهارة المتعلقة بالثياب النجسة، مبيناً كيفية تطهيرها بطرق مختلفة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب إزالة النجاسة وبيانها. هذا الباب دعاه المؤلف رحمه الله تعالى تابعا لباب الطهارة في إزالة النجاسة وبيان ما هي النجاسة، فذكر فيها عدة تحديث، ولزال مراد بها التنحية. أزال الشيء أي نحاه. وأما النجاسة، النجاسة يقال هو المستقذر المستخبث، والنجاسة تشمل النجاسة الحقيقية والحكمية. وتقدم معنا أن الطهارة طهارة حسية وطهارة معنوية، وهناك النجاسة أيضا كذلك حسية ومعنوية، والحسية حقيقية وحكمية. حقيقية معنى أنها جاء الشرع بأنها نجاسة نفسها، والحكمية التي تطرى عليها النجاسة التي تأتي، مثلا مثل ما وقعت في نجاسة فصار متنجسا، هذا نجاسة حكمية. لكن هنا يريد معنى الأمرين معا، النجاسة الحقيقية والنجاسة الحكمية معنى، كيف إزالتها؟ وأما النجاسة شرعا، فبعضها العلم يقول هي المستقذر والمستخبث الذي جاء الشرع بغسل الثياب منه، بغسل الثياب منه أو بغسل ما وقع منه حتى يميز النجاسة القدر من النجاسة، لأن النجاسة قدر، وهناك بعض الأقدار والمستخبثات ليست نجسة. أنا استخبثها الطبع، طبع الإنسان، لكنه ليست نجسة، مثل المخاط القيء، وكذا هذه الأشياء استخبثها الإنسان، لكن ليست نجسة. فلهذا زاد بعضهم أن الشرع أمر بغسل موضعها. وبعضهم يقول أن النجاسة قدر مخصوص مستخبث كالبول، يمنع جنسه الصلاة، يمنع جنسه الصلاة ونحوها. والمهم أن هذا الباب أراد المؤلف رحمه الله أن يذكر أحكام النجاسة وكيفية إزالتها وتطهيرها أو تطهير محلها، ويذكر أيضا فقهاء ما يعفى عنه منها وما يتعلق بذلك. وقد اتفق العلماء على وجوب إزالة النجاسة، وأنه شرط، معنى الجمهور على أنه شرط لصحة الصلاة إذا وقعت في الثياب أو في المكان أو في البدن، لابد من إزالتها. وسيأتي إن شاء الله مسائل الباب. قال عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الخمر تتخذ خلا، قال: «لا». أخرجه مسلم والترمذي، وقال: حسن صحيح. على هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم رحمه الله، قال شارح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر، أي بعد تحريمه تتخذ خلا، قال: «لا». أخرجه مسلم، الترمذي، وقال: حسن صحيح. فسر الاتقاد بالعلاج لها، قد صارت خمرة. ومثل حديث أبي طلحة، فإنها لما حرمت الخمر سأل أبو طلحة النبي عليه الصلاة والسلام عن خمر عنده لأيتام، هل يخللها؟ فأمره بعراقتها. أخرجه أبو داود والترمذي. معنى قال له: عندي خمر لأيتام، قال: أرقها، قال: أخللها؟ قال: «لا». وهذا الحديث أولا فيه مسألة الخمر، هل هي نجسة أو لا؟ لأن العلماء يذكرون هنا تطهير الخمر باتخاذها خلا، فهل أو إذا صارت خلا فهل الخمر نجسة؟ فمذهب جمهور العلماء على أنها نجسة نجاسة عينية، واستدلوا مثل هذا الحديث، استدلوا أيضا بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾. أنا بكلمة رجس، رجس قالوا معنى نجس. وذهب جماعة من أهل العلم كربيعة والليل والمزني، وقول الظاهرية أيضا على أن الخمر ليست نجسة، أي ليست نجسة نجاسة عينية، وإنما نجاستها نجاسة معنوية، معنى لا يجوز الإنسان أن يأخذ الخمر أو يقتنيها أو غيره، كما جاء في الحديث «لعن رسول الله رسول الله في الخمر عشرة». وقول الله عز وجل: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي اجتنبوه شربه. فورجح جماعة من أهل العلم بالشيخ للباني والشيخ معتمين وغيره على ظهارة هذه الخبر، أقصد على أنها ليست نجسة نجاسة حسية. ومما استدلوا به ما جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا معه راوية خمر، ولم يعلم بالتحريم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم تعلم أن الخمر قد حرمت؟» فقال: لا. ثم قال له أو أمره بإراقتها، فأراقها في نفس المكان. وأيضا في حديث جابر، لما حرمت الخمر صب الناس الخمر في السكك والشوارع حتى امتلعت شوارع المدينة بالخمر، فلو كانت نجسة لما لنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن فعل هذا. طيب، قال المؤلف: والعمل بالحديث هو رأي الحنفية والشافعي، لدلالة الحديث على ذلك، فلو خللها لم تحل ولم تطهر. وظاهره بأي علاج كان، ولم بنقلها من الظل إلى الشمس أو عكسه. وقيل: تطهر وتحل. هذه المسألة اختلف فيها العلماء أن الخمر إذا خللت، لا شك أنه إذا خللت، إذا تخللت بنفسها تكون حلال، لكن إذا خللت بعلاج أو بتدخل إنسان، بتدخل إنسان واختلف العلماء في مسألة نقلها من ظل إلى شمس أو من شمس إلى ظل. فعند الحنابلة أنه يعتبر تدخل وعلاج واتخاذ اتخاذها خلا. وعند الشافعية أنه لا، لا يدخل في ذلك، قالوا هذا التحويل فقط من ظل إلى شمس أو من شمس إلى ظل، أو لا عدم فعل ذلك، ما دام أنها خمر، ما دام أنها خمر فإنه لا ينقلها ولا يفعل بها شيئا، فإن تخللت بنفسها صارت خلا. طيب، إذا خللت هذه الخمر، هل يجوز أن يستعمل هذا الخل؟ فعند الحنابلة أنه لا يجوز استعماله، وأستدل بحديث الذي ذكره المؤلف هنا، حديث أبي طلحة، أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن خمر عنده لأيتام، هل يخللها؟ أو قال أمره بإراقتها، فقال: «أرقها»، فهل أخللها؟ قال: «لا». معنى أنه لو أجاز تخليل الخمر لأجاز لأبي طلحة أن يخللها. طيب، هنا ذكر المؤلف هذه الأقوال، قال: وأعلم أن للعلماء في حل الخمر ثلاثة أقوال. الأول: أن إذا تخللت الخمر بغير قصد حل خلها، وإذا خللت من قصد حرم خلها، وهذا قول الحنفية، وكذلك أيضا عند الشافعية، ويدخل في ذلك تحويلها من الشمس إلى الظل. الثاني: يحرم كل خل تولد عن خمر مطلقا، وهذا هو قول الحنابلة. والثالثة: أن الخل حلال مع تولده من الخمر، سواء قصد أم لا، إلا أن فاعلها آثم إن تركها بعد أن صارت خمرا، عاصا لله مجروح العدالة لعدم إراقتها لها حال خمريتها، فإنه واجب كما دل له حديث أبي طلحة. لكن قال في الشرح: يحل الخل الكائن عن الخمر، فإنه خل لغة وشرع. قيل: وجعل التخلل أيضا من دون التخمر في صور. طيب، الآن كأن المؤلف يركن إلى هذا أو الشارح يركن إلى هذا القول الثالث، أنها ما دامت أنها خل فيجوز، والإثم على من تسبب في هذا. وأما مسألة طهورية الخل أو حله، فهذا لا تعلق لها بهذه المسألة، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتخذ الخمر خلا، فلا يجوز لأحد أن يتخذ الخمر خلا، لكن لو صارت خلا هل يجوز أن يستعمل هذا الخل؟ فالمسألة فيه خلاف. ورجح المؤلف هنا أنه يجوز، لأنه خلا لغة وشرع. وذكر ذلك عن المغربي صاحب الشرح أصل الشرح سبل السلام، فإنه خل لغة وشرع. وهذا صحيح، هذا خل ليس خمرا، الآن صار خلا، لكن صحيح أن إنسانا خلله، فالإثم على من خلل هذا الخمر، من خلل هذا الخمر الإثم عليه. وأما هذا الخل، هل يقال أنه لا يجوز استعماله؟ فالصحيح أنه يجوز، لأنه خل لغة وشرع، ليس خمرا، وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر. وأما مثل تخليله، سواء كان نقل من شمس إلى ظل أو استعمل فيه بعلاج يجعله يتخلل أو غيره، فكل هذا لا يدل على أن هذا الخل لا يجوز استعماله. أما حديث أبي طلحة، ليس فيه أنه يجوز أن يخلل، معنى العلماء هؤلاء الذين قالوا أنه يجوز استعمال الخل لم يقولوا بأنه يجوز أن يخللها، بل هذه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها. لما قال: أنه عنده خمر لأيتام، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أرقها»، قال: «أرقها»، فقال: أو أخللها يا رسول الله؟ قال: «لا». عن الآن هل معنى الذين استدلوا بهذا الحديث هل يريدون النبي صلى الله عليه وسلم يقول لو خللها، لو قال لو خللها معنى أجازة التخليل، أجازة النبي صلى الله عليه وسلم التخليل؟ وهذا كما قلنا، نهى عنه نبي صلى الله عليه وسلم، نهى عن أن تخلل، لكن لو خللت وصار تخلل، هل يجوز في عمالها الطاهر؟ أنه يجوز كما قال المؤلف، لأنها خلل ليست خمر، والإثم على من خللها. وهنا ذكر صورا لا تجعل الخمر تمر أو لا تجعل هذا النبيذ الذي يخرج من الأشجار، سواء كان أشجار التفاح أو العنب أو النار الجيل هذه أو جوز الهند، فهذه غالبا يخرج منها سائل، هذا السائل يكون خلا بعد ذلك. فهناك طرق تجعله لا يمر بالخمرية، فذكر هنا منها صور. قال: وجعل التخلل أيضا من دون تخمر في صور، منها إذا صب في إناء معتق بالخل عصير عنب، فإنه يتخلل ولا يصير خمرا. أنا يأتي بعصير عنب ويضعه في هذا الخل، في إناء معتق، إناء قديم من الفخار أو كذا، فيضعه قبل أن يصير خمرا، لأن يقولون أن الظاهر إذا جاءت الشمس عليه يتصير خمرا، قبل أن تصير خمر يضع هذا العصير عليها. قالوا: منها إذا جردت حبات العنب من عناقيدها، هذا يقصد خل العنب، وملي منها ليناء، وختم رأس ليناء بطين أو نحوه، فإنه يتخلل ولا يصير خمرا. ومنها إذا عصر أصل العنب، ثم ألقي عليه قبل أن يتخلل مثله خلا صادقا، فإنه يتخلل ولا يصير خمرا أصلا. أنا قبل أن يتخمر صب إليه خل قد عقد، فيصير خلا ولا يمر بالخمرية. وهنا أيضا مسألة أخرى أو عدة مسائل من مسألة استحالة النجاسة، استحالة النجاسة إلى شيء آخر، هل هذا الشيء الآخر يعتبر طاهر أم لا؟ فأيضا خلاف بين أهل العلم في استحالة النجاسة، أنا تستحيل لمادة أخرى، مثلا العذرة أو الغائط يكون مثل الرماد، أو ما يفعله مثلا بعض الناس الآن، لو قلنا مثلا لحم الخنزير نجس، يجعله صابونا أو يجعله في شيء من هذه الأمور، ليس الطعام الشراب، فهل هذه الاستحالة تطهر؟ فمذهب الحنفية وأهل الظاهر أنها تطهر بالاستحالة. وذكر أيضا رواية في مذهب مالك وأحمد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ألا أنها طاهرة، النجاسة إذا استحيل طهرت، لأن الله عز وجل حرم وبين لنا النجاسة في تلك المادة، أما هذه المادة الأخرى ليست هي التي قصدها الله عز وجل. وذهب جمهور العلماء إلى أنها لا تطهر من استحالة، لكن كما قال شيخ الإسلام، أنه أن الأصل هو بقاء النجاسة، فإذا أزيلت هذه النجاسة أو تحولت إلى غيرها، فلم يتعبدنا الله عز وجل بترك هذا الذي تحولت إليه. فصحيح أن استحالة النجاسة تكون طاهرة. فمثلا كما قلنا، هذه الصوابين أو كذا، حتى ولو استعمل فيها لحم خنزير أو غيره، على القول بنجاسته، فإنه لا يقال أنه لا يجوز استعماله، الاستعمال ما في شيء، الاستعمال ما في شيء، لكن الأكل والشرب لا، ما يجوز إذا كان مثلا منتج فيه شيء من لحم الخنزير أو من شحمه، هذا الذي لا يجوز استعماله. وأما ما كان استعماله خارجي كالصوابين وغيرها، فيجوز. وأيضا يجوز عند كثير من المعاصرين استعمال ما كان أصله نجاسة، مثلا يستعمل في أمور شرعية، مثل الأدوية وغيرها، أو مثل البنج، البنج، فأجاز العلماء استعماله. وهناك مسألة أخرى، مسألة التطهير، هل لا بد أن يكون تطهير بالماء؟ أم يجوز التطهير بغير الماء؟ وأيضا نفس المسألة، الحنفية وأهل الظاهر، وشيخ الإسلام على أنها يجوز. وأستدل بتطهير الخفين، بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي كان ذيلها كبير، قال: «يطهره ما بعده»، أنها تمشي يكون فيها نجاسات، قال: «يطهره ما بعده». فصحيح أنه يجوز، أو أنها تطهر النجاسة بأي شيء أزالها. فالحكم يدور مع علته وجودا وعدما، إذا وجدت النجاسة والواجب هو إزالتها، إذا لم توجد النجاسة وأزيلت بنفسها، فحكمها قد ذهب، حكمها قد ذهب. مثلا الآن بعض الثياب إذا كانت فيه نجاسة، ثم لم يرى أثر هذه النجاسة في الثوب، فهنا يعتبر طهور، ولو لم يطهيره بالماء، ولو لم يطهيره بالماء، أو مثلا علقه في الشمس، علقه مثلا في الهواء، فذهب أثر النجاسة، فيعتبر أنه ليس بنجس. طيب، إن شاء الله، هذه بعض المسائل في هذا الحديث، والله أعلم.