الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 19، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع أحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد ويبين ضعف بعضها، ثم يقسم الناس في زيارة القبور إلى ثلاثة أقسام: زائر يدعو للميت وهي الزيارة الشرعية، وزائر يدعو بالميت وهو شرك، وزائر يدعو الميت نفسه وهو شرك أكبر. كما يوضح أن الزيارة الشرعية تكون بالدعاء للموتى وتذكر الآخرة اتباعاً للسنة، بينما الزيارة البدعية تتوسل بالمقبورين دون اعتقاد الربوبية، والزيارة الشركية تدعو الأموات كوسائط إلى الله.
يوضح المقطع أن دعاء غير الله مع الاعتقاد بأنه دعاء لله يعد شركاً، وأن النبي ﷺ حمى التوحيد بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها لسد ذريعة التشبه بعباد الشمس مستدلاً بحديث عمرو بن عبسة. كما بين أن السجود لغير الله من أعظم المحرمات، مستشهداً بلفظ «لا ينبغي» الوارد في القرآن للدلالة على شدة التحريم.
يختتم المتحدث حديثه مكتفياً بما تم طرحه من أحكام زيارة القبور والنهي عن الصلاة في أوقات النهي. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. وبعدما ذكر المؤلف أحاديث في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، ذكر أيضا الزيارات، أو ذكر بعض الأحاديث التي فيها الزيارات. قالوا: في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». وهذا الحديث في إسناده أبو صالح بن باذام، وهو ضعيف جدا. وصحة «لعن الله زوارات القبور»، وأما «المتخذين عليها المساجد والسرج» فهذا لم يصح. والنهي عن اتخاذ القبور مساجد قد مر، وأما اتخاذ عليها السرج فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء، فهي كما قال الشيخ الألباني أنها منكرة، أي هذه الزيادة: والسرج. قالوا: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهذا إسناده صحيح، وهو عند مالك في الموطأ. وقال: قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». قال: رواه البخاري ومسلم. طيب، هذه الأحاديث أكثرها صحيح، وهي في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. واتخاذ القبور مساجد قلنا: إما بالصلاة إليها، أو بالسجود عندها، أو كذلك ببناء المساجد والقباب عليها، فكل هذا يعتبر من اتخاذ القبور مساجد، وقد ذكرنا ذلك في الدرس الذي مضى. قال: والناس في هذا الباب عن زيارة القبور على ثلاثة أقسام: قوم يزورون الموتى فيدعون لهم، وهذه الزيارة الشرعية. وقوم يزورونهم يدعون بهم، وهؤلاء هم المشركون، وجهلت العوام والطغام من غلاتهم. وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». وقد حمى النبي عليه الصلاة والسلام جانب التوحيد أعظم حماية، تحقيقا لقوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾. طيب، الآن يقول الشيخ هنا: إن زيارة القبور على ثلاثة أقسام. زيارة شرعية، وهي أن يزور الموتى ويدعو لهم، فهذه تسمى زيارة شرعية، وقد جاءت في الأحاديث في زيارة القبور أنها تذكر الآخرة، أنها تذكر الآخرة، وأيضا فيه إحسان للميت أن يدعى له، وهو اتباع السنة، كذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. فهذه ثلاثة فوائد في زيارة القبور: الزيارة الشرعية يدعو لهم، وأيضا تذكره الآخرة، وأيضا هو من اتباع السنة. والقسم الثاني: قال: قوم يزورونهم يدعون بهم، وهؤلاء هم المشركون. يعني يدعون بهم، أن يدعون... يدعون هؤلاء المقبورين. إن كان أراد أنهم يدعونهم من دون الله، لكن هنا يقول: يدعون بهم، يدعون بهم، كأنهم يتوسلون بهم، يتوسلون بهم، يزورونهم يدعون بهم. وهذا يدخل في التوسل المبتدع، يدخل في التوسل المبتدع. مثلا يقول السائل: اللهم بحق فلان، أو بجاه فلان، أو أني أدعوك عند قبر فلان، أو أني أتوسل إليك بفلان. فهذا يعتبر بدعة وليس شركا. وهنا سماه المؤلف شركا، وإنما هو بدعة. تعتبر هذه الزيارة بدعية، أن يتوسل بهم أو يتمسح بترابهم أو غير ذلك مما لا يكون فيه شرك بالله جل وعلا، أو إعطائهم حق الربوبية والألوهية مما اختص به الرب جل وعلا. فيدعون بهم، بمعنى يتوسلون بهم إلى الله. وهذا توسل مبتدع، فهم يدعون الله أصلا، لكن يقولون: بجاه فلان، أو بحق فلان، أو نتوسل إليك بفلان. وكل هذا من البدع التي لا ينبغي أن تكون، وينبغي المسلم أن يتركها. فهذه تعتبر زيارة بدعية، تعتبر زيارة بدعية وليست شركية. وقال: وقوم يزورونهم فيدعونهم أنفسهم، أي يدعون الأموات، يدعون الأموات من دون الله جل وعلا. وهذا يعتبر شركا. هذه الزيارة الشركية، وإن لم يقل أنهم ينفعون ويضرون. بعضهم يقول: أنا ما أعتقد النفع والضر فيه، أنا أعتقد النفع والضر في الله، لكن هؤلاء وسيلة، أتخذهم وسيلة في الدعاء، أدعوهم حتى يدعوا الله، هكذا يقولون. وهذا كلام باطل، بل هو شرك، بل هو شرك أهل الجاهلية: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾. فهم يدعونهم من دون الله، ويعتقدون أنهم يدعون الله، يعتقدون أنهم ينفعونهم في دعاء الله عز وجل. وهذا أيضا طلب من مخلوق لا يقدر عليه، طلب من ميت لا يقدر عليه، فلذا يعتبر أيضا شركا. قالوا: قد حمى النبي عليه الصلاة والسلام جانب التوحيد أعظم حماية، تحقيقا لقول تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾. حتى نهى عن الصلاة في هذين الوقتين، أعني في هذين الوقتين: أي عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكونه ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين. وسد صلى الله عليه وعلى وسلم، وسد صلى الله عليه وعلى وسلم الذريعة بأن منع الصلاة من بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين الذين يسجد المشركون فيهما ميل الشمس. يريد حديث عمر بن عبسة: «صلي صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صلي، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح» إلى آخر الحديث. فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها أنها تغرب وتطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، حتى لا يشبه المسلمون هؤلاء الكفار، فنهاهم عن الصلاة في هذين الوقتين خاصة. قال: وأما السجود لغير الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله». ولا ينبغي في كلام الله ورسوله إنما استعمل للذي هو في غاية الامتناع. فقوله تعالى: ﴿ وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ وما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾. فهذا كله يدل على أن كلمة «ما ينبغي» يطلقها الشارع أو الشرع على الشيء العظيم. فقال: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»، فهذا لأن أمره عظيم. طيب، وهذا إن شاء الله السجود لغير الله نتركه في الدرس اللاحق. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر